المحتوى الرئيسى

هؤلاء عاشوا في وجداني : عبد الحليم حافظ بقلم علي عبد الفتاح

06/04 20:47

هؤلاء عاشوا في وجداني : عبد الحليم حافظ بقلم /علي عبد الفتاح تأثرت وجدانيا بأغنيات عبد الحليم دون أن ادري .. انتبهت الي الحياة من حولي وصوت عبد الحليم يردد : على قد الشوق .. ورق قلبي .. ورهف احساسي ..كلما تسرب صوت العندليب الي حياتي .. كنت اكتب اغنياته ..واتغنى بها .. وكلما احببت فتاة ارسلت لها احدى كلمات اغنيات حليم كرسالة غرام .. وحين شاهدت حبيبتي مع شاب اخر .. كتبت لها قصيدة لا تكذبي واغنية تخونوه .. وعندما ودعتنى حبيبة اخرى للسفر قلت لها : حاول تفتكرني .. *** وفي لحظات كثيرة .. ومواقف وجدانية لم اكن اردد كلماتي بل اغنيات حليم احببته لانه يعبر عن مشاعري في بساطة ومن خلال عاطفة رقيقة وعميقة تمس احاسيس النفس وتحلق في الخيال.. وسمعت كثيرا ان حليم مريض .. حليم سافر لندن للعلاج .. حليم يعود الي مصر مشتاقا للجمهور ولم اكن ادرك سر مرضه .. حتى في حوار له على صفحات مجلة الكواكب قال ان مرض البلهارسيا كان سببا فيما يعاني الان .. ثم قال : انا على استعداد لعلاج اى طفل يعاني من هذا المرض . *** وخفق قلبي .. وارتعشت روحي في كياني .. لاني كنت اعاني من مرض البلهارسيا .. خمس سنوات يلازمنى المرض دون علاج .. كنت اذهب الي مستشفى المنيرة في منطقة السيدة زينب بالقاهرة للعلاج المجان لم يكن يملك ابي القدرة على علاجي لدى دكتور خاص او مستشفى والعلاج المجان مأساة كبيرة .. *** في البداية كانت تصحبني أمي الي المستشفى دون افطار ..ثم بعد ذلك صرت اذهب وحيدا .. واقف في طابور طويل من الاطفال المصابين بداء البلهارسيا وفي الامام يجلس ممرض ومعه حقنة يغرس سنها في وريد كل طفل لينال جرعة وكنا جميعا نصرخ ونبكى من الالم وبعضنا يغشى عليه ويسقط على الارض *** كانت مأساة كبيرة .. كتبت عنها في مجموعة قصصى عالم البراءة والقصة عنوانها : عذاب . فما كان أبشع هذا الموقف بين الصراخ والبكاء .. واغماء الاطفال وحين كان يأتي دوري اكون قد هلكت وسقطت على الارض غائبا عن الوعي *** وتعلمت ان اكذب على أمى كل مره فلا اذهب الي المستشفى واسجل بيدى تاريخ اليوم وتوقيع للطبيب لا احد يعرف ان يقرأه . وظللت اعاني .. وكنت في السابعة من عمري .. وعندما قرأت ما قاله حليم .. قررت أن اكتب له رسالة .. وقلت له فى رسالتي كل شىء بصدق .. واني من اسرة فقيرة لا تتحمل نفقات علاجي لدى طبيب خاص .. وكتبت عنواني .. واسمى .. وقررت ارسال الرسالة . ولكن كيف تصل الي يد عبد الحليم حافظ ؟ *** كنا نسكن منطقة باب الخلق امام محكمة جنوب القاهرة وبجانبها مديرية أمن القاهرة وامام بيتنا دار الكتب المصرية التي تحولت الان الي متحف الفن الاسلامي . وكنت ارى بعض من اصدقائي معه صور حليم وسألته عن مصدرها فقال لي : - الاستاذ عباس يسكن هنا بجوارنا .. الاتعرفه انه شقيق زوجه خالك . والاستاذ عباس هو سكرتير عبد الحليم حافظ *** ولذلك وجدت من السهل كتابة رسالتي الي حليم وفي يوم .. صعدت الي شقة الاستاذ عباس وطرقت الباب .. وظهرت زوجه خالي امامي فابتسمت وسالتني عن حاجتى ودخلت الى الشقة فكان الاستاذ عباس يجلس ومجموعة كبيرة من العائلة ولمحت خالي الذى صاح وقال : - ايه اللي جابك هنا عاوز ايه ؟ ودون ان اتكلم مددت يدى بالرسالة الي الاستاذ عباس الذى فتح الرساله وقرأ بصوت عالي امام افراد العائلة من رجال وسيدات وشباب وبنات ومع كل كلمه من كلماتي انفجر الضحك عاليا وشعرت بسكين يذبح قلبي .. وكدت اقذف بنفسي من النافذة التي خلفي فابتعدت في هدوء وخرجت وهم مازالوا يضحكون وسمعت صوتا يقول : - هذا الولد غبي .. هو حليم فاضى يعالجه .. ولا هذا نوع من التسول *** ومشيت في الشارع ابكى وحين سألتني أمى عن حالي قلت لها لا شىء غبار تسرب الي عيوني واختبأت في مكان ما وظللت ابكى *** وفي المرحلة الثانوية .. وكنت قد شفيت من مرض البلهارسيا بعد ان اجتهدت امي مع الجيران لتشارك في جمعية لعلاجي لدى طبيب خاص واذكر ان انيس منصور قد كتب يوما عن طبيب رائع يتميز بانسانية كبيرة يقدم علاجا مخفضا للفقراء انه الدكتور عادل المصري. وذهبت اليه وانا خائف .. وخجل .. ودفعت له امي جنيها واحدا في حين ان الاخرون يدفعون اكثر من ذلك واستطاع علاجي من خلال وسيلة جديدة بعيدة عن غرس الحقن في الشريان وشفيت تماما **** لكن في المرحلة الثانوية التقيت بالصديق صبحي عبد العال وسمعنى اردد اغنيات حليم فاقترب منى وقال : - اتعرف ان خالي هو عباس سكرتير عبد الحليم *** وذهلت ,, هاهو الاستاذ عباس يظهر مرة اخرى في حياتي وقصصت بحزن قصة رسالتي لعبد الحليم والضحكات والتهكم منى فقال صبحي بجدية : - اتعلم اننا اقارب .. لان زوجة خالك هي خالتي. ووعدني صبحي بالحديث الي الاستاذ عباس عنى ولماذا ضحك الجميع منى ولماذا لم تصل الرسالة الي حليم **** و جاءني صبحي فرحا وقال : - اليوم سنذهب لمكتب عبد الحليم في شارع رمسيس خالي عباس يود ان يراك ضحكت وقلت له : - فين من زمان وانا صغير لم يسأل عنى *** وفي مكتب عبد الحليم صافحت الاستاذ عباس وقال انتظروا هنا لا تلعبوا في شىء سأذهب لشركة صوت الفن اوقع واعود اليكم. *** وفي الحقيقة كانت فرصة كبيرة عبثنا في كل شىء فتحنا ادراج المكاتب قرأنا رسائل المعجبين والعاشقات لحليم وشاهدنا صور حليم الخاصة في بيته وفي السعودية والكويت ولندن ومع عبد الوهاب وبليغ وغيرهم وسرقنا صور كثيرة لحليم وجلست كتبت بخطى انا اهداء الي كل صديق لي وصديقة واوقع باسم عبد الحليم. وكنت اتخيل اني سوف اجد رسالتي في احد الملفات ولكنى لم اجدها . ومنذ ذلك اليوم اصبحت اتردد على مكتب حليم كل اسبوع والمكتب مزين برسائل المعجبين حتى السقف ملصق عليه الرسائل والابواب والجدران .. المكتب مغطى بعشق المعجبين والمعجبات . *** حتى كانت حفل اغنية زى الهوى جاء صديقي فرحا واكد اننا سوف نحضر حفل حليم في اول شهر ابريل 1969م .. ولم اتمالك نفسي من الفرحة واعلنت الخبر للجميع اننى سوف احضر حفل عبد الحليم بدعوة خاصة منه . وفي يوم الحفل قال لي صديقي اننا علينا الذهاب الي منزل عبد الحليم في الزمالك للقاء خاله الاستاذ عباس ليسلم لنا دعوة الذهاب الي الحفل في سينما ريفولي بوسط القاهرة . وسألت صديقي في قلق : - هل سوف نري حليم ؟ قال دون مبالاة : لا اعتقد .. *** واتجهنا صوب بيت حليم بالزمالك .. امام حديقة الأسماك .. واقتربنا من الشقة .. ودخلنا في هدوء وجلسنا في اقرب مقاعد .. وقلبي يخفق بشدة .. والعرق يتدفق .. واعصابي ترتعش وادعو الله ان اراه .. وجاء الاستاذ عباس .. وصافحنا وسلم لنا البطاقات او تذاكر الدخول للحفل وبينما نحن نوشك على الخروج ظهر حليم امامنا كأشراقة شمس .. وكان ينادى عباس وقال له عباس : - صبحي ابن اختى وصديقه علي عاوزين يروحوا الحفلة اليوم ابتسم حليم ومد يده تصافحنى ونسيت نفسي .. ونسيت كل شىء .. وكأنى تجمدت في مكاني وسألني حليم : - عاوز تحضر الحفلة ..؟ وهززت رأسي .. فقال حليم : شوف لهم مكان قريب من المسرح يا عباس وانصرف كالطيف الخاطف ولم اصدق نفسي *** لماذا لم اعبر له عن حبي ؟ لماذا لم اعرف منه مصير رسالتي ؟ لماذا لم اعانقه ؟ لماذا لم اخبرة اني املك جميع اغنياته مكتوبة بخط يدى في اوراقي ؟ ولماذا ولماذا ؟ وتعجب منى صديقي وقال : - كان شكلك اهبل اوى ؟ مش تتكلم معاه ؟ *** ومنذ ذلك اليوم اعتبرت حليم صديقي .. اذهب الي مكتبه واحضر صوره اوزعها على شباب وفتيات العائلة وادعي كاذبا ان حليم اعطى لى هذه الصور وكل يوم تنهال الطلبات نريد صورة حليم نريد صورة حليم وانا الوحيد الذى استطيع ذلك لاني صديق حليم وبالطبع كان عباس يكتب الاهداء على الصور بالاسماء التى اخبره بها .. *** ومن اجل حليم تكبدت خسائر كثيرة في يوم عرض فيلم ابي فوق الشجرة التف اصدقائى حولي وصاحوا : - اطلب تذاكر من عبد الحليم لنشاهد الفيلم ووقعت في حيرة كبيرة لكن صديقى صبحي فكر معي في اقتراض مبلغ من المال ونشترى التذاكر ونذهب جميعا لمشاهدة الفيلم حتى لا ينكشف الامر ويسخر منا الاصدقاء . ولكن لم ينته الامر عند هذا الحد جاء دور الصديقات وبنات العائلة . *** انهن يتوقعن مشاهدة مجانية للفيلم لاني صديق عبد الحليم واقترضت مالا لشراء التذاكر وتوزيعها على الصديقات وفتيات العائلة كان فيلم ابي فوق الشجرة كارثة اوقعتنى في الديون حتى اني كنت املك مجموعة من الاقلام الباركر هدية ذهبت وبعت هذه الاقلام بين الحسرة والندم لشراء تذاكر فيلم ابي فوق الشجرة . وظللت شهور كثيرة بعد ذلك اسدد ديون هذا الفيلم لاني كذبت عليهم منذ البداية وانا ادعي ان حليم يهديني الصور ان حليم يدعوني للحفلات مجانا فليس غريبا ان احضر لهم تذاكر مجانا . ولا ادري ماذا سيقولون عنى الان حين يقرأ بعضهم اعترافي هذا ؟ *** ويوم رحيل حليم عام 1977 في شهر ابريل بكيت كثيرا من اجله وانا اشاهد الملايين يودعونه والفتيات ينتحرن من اجله والعالم العربي امرأة يلفها الحزن والسواد وعاش حليم في وجداني حتى الان فمازلت استمع الي اغانية واسجل كلمات الاغنيه على حواف الكتاب الذى اقرأ فيه او الاوراق التي امامي كان ومازال يحيا في وجداني .. ***

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل