المحتوى الرئيسى

الغساسنة المعاصرون

06/04 14:36

بقلم: الشيخ عبد اللطيف المناحي اتقوا الله وكونوا مع الصادقين استوقفني هذا المشهد من سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أعقاب غزوة تبوك، وهذه المصارحة العجيبة لكل ما يدور بين خلجات النفس، وهذا الصدق الرائع من سيدنا كعب بن مالك- رضي الله عنه-، وقد كان أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك لكنهم لم يعتذروا كغيرهم وصدقوا مع رسول الله فكان عقابهم أن تتم مقاطعتهم من المجتمع فلا كلام ولا سلام.   ففي الصحيحين يروي لنا سيدنا كعب حاله مع أقرب الناس إليه وهو ابن عمه "وَنهَى رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عن كَلامِنَا أَيُّهَا الثلاثَةُ مِن بَين من تَخَلَّف عَنهُ، قال: فاجْتَنبَنا النَّاس أَوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرت لِي في نفسي الأَرْضُ، فَمَا هيَ بالأَرْضِ التي أَعْرِفُ، فَلَبثْنَا عَلَى ذَلكَ خمْسِينَ ليْلَةً. فأَمَّا صَاحبايَ فَاستَكَانَا وَقَعَدَا في بُيُوتهمَا يَبْكيَانِ وأَمَّا أَنَا فَكُنتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنتُ أَخْرُج فَأَشهَدُ الصَّلاة مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحدٌ، وآتِي رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُو في مجْلِسِهِ بعدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نفسِي: هَل حَرَّكَ شفتَيهِ بردِّ السَّلامِ أَم لاَ؟ ثُمَّ أُصلِّي قريبًا مِنهُ وأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقبَلتُ على صلاتِي نَظر إِلَيَّ، وإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتى إِذا طَال ذلكَ عَلَيَّ مِن جَفْوَةِ الْمُسْلمينَ مشَيْت حَتَّى تَسوَّرْت جدارَ حَائط أبي قَتَادَةَ وَهُوَا ابْن عَمِّي وأَحبُّ النَّاسَ إِلَيَّ، فَسلَّمْتُ عَلَيْهِ فَواللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْت لَه: يا أَبَا قتادَة أَنْشُدكَ باللَّه هَلْ تَعْلَمُني أُحبُّ الله وَرَسُولَه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ فَسَكَتَ، فَعُدت فَنَاشَدتُه فَسكَتَ، فَعُدْت فَنَاشَدْته فَقَالَ: الله ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرتُ الْجدَارَ".   وزاد الاختبار والامتحان حتى جاء الأمر لسيدنا كعب أن يعتزل امرأته؛ وفي استجابةٍ سريعة يأمر كعب امرأته أن تلحق بأهلها يقول سيدنا كعب: "حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُون مِن الْخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَثِ الْوَحْىُ إِذَا رسولِ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَأَمُرُكَ أَنْ تَعْتزِلَ امْرأَتكَ، فقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا، أَمْ مَاذا أَفعْلُ؟ قَالَ: لا بَلْ اعتْزِلْهَا فلا تقربَنَّهَا، وَأَرْسلَ إِلى صَاحِبيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ. فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحقِي بِأَهْلكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللُّهُ في هذَا الأَمر".   وهنا ضاقت الدنيا باتساعها على سيدنا كعب ولك أن تتخيل عندما تضيق الدنيا وتضيق النفس؛ تضيق حقيقةً وليس على سبيل المبالغة أو المجاز يقول الله تعالى: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)) (التوبة).   بلغنا أن صاحبك قد جفاك!! ما سبق من البلاء والاختبار اشترك فيه الثلاثة الذين خُلفوا، أما سيدنا كعب فلكونه كان من شباب المسلمين، وكان شاعرًا أديبًا فقد تعرَّض لاختبارٍ من نوعٍ آخر تعالوا نرقبه وهو يقص علينا.   "فبَيْنَا أَنَا أَمْشي في سُوقِ المدينةِ إِذَا نَبَطيُّ منْ نبطِ أَهْلِ الشَّام مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يبيعُهُ بالمدينةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كعْبِ بْنِ مَالكٍ؟ فَطَفقَ النَّاسُ يشيرون له إِلَيَّ حَتَّى جَاءَني فَدَفَعَ إِليَّ كتَابًا منْ مَلِكِ غَسَّانَ، وكُنْتُ كَاتِبًا. فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بلَغَنَا أَن صاحِبَكَ قدْ جَفاكَ، ولمْ يجْعلْك اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيعَةٍ، فَالْحقْ بِنا نُوَاسِك، فَقلْت حِين قرأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضًا من الْبَلاءِ فَتَيمَّمْتُ بِهَا التَّنُّور فَسَجرْتُهَا".   إن أمير غسان يبعث جاسوسًا في صورة تاجر برسالةٍ من الأمير شخصيًّا يخبره بعلمه بما يعاني من وحدة وضيق داخل المجتمع المسلم في المدينة، ويعرض عليه اللحاق به في أرض غسان ليواسيه ويالها من وقفة صدق مع النفس إذْ يرفض كعب هذا العرض برد عملي بليغ فيلقي بها في النار بجواره وهو في السوق ويقول وهذا أيضًا من البلاء.   الغساسنة المعاصرون إنها رسالة قوية تحمل بين طياتها تحذيرًا لكل مَن تضيق به نفسه مهما كانت الأسباب احترس فهناك مَن يراقب حالك من آلاف الغساسنة المعاصرين في الداخل والخارج؛ اختلفت أسماؤهم، لكن أفعالهم متشابهة ورسالتهم واحدة.   موفد أمير الغساسنة إلى كعب بن مالك في المدينة كان تاجرًا، وقد يكون الآن كذلك في صورة مستثمر أو مراسل أو صحيفة أو فضائية أو سفارة أو هيئة علمية أو منظمة من المنظمات الدولية.. تعددت الأساليب والأسماء لكن الرسالة واحدة.   مضمون الرسالة: 1- نحن متابعون لكل ما يحدث لك ومتضامنون معك، ونرفض الأسلوب الذي تم معاملتك به "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بلَغَنَا أَن صاحِبَكَ قدْ جَفاكَ".   2 - العمل على زيادة هوة الخلاف وصب الزيت على النار، والإشارة إلى أن مثلك لا يستحق التقليل من شأنه هكذا، ونحن نقدر إمكاناتك وندرك قيمتك ومواهبك التي تؤهلك لما هو أفضل "ولمْ يجْعلْك اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيعَةٍ".   3 - الإعلان عن الصدر الحنون والدعم المادي والمعنوي اللامحدود "فَالْحقْ بِنا نُوَاسِك".   - فهل ينتبه شبابنا إلى تلك الرسالة؟ - هل سيردون عليها كما فعل سيدنا كعب بن مالك؟؟ - هل يعلمون أن هذا من البلاء والاختبار وسيثبتون علي دعوتهم؟.. "فَقلْت حِين قرأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضًا من الْبَلاءِ فَتَيمَّمْتُ بِهَا التَّنُّور فَسَجرْتُهَا".   يا شبابنا تذكروا قول الأستاذ البنا عليه رحمة الله في ركن الثبات من أركان البيعة: "وأريد بالثبات: "أن يظل الأخ عاملاً مجاهدًا في سبيل غايته مهما بعدت المدة، وتطاولت السنوات والأعوام، حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين، فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)، والوقت عندنا جزء من العلاج، والطريق طويلة المدى بعيدة المراحل كثيرة العقبات، ولكنها وحدها التي تؤدي إلى المقصود مع عظيم الأجر وجميل المثوبة.   وكأن الأستاذ البنا يعالج حماسة الشباب واستعجالهم وأهمية اختيار الوقت المناسب فيقول "وذلك أن كل وسيلة من وسائلنا الستة تحتاج إلى حسن الإعداد وتحين الفرص ودقة الإنفاذ، وكل ذلك مرهون بوقته ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).اللهم ثبتنا وثبت شبابنا يا رب العالمين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل