المحتوى الرئيسى

ماذا عن استقلال أجهزة الرقابة المالية الأخرى؟

06/04 13:17

يوسف أبا الخيل إن حق وزارة المالية في المطالبة بالاستقلال العضوي والمالي, لا يقل, إن لم يفق, مطالبة الديوان بذات الاستقلال. فإذا كان الاستقلال المالي الذي يطالب به الديوان سينشأ عنه إعفاؤه من رقابة وزارة المالية السابقة على مصروفاته, فإن حق وزارة المالية في المطالبة بإعفائها أيضاً من رقابة الديوان اللاحقة على مصروفاتها لا يقل منطقية عنه. اتضح من خلال حديثنا عن أنواع استقلال أجهزة الرقابة المالية, في الجزء السالف من هذا المقال, أن ما ينقص ديوان المراقبة العامة لكي يكون مستقلاً استقلالاً تاما, إنما يكون في توفر العنصر الثاني من عناصر الاستقلال العضوي المتمثل في" استقلاله فيما يتعلق بالشؤون الوظيفية لأفراده", وفي توفر العنصرين الأول والثالث من عناصر الاستقلال المالي, المتمثلين في كل من:" الاستقلال في مجال إعداد الميزانية, والاستقلال في مجال مراقبة تنفيذها". وبالتالي فأنا أفترض أن مطالبة الديوان في منحه الاستقلال الكامل, إنما تنصب على توفير تلك العناصر الثلاثة, لأن عناصر الاستقلال الأخرى التي استعرضناها في الجزء الأول من المقال, متوفرة له بشكل كامل, كما لغيره من أجهزة الرقابة المالية الأخرى, التي تشاركه القيام بأعباء الرقابة المالية في المملكة،وخاصة منها: وزارة المالية. ودون الانتقاص من دور الديوان المحدد له بموجب نظامه, إلا أنني أرى أن مطالبته بالاستقلال الكامل, وفقاً للمعنى المحدد للاستقلال هنا, دون منحه لوزارة المالية بالذات, والتي تضم جهازاً رقابياً لا يقل الدور المنوط به في مجال الرقابة المالية, عن دور الديوان, فيه إجحاف كبير, بل ولن يؤدي إلى ما هو مأمول منه في أداء الدور الرقابي على الوجه الأكمل, حتى بالنسبة للديوان نفسه. لنأخذ هنا مجالاً واحداً من مجالات الرقابة المالية, والذي يشترك في القيام بأعبائه كل من وزارة المالية وديوان المراقبة العامة, ضمن الصلاحيات والحدود المقررة لكل منهما, ثم, لنرى بعد ذلك كيف يكون منح الاستقلال للديوان وحده, غير معزز, في تقديري, للدور الرقابي الذي ينشده الديوان نفسه. هذا المجال هو مجال مراقبة المصروفات بمجالاتها المحددة في أبواب الميزانية العامة للدولة,والمتمثلة في"نفقات الرواتب والبدلات والأجور, والنفقات التشغيلية, ونفقات برامج التشغيل والنظافة والصيانة, ونفقات المشاريع". تقوم وزارة المالية بمراقبة المصروفات من حيث كفاية مستنداتها, واتفاقها مع النظم والتعليمات المنظمة لها, قبل الارتباط على النفقة. بمعنى أن مسؤوليتها القانونية في الرقابة المالية تبدأ قبل أن تنشأ الاستحقاقات المالية في ذمة الدولة,سواء أكانت تلك الاستحقاقات لأشخاص طبيعيين, أم اعتباريين,( رقابة سابقة على الصرف). وهذا يعني أن الوزارة تضطلع بكفل رئيس في عملية إنشاء تلك الحقوق في الذمة المالية للدولة, وهي حقوق ضخمة على كل حال. وهذا يعني أنه إذا كانت نشأتها,(=الحقوق المالية), مخالفة لما نصت عليه الأنظمة والتعليمات, فإن جزءاً كبيراً من المسؤولية سيقع على عاتق الوزارة, لمشاركتها الجهات الحكومية صاحبة النفقة في مهمة ترتبها, أعني النفقة, على ميزانيتها . وتضطلع وزارة المالية بهذه المهمة عن طريق إدارة الرقابة المالية الملحقة بوكالتها للشؤون المالية والحسابات, والتي لها ممثل"مراقب" مالي في كل وزارة أو إدارة يتألف منها جهاز الحكم, ولها موازنة معتمدة." المادة الأولى من نظام الممثلين الماليين". أما رقابة ديوان المراقبة العامة على تلك المصروفات فهي (رقابة لاحقة على الصرف)."المادة السابعة من نظام الديوان". وتتمثل مهمته في تدقيق مستندات المصروفات, ومراجعة العقود من ناحية مدى مراعاتها للأنظمة والتعليمات المرعية في هذا الشأن بعد الارتباط على النفقات, وبعد أن تكون الحقوق قد دخلت في ذمة الدولة, وأصبحت واجبة الدفع عليها.( مع العلم أن وزارة المالية تقوم أيضاً بمراجعة عقود المشاريع والبرامج قبل توقيعها من قبل طرفيها) .وذلك يعني أن دور الديوان ينحصر في مخاطبة الجهات الحكومية لاستكمال بعض مستندات المعاملات أوالمنافسات, أو طلب تسديد بعض المبالغ غير المستحقة التي أُرتُبط عليها سابقا, لكن لا مسؤولية قانونية عليه تجاه إنشائها في ذمة الخزينة العامة, لأنه لم يشترك في الرقابة السابقة عليها. وشتان بين المسؤوليتين. فمسؤولية الرقابة على النفقات قبل إنشائها في ذمة الخزينة العامة, تفوق بمراحل, مسؤولية الرقابة عليها بعد أن تكون قد نشأت في تلك الذمة, وأصبحت واجبة الدفع على الخزينة العامة, بغض النظر عما لحقها من قصور مستندي. من هنا, فإن حق وزارة المالية في المطالبة بالاستقلال العضوي والمالي, لا يقل, إن لم يفق, مطالبة الديوان بذات الاستقلال. فإذا كان الاستقلال المالي الذي يطالب به الديوان سينشأ عنه إعفاؤه من رقابة وزارة المالية السابقة على مصروفاته, فإن حق وزارة المالية في المطالبة بإعفائها أيضاً من رقابة الديوان اللاحقة على مصروفاتها لا يقل منطقية عنه. لكني أعتقد أن ثمة حلاً معقولاً يمكن أن يوفر للجهازين معاً: وزارة المالية وديوان المراقبة العامة, ما يُفترض أنهما ينشدانه من استقلال عضوي, متمثلاً في" استقلالهما فيما يتعلق بالشؤون الوظيفية لأفرادهما", والمراقبون الماليون منهم بالذات, بدون الحاجة إلى استقلالهما في هذا المجال عن رقابة وزارة الخدمة المدنية. هذا الحل أو المقترح, يتمثل في اعتماد لائحة/ لوائح وظيفية خاصة بهما, لأنهما, فيما يتصل بالعمل الرقابي الموكول إليهما, يؤديان عملاً ذا خصوصية يتطلب, بل ويلح على إيجاد مثل تلك اللوائح. وذلك على غرار اللوائح الوظيفية الخاصة بالقطاعات الأخرى التي تؤدي أعمالاً ذات طابع خاص, ولها لوائح وظيفية خاصة بها, كوزارتي الصحة والتربية والتعليم, وما سواهما. أما ما يتعلق بالعنصر الأول من عناصر الاستقلال المالي, المتمثل في " الاستقلال في مجال إعداد الميزانية", فلا أرى مناسبة إعطاء الديوان الاستقلال فيه, لأن وزارة المالية, بحكم مسؤوليتها المركزية عن إعداد وتقديم الميزانية العامة للدولة, وما يستتبع تلك المسؤولية من استصحاب للظروف الاقتصادية والمالية للدولة, يجب أن تستمر في الإشراف على كافة الجهات الحكومية من ناحية إعداد ميزانياتها. أما ما طالب به الديوان, من"ضرورة مناقشة تقاريره السنوية, وما يرفعه مجلس الشورى في شأنها من مرئيات للمقام السامي، إلى لجنة عليا محايدة لا يكون أي من أعضائها رئيساً لجهاز تنفيذي يخضع لرقابة الديوان", فإنه مع وجاهة هذا الطلب, إلا أني أرى أن ثمة حاجة لإشراك وزارة المالية في هذه اللجنة, لكونها, كما قلت, جهازا رقابيا رئيسيا, وهذا يجعلها تميل إلى دعم ملاحظات الديوان ومرئياته, والبيئة العملية التي تمارس فيها الوزارة الرقابة المالية تشهد بذلك. *عن صحيفة" الرياض" السعودية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل