المحتوى الرئيسى

الإخوان والأقباط.. تاريخ من التعاون والتسامح

06/04 13:45

بقلم: السيد شعيب قامت العلاقة بين الإخوان المسلمين والأقباط (في مجملها) على الود والتقدير والتسامح بل والتعاون والتفاعل أحيانًا، حيث كان الأقباط من جهتهم يشجعون الإخوان المسلمين ويؤيدونهم على أساس كفاحهم ضد الاستعمار، وفي سبيل إرساء القيم الحضارية الإسلامية والثقافة الإسلامية التي ينتمي إليها الأقباط.   وكان الإخوان أيضًا يدركون أهمية الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة المصرية في مقاومة الاحتلال من جهة، ويعون تعاليم الإسلام جيدًا في التعامل مع الأقباط من جهة أخرى، فيتعاملون بروح التسامح الإسلامي الأصيل الذي يصدر عن عقيدة لا عن نفاق سياسي.   لذلك فلا غرو أن يزخر تاريخ العلاقة بين الإخوان والأقباط بنماذج مشرفة ومضيئة ينبغي أن تكون نبراسًا ودليلاً لمن أراد أن يتأسى.   فلقد سجل التاريخ المصري مواقف مضيئة للمحامي القبطي المشهور الأستاذ مكرم عبيد في علاقته بالإمام البنا وجماعة الإخوان وأثر عنه قوله في الإخوان المسلمين: "أنتم إخواني وطنًا وجنسًا، بل إخواني نفسًا وحسًّا، بل أنتم لي إخوان ما أقربكم إخوانًا؛ لأنكم في الوطنية إخواني إيمانًا، ولما كانت الوطنية من الإيمان فنحن إذن إخوان في الله الواحد المنان".   كما أثر عن رجل القانون الدكتور وديع فرج الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة القاهرة في والمحامي أمام محكمة النقض، وأحد الأسماء اللامعة في القانون المصري قوله ناصحًا الشباب المصري: "خير لهذا الشباب الفتي المتوثب الذي يفيض قوة وحيوية أن يسارع بالانضمام إلى هيئة الإخوان المسلمين من أن يفني وقته وشبابه في شوارع فؤاد وعماد الدين".   بل تطورت العلاقة بين الإخوان والأقباط إلى المشاركة السياسية والوطنية فكان الأستاذ لويس فانوس أحد المستشارين السياسيين الإمام البنا، هذا النائب القبطي الذي وقف بمجلس النواب يطلب من الحكومة دعم جمعية الإخوان المسلمين، لأنه اعتبرها الهيئة الوحيدة التي تعمل على تنوير الأذهان وإيقاظ الوعي الشعبي في النفوس ونشر المبادئ السليمة والدين الصحيح والأخلاق الفاضلة..   وكذلك الأستاذ ناصف ميخائيل وهو أحد الأقباط المتخصصين في قضايا الاقتصاد الوطني المصري الذي كان يصطحبه الإمام البنا معه دائمًا في مؤتمراته.   نضيف إلى هذه النماذج المضيئة نماذج أخرى لا تقل وضاءة عنها، فهذا الأستاذ مريت بطرس غالي من كبار المفكرين والمثقفين الأقباط في النصف الأول من القرن العشرين ووزير الشئون البلدية والقروية في حكومة نجيب الهلالي عام 1952م، وصاحب الكتب والمؤلفات القيمة التي منها "الإصلاح الزراعي" "سياسة الغد"، "برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي"، قال في ذكرى الإمام الشهيد حسن البنا: "عرفت المغفور له الأستاذ حسن البنا منذ سنوات عدة، فعرفت فيه الرجولة التامة، ورأيت فيه- على الدوام- رجلاً فذًّا من الناحيتين الخلقية والإنسانية، وقد كان- رحمه الله- على ثقافة واسعة، يتمتع بشخصية جذابة ويأخذ بأسباب القلوب، ولا شك أن رجلاً هذه طباعه، وتلك كفايته كان ذخرًا قيمًا لبلاده، فجاء مصرعه خسارة كبيرة، ويزيد الخسارة فداحة أن وقع فريسة اغتيال مدبر، وقد تفشى بيننا داء الاغتيال السياسي البغيض منذ أوائل هذا القرن.   وهؤلاء الذين يقيمون من أنفسهم مدعين وقضاة ومنفذين وجلادين بدافع من هواهم، أو رأيهم الشخصي إنما هم أخطر الناس على النظام والاستقرار والمدنية، ولا بد أن يؤخذوا أخذة رابية يعتبر بها الغير، حتى لا يتطلعوا إلى اغتصاب حق الدولة وحدها في مظاهرة العدالة والاقتصاص من كل من يتهيج عليها".   وهذا الأستاذ توفيق غالي مواطن قبطي هاله ما يكتبه الأستاذ سلامة موسى ضد الإخوان المسلمين، وضد الإسلام والأوضاع السياسية والاجتماعية في مصر، حيث أثار حول الإخوان المسلمين في الأربعينيات مجموعة من الاتهامات، والأباطيل نالت الإمام البنا شخصيًّا والإخوان المسلمين عامة، وأفسحت له جريدة مصر على صفحاتها مساحة واسعة لينال من الإخوان المسلمين ويصفهم بالرجعيين ويزعم عنصرية المدارس الإلزامية... إلخ.   فكتب هذا المواطن القبطي على صفحات مجلة الإخوان المسلمين يقول: قرأت في مجلة الإخوان المسلمين في (العدد 99) المقال الذي تردون فيه على الأستاذ سلامة موسى بخصوص المدارس الإلزامية وحرمان المسيحيين منها، وكذلك اطلعت على (العدد 101) من مجلة الإخوان ويهمني كرجل مسيحي عاش بين المسيحيين أن أرد على هذين المقالين في جو هادئ: فأما المقال الأول وحرمان المسيحيين من المدارس الإلزامية، فهذا لا أساس له من الصحة، وبحكم اتصالي بالمدارس أعرف أن جميع المدارس الإلزامية بها طلبة مسيحيون، ولا ترفض هذه المدارس أي تلميذ يتقدم إليها، وقد اتصلت بحضرة المربية الفاضلة ناظرة معلمات الزقازيق وطرحت عليها هذا السؤال فكان جوابها: جميع المدارس الإلزامية ملأى بالمسيحيين وفي الوجه القبلي بنوع خاص وقد وصل نسبة التلاميذ المسيحيين نسبة 50%".   هذه أقوال حضرة الناظرة المحترمة، وعلى هذا أصبح هذا الادعاء لا يقوم على أساس.وأما بخصوص جماعة الإخوان المسلمين، فإني أعترف بأنهم أشرف الجماعات مقصدًا، وأنبلهم خلقًا، ولن أقدم دليلاً إلا أن شعبتهم يجاورها المسيحيون من كل جانب ومع ذلك لم نر منهم إلا كل أدب وتقدير لإخوانهم المسيحيين، وأن شعبتهم بقسم الصيادين الزقازيق تجاور الكنيسة ولا ينظرون إليها إلا بكل احترام.   وإني أيها الأستاذ سلامة موسى بحكم صلتي بعائلتك وتقديري لمواهبك أطلب إليك باسم إخواني المسيحيين أن تغذينا بعلمك الغزير وأن توجه جهودك للناحية الثقافية فهذا خير وأجدى".   كما بادل الإخوان المسلمون الأقباط حبًّا بحب وتقديرًا بتقدير، ففي مقال له بعنوان (يا زميلي المسيحي) يقول الدكتور حسان حتحوت في مجلة الإخوان المسلمين في الأربعينيات: نحن ناس يعيش بعضنا مع بعض سواء شئنا أم لم نشأ، فأيهما خير؟ أن نعيش على وفاق ووئام أم نعيش على فرقة وخصام؟ أعتقد من الخير أن نعيش أصدقاء.   هذه هي النظرة الاجتماعية البسيطة بقيت النظرة الدينية: فأنا كمسلم أعلم أن نبينا كان يعيش معه مسيحيون عيشة الأخوة والود وأعلم أنه أوصى بأقباط مصر خيرًا، وأعلم أنه تزوج مارية القبطية، وأنا كمسلم أسمع قول الله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (82)﴾ ( المائدة)، وأسمع قوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة)، وأسمع الله يمجد عيسى عليه السلام وأصحابه. وأسمع في الإنجيل (سالموا جميع الناس) وفي القرآن: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾ (الأنفال: من الآية 61)،فإذا شهدت بعض المتعصبين يا زميلي في معسكرك أو معسكري، فاعلم أن هذا لم يدرك حقيقة المسيحية، وهذا لم يدرك حقيقة الإسلام، واعلم أن في قلبه مرضًا لا يكون علاجه بأن نأخذ منه العدوى فتكون متعصبًا أنت الآخر، ولكن بأن تحتال عليه بالدواء تأتي به إليه من صميم الإنجيل وحياة عيسى.. ومن صميم القرآن وسيرة محمد.. واصبر عليه يا أخي ولو كان داؤه مزمنًا وبدا علاجه مستعصيًا، ولقد يروعك يا زميلي ما تسمعه من أن الإخوان يريدون أن يطبقوا الشريعة الإسلامية، فاعلم يا زميلي أنه ليس في هذه الشريعة شيء واحد يظلمك أو يجحف بمسيحيتك!   ليس يا زميلي من حقي أن أقهرك على الإسلام لأن الله يقول لي في القرآن ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256)، ولكن الإسلام أتى من القوانين والتشريعات بما لم يـأت الإنجيل بنقيض له ولا ببديل عنه، ستنفذ أنت يا زميلي كل ما في الإنجيل.. وما زاد في القرآن على ذلك فسنطبقه علينا جميعًا. لا لأننا أغلبية ولا لأن الدستور المصري يقول إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام..   ولكن لأنه النظام الكامل والعدل الشامل، ولست في هذا بظالم لك فإنه نظام عادل سيسري على وعليك!   لعل في ذهنك صورة مشوشة عن قطع يد السارق.. فاعلم يا زميلي أنها في المحل الثاني من شريعة الإسلام أما المحل الأول الذي سنطبقه أولاً، فهو أن لكل إنسان الحق في معيشة كريمة تليق بالإنسان.. له حق المأكل المشبع والملبس الكاسي والمسكن المريح، ذلك حق الشعب وعلى الحاكم أن يقوم به. إن لم تكن الزكاة كافية للقيام به فللحاكم الإسلامي أن يأخذ ممن هم في القمة ليعطي من هم في القاع. ويستمر ذلك حتى يشبع الجميع. وحينئذٍ تقطع يد السارق إذا سرق.   يا زميلي.. ليس بيننا خلاف ولا عداء ولولا أنني مقيد بقدر محدود لأطنبت".   كما يروي الدكتور حسان حتحوت أيضًا في مذكراته قوله: كنت في جامعة أسيوط جاءني من الطلبة المسلمين من يقول إن الأساتذة الأقباط يعطون درسًا خصوصية في الكنيسة للطلبة الأقباط فماذا لا أرتب درسًا خصوصيًا للطلبة المسلمين في الجمعية الإسلامية, وقلت إن بابي مفتوح في كل وقت لمن شاء من المسلمين أو الأقباط أن يستزيد من العلم, وأن الخريج عندما يصبح طبيبًا ستكون في يده أرواح المرضى من المسلمين والمسيحيين، سواء أكانت مسلمًا أم مسيحيًّا.   وذهبت يومًا لإلقاء محاضرتي فوجدت جلبة أمام المدرج، فبقيت في سيارتي حتى جاء الطلبة معتذرين... سألت فعلمت أنها كانت مشادة إسلامية قبطية فخصصت المحاضرة كلها للحديث عن هذا الموضوع مستشهدًا بما في القرآن وما في الإنجيل وأسعدني بعدها بأيام وأنا أسر في الحرم الجامعي أن أسمع ورائي وقع خطوات وأن يدركني أحد الطلبة فيقول: "أريد أن أعلمك أنني طالب قبطي وكنت شديد التعصب حتى سمعت محاضرتك، وأعدك أنني من بعد لن أكون متعصبًا أبدًا".   وبعد هذه نماذج مضيئة للعلاقة بين الإخوان والأقباط في التاريخ الحديث ينبغي أن يكون عليها الإخوان والأقباط على السواء، بل المصريون جميعًا الذين ينشدون وطنًا فاضلاً ومدنيةً زاهيةً ومستقبلاً زاهرًا لا مكان فيه للتعصب أو الطائفية. ------- أهم المراجع: - د. يوسف القرضاوي: الإخوان المسلمون 70 عامًا من الدعوة والتربية والجهاد. - د. حسان حتحوت العقد الفريد 10 سنوات مع الإمام حسن البنا. - أ. جمعة أمين عبد العزيز: قالوا عن الإمام البنا. - الإخوان المسلمين الأسبوعية السنة الرابعة العدد 103 23 جمادى الثاني 1365 25 مايو 946).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل