المحتوى الرئيسى

نيابة الأحوال الشخصية من أهم إنجازات القضاء الشرعي الفلسطيني بقلم: سماحة الشيخ تيسير التميمي

06/04 21:18

هذا هو الإسلام نيابة الأحوال الشخصية من أهم إنجازات القضاء الشرعي الفلسطيني الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً www.tayseer-altamimi.com , info@tayseer-altamimi.com الحلقة الثانية : المدعي بالحق العام الشرعي (المحتسب) وعودة إلى موضوع نيابة الأحوال الشخصية والطعن في دستورية تشكيلها ، وأتناول اليوم في هذه الحلقة المدعي باسم الحق العام الشرعي في المحاكم الشرعية ، وهو الذي يقوم بما كان يقوم به المحتسب في التاريخ الإسلامي . والمحتسب هو من يقلده الحاكم (القاضي) ويعينه للقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ بحيث يصبح الآمر المطاع ما دامت الدولة (ومؤسساتها المختصة) سنداً له ، وبالمعنى الخاص هو الذي يفوضه القاضي ليدعي بالحق العام الشرعي حسب الأصول القانونية والإجرائية النافذة في المحاكم الشرعية . وحتى يتمكن هذا الموظف المختص من أداء مهامه على الوجه الأكمل فلا بد من توفر جملة شروط فيه ، وأبرزها بالإضافة إلى العقل والبلوغ والإسلام ما يلي : 1- أن يكون مأذوناً له بالادعاء بالحق العام الشرعي من الحاكم أو القاضي ، فهذه المهمة لا تناط بأي فرد عادي من الناس ، وهذا الشرط هو الذي يميز بين المكلف بالاحتساب (الادعاء بالحق العام) وبين المتطوع ، فهي لا تجب إلا بتفويض ممن يملك سلطة التولية والتعيين ؛ لأنها من الولايات التي فيها احتكام ومقاومة وقضاء ، ولو تركت للأفراد فستؤدي إلى شيوع الفتنة والفوضى والاضطراب بين الناس بذريعة الاحتساب . 2- أن يكون عدلاً ، فكثير من العلماء يرون أنه ليس للفاسق أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر ، بل إن من لم يشترط العدالة من العلماء اشترط ضرورة اتصاف المحتسب بقدر من التدين والورع والترفع عن الصغائر ، مما يسهم في توقيره وعدم الطعن في دينه ، وهذا يؤدي إلى تأثيره في الناس وقبولهم له أثناء قيامه بمهامه . 3- القدرة ، فالعاجز لا حسبة عليه بل ينكر بقلبه ، والعجز يكون إما بالجسد وإما بعدم إحداث التغيير ، فممارسة الاحتساب من قبل الضعيف لا يحدث التغيير بل ربما أحدث منكرات أعظم خطراً ، وفيه تعريض النفس للهلاك ، وعلى الرغم من أن المحتسب يستمد قوته من الدولة ؛ إلا أن حمايتها له تضعف في الأماكن البعيدة عنها أو قد يتأخر وصولها إليه ، لذا يجب أن يكون المحتسب ذا رأي وحكمة ومهابة وخشونة . 4- العلم : فيجب أن يكون المحتسب عالماً بالمعروف ليأمر به وبالمنكر لينهى عنه حسب موازين الشريعة ، فلا يجوز إسناد هذه المهمة إلى جاهل ، فالمؤكد أن الجهل بحدود الحسبة ومواقعها يدفعه إلى التجاوز أثناء أدائها فيفسد بدل أن يصلح ، ويسيء بدل أن يحسن ، ويظلم بدل أن يرفع الظلم ، فإذا كانت درجة العلم لديه لا تفي بالمطلوب كان لزاماً عليه اختيار الأعوان الأكفياء من ذوي العلم بالمسائل التي تتعلق بعمله وولايته ليستشيرهم فيها أو ليحولها إليهم . والعلم المطلوب توفره اليوم فيمن يتولى الادعاء بالحق العام الشرعي هو العلم بمسائل الأحوال الشخصية التي تتولى المحاكم الشرعية الفصل فيها ، والعلم بإجراءات التقاضي المتبعة في المحاكم الشرعية ، والعلم بالقوانين التي تنظم العمل في جهاز القضاء الشرعي . ويعتبر الحاصل على الدرجة الجامعية الأولى ـ على الأقل ـ في تخصص المحاماة من الجامعات التي تدرس كلية الحقوق فيها مواد الشريعة الإسلامية أنسب من يتولى هذه الوظيفة . ولعل شرط العلم في المحتسب كان من أهم المسوّغات التي دعت إلى استحداث نيابة الأحوال الشخصية في جهاز القضاء الشرعي ، وسأبين ذلك بالتفصيل : بمقتضى المادة رقم (101) من القانون الأساسي الفلسطيني التي تنص على أن [ المسائل الشرعية والأحوال الشخصية تتولاها المحاكم الشرعية والدينية وفقاً للقانون ] ينظر القضاء الشرعي نوعين من القضايا : * نوع يتعلق بحقوق العباد كقضايا النفقات والحضانة والتفريق بين الزوجين بأنواعه والإرث والتخارج وغيرها ؛ ويكون المدعي فيها الفرد صاحب الحق الخاص المدّعى به أو وكيله . * نوع يتعلق بحق الله تعالى ـ وهو حق المجتمع العام أو الحسبة ـ كقضايا إثبات الأوقاف والنسب وفسخ عقود الزواج لبطلانها بأي سبب كالرضاع المحرم أو الزواج بمعتدة الغير أو زواج المتزوج بأكثر من أربع زوجات أو الزواج بإحدى المحارم ، أو دعاوى إثبات الزواج ، ويسمى المدعي فيها " المدعي باسم الحق العام الشرعي " . وهذه القضايا تقابل الحق العام في القضاء النظامي ؛ والتي يتولى الادعاء فيها وكيل النيابة العامة أو المدعي العام ، وتمتاز عن القضايا المتعلقة بالحقوق الفردية الخاصة للمواطنين بأنها لا تقبل الإسقاط مهما تغيب المدعي بها عن حضور جلسات المحاكمة ، ولا تقبل التصالح عليها أو التنازل عنها ، ولا يجوز إيقافها . تولَّت المحاكم الشرعية في فلسطين قضايا الحق العام الشرعي ، لكن العمل به فيها اتسم بما يلي : 1- عدم تمتع المدعي في هذه الدعاوى بالاختصاص الفني ؛ فمن الاستقراء ومتابعة العمل في المحاكم الشرعية لهذه القضايا نجد أن الذي كان يتولى مهمة الادعاء فيها أي مواطن مسلم سواء أكان طرفاً في الواقعة أم لم يكن ، وسواء أكان على علم ودراية بالأحكام الشرعية والقانونية المتعلقة بموضوع الدعوى أو بأصول التقاضي والمخاصمة أو لم يكن ـ وغالباً لم يكن كذلك ـ . 2- جرى العرف في المحاكم الشرعية أن يختار القاضي أحد موظفي المحكمة الشرعية ليدعي باسم الحق العام الشرعي بالإضافة إلى وظيفته (وغالباً ما كان الموظف المختار لهذه الوظيفة هو رئيس قلم المحكمة الشرعية) ؛ وهذا يتنافى مع مبدأ حياد القضاء لما فيه من خلل واضح ، حيث كان القاضي في هذه الحالة هو الذي يوجه الموظف المدعي إلى كيفية إعداد لائحة الدعوى (لعدم اختصاصه بذلك) ؛ بل ربما كان هو الذي يعدها بنفسه ، وهو الذي سيحدد أدلة الإثبات أو النفي ، وهو الذي سيفصل فيها . 3- وكانت النتيجة عدم متابعة هذه القضايا ممن يرفعها لانشغاله بمهام وظيفته ؛ بحيث تصبح كأنها قضايا صورية شكلية فتبقى معلقة مما يضيِّع الحقوق المتعلقة بها ؛ وبالأخص دعاوى إثبات الوقف ، ودعاوى فسخ عقود الزواج الفاسدة أو الباطلة ، والدعاوى المقامة على أولياء القاصرين والأوصياء على أموالهم (وربما ضياع بعض الأراضي الموقوفة وتسريبها إلى الاحتلال والمستوطنين) ، وبقاء العقود الفاسدة أو الباطلة على حالها ، ومعلوم أن هذا سيؤثر في الآثار المترتبة عليها ؛ مثل مدى شرعية العلاقة بين الزوجين . وهذه الأوضاع غير صحيحة من الناحية القانونية والشرعية أيضاً ، ومن هنا برزت الحاجة لإنشاء الدائرة المتخصصة لتقوم موظفوها المختصون بالادعاء العام الشرعي على الوجه الموافق للأصول القانونية المعمول بها . أما الآن فوكيل نيابة الأحوال الشخصية المتخصص هو الذي يرفع هذه القضايا أمام المحكمة الشرعية ، ويتمتع بما يتمتع به الخصم الحقيقي ، فهو الذي يعد لائحة الدعوى دون توجيه أو تأثير من أحد ، وهو الذي يحضر الجلسات ويتحمل عبء إثبات دعواه بالبينات الخطية والشخصية حسب القانون ، وله حق إبداء الدفوع القانونية بكافة أنواعها ، وله طلب التأجيل ، وهو الذي يستأنف الأحكام القضائية الابتدائية لدى محكمة الاستئناف الشرعية ، وهو الذي يطعن بها أمام المحكمة العليا الشرعية عند توفر المبررات القانونية والشرعية لذلك .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل