المحتوى الرئيسى

الجدل يحرق أكسجين المنفعة كالدم الفاسد الذي لا ينتفع منه!جهاد غريب و ندى يزوغ في حوار أدبي

06/03 17:57

الجدل يحرق أكسجين المنفعة كالدم الفاسد الذي لا ينتفع منه! جهاد غريب و ندى يزوغ في حوار أدبي السؤال:لجهاد غريب الرواية الرومانسية تفرض لغة تخيلية إيحائية يسرح فيها الكاتب في الوصف والتوصيف والبلاغة والاستعارات، إنما السرد الروائي الواقعي فيكون الميل أكبر للغة المباشرة، ومن جهة أخرى الكاتب وحده يمتلك حرية زاوية الالتقاط والنوافذ التي يريد أن يوصل من خلالها رسالته للقارئ، في حين يأتي العمل الأدبي في مجملهِ كإجابة على سؤال قفز إلى ذهن الكاتب! دون وضع اعتبارات ما في ذهن المتلقي!، وبذلك نتساءل هل الحالة النفسية سيطرت بالفعل على الروائي فجعلت منه محققاً يتناول الدقيق والشمولي لإثبات رؤية ما!، ومن غير المعقول أن ننتظر حتى اكتمال الحبكة الروائية ثم نكتب!، فتفاصيل وعموم الأحداث هي التي تفرض نفسها على مساحة السرد في تقدير الكاتب!، ثم يتفاجئ الكاتب بمعارضة ونقد المتلقي أو ربما الكتّاب!، وهنا تحدث إشكالية ثانوية لكنها تتربّع على مسرح الثقافة ويكون هذا على حساب تهميش مضمون الرواية (جوهر الحدث الأدبي والثقافي)!، ونحن نعلم أن كثير الجدل يحرق أكسجين المنفعة كالدم الفاسد الذي لا ينتفع منه!، وهنا نريد استبصار ما يجب أن يكون عليه العمل الروائي بأن تخضع روايته بعرضها على مجموعة (قراء، وأدباء) قبل نشرها وطرحها بالأسواق!، وهذا أمر لا يقبله الكاتب باعتبار أنه تجاوز هذه المرحلة وأنه جدير!، فما يعتقده هو الذي يجب أن ينفد لأذهان الناس!، وهذه بحد ذاتها إنفرادية غير مبرّرة؟!، فكيف نتخلّص من زعزعة ثقة الكاتب حين نطلب منه أمر كهذا، ونحترم بذات الوقت ما نقدّمه للقراء في أطباق ظاهرها وباطنها شهي، وذو قيمة أدبية وثقافية عالية!، باعتبار أن الكاتب يفلح في نص ما يقدّمه للناس، ويزلّ في نصوص أخرى هو لا يرى زلاته؟!. : الجواب:لندى يزوغ الرواية الرومانسية تفرض لغة تخيلية إيحائية يسرح فيها الكاتب في الوصف والتوصيف والبلاغة والاستعارات، إنما السرد الروائي الواقعي فيكون الميل أكبر للغة المباشرة، في البداية سأعرض أهم منْ كتبوا عن التنظير الروائي، ومنها: - الشكلانية الروسية خصوصاً مع فلاديمير بروب صاحب كتاب (مورفولوجيا الحكاية). - نظرية البناء العاملي لدى غريماس والتي تنحصر في الذات الموضوع المرسل، المرسل اليه، الرسالة المعيق الفاعل. - زاوية نظر السرد التي سوف أذكرها بعد حين لتودوروف. - أسماء ساهمت في تحليل ونقد نصوص ونظريات مثل الحميداني. الرواية الرومانسية تحتضن لغة تصويرية تعبر عن كوامن بشرية وعن خلجات الذات وما تعتمره الروح من شعور بنبض الحياة، اذْ أنني أعتقد أن نجاح الرواية الرومانسية هي بيد الشعراء الذين يتقنون لعبة تطويع اللغة للتعبير بها عما يعجز غيرهم عن ايصاله، لذلك نجد أنه من زاوج بين فن كتابة الرواية الرومانسية، ومن نظم الشعر النثري ذو التفعيلة الواحدة فانه حتما يصل الى عتبة قلما تجد لها منافساً، ومع ذلك فاننا سنظلم الرواية الرومانسية لو ألغينا عنها رداء الواقعية، فقد تصل بتموجاتها الى أبراج الواقع وتحلّ به، كأن تقدِّم مثلا!، صورة عن فشل علاقة عاطفية بين اثنين، أو عندما يرسم الكاتب شخصياته الرومانسية مطالب ورغبات، وأحلام، وطموحات، قد يتحقق بعضها أو قد لا يتحقق. لذا فهي تصوّر واقعاً ملموساً في (دالة الرواية، وسياقها، ورهاناتها، وأهدافها)، وتهنّدس لمبتغيات الكاتب بكل روح واقعية مفعمة بارهاصات الواقع، ولكن!، بأسلوب قصصي تغلبه (الانزياحات اللغوية، والصور البلاغية)، ومعجم (فيه وجداني، وفيه كذلك الروح التجسيدية للطبيعة في غالب الاحيان)، والتي تبتغي (السمو بالحرف، وتمتطي الرمز غالباً)، كي تحقِّق لذة مشروعة لدى القارئ المتلهِّف، ليشبع ذوقه بأهازيج كلمة رقراقة، تحلِّق به نحو نغمة مختلفة عن واقع مرّ يعيشه كل لحظة!. فالقارئ الذي بحث عن رواية رومانسية (ليقرأها، وينسجم مع أحداثها) كان هدفه أن (يجسِّد الجمال، وعبق الخيال، ورونق الحرف) على واقعه الذي (إما يبتغي الهروب منه، أو كسر روتينه، أو البحث لبديل له، أو ترميم المكسور والهجين منه)، وهذا ما يحملني على القول أن الرواية الرومانسية (صحيح آلياتها، ومقوماتها، ودعاماتها، ووسائلها) تختلف أو تبتعد عن (لب، وعمق رهاناتها)، لأنها تنزلق بالكاتب نحو الواقعية دون وعي منه أحياناً. أما الرواية الواقعية التي تقوم على (التقريرية أحياناً، والمباشرة باللغة) فهذا يغدو لعمري (حسب اختيار الكاتب، وحسب الأدوات التي رامت نفسه لتوظيفها)، فليس لزاماً أن ينظِّم المبدع المباشرة للتعبير عن قضايا واقعية، فقد تلبَّس رداء الرومانسية، واللغة التصويرية التي تتأبط (الوصف، والبلاغة، والرمز، والايحاء) للتعبير عن أعمق ما بالواقع. إذن، الرواية الواقعية أو الرومانسية ما هما إلا نتاج لمصطلحات دخلت التاريخ عندما كان من اللازم أن يضع (الروائيون، والمنظِّرون القدامى) الفرق بين: - مدرسة وأخرى - صيحة و ثورة وأخرى - جيل وجيل - عصر جديد ارتآى التغيير رداء له. وأعطي مثالاً لأدباء وشعراء المهجر الذين احتفلوا بمدارس الرومانسية الاروبية الفرنسية بالخصوص، أقصد أنه كان بديهياً أن تحدث ثورة على عصر ومدرسة أخرى قديمة، لكن لو دققنا النظر لوجدنا أن كلا (الواقعية، والرومانسية) يحملان بصمات مشتركة!، لا أقول تنطبق إنما حتماً لها مادة خام واحدة تتمثل في الإنسان، ورؤيته للحياة، وللوجود (وكنهه، وماهيته)، وطريقة وأسلوب هذا الانسان مع الظروف الطارئة عليه. يبقى الاختلاف أن الرومانسية تضع (قلب، ووجدان، وذات الانسان) تحت المجهر والأخرى تحطّ الرحال عند ما هو مادي محض يراه الواقعيون هو السند الأول قبل التفكير (بالوجدان، والروح، والاحساس بالجمال، وتذوّق الطبيعة والتأمل فيها). أؤكد بقولي: يظل اختيار الكاتب (للأسلوب، وللحقول الدلالية التي تؤسس معاجم الرواية) هي من عمق حرية وثقافة الكاتب، فهو الذي يملك الحق أن يكتب بحبره كما يشاء، وكما تشتهيه نفسه فمخاض روايته مخاضه هو، والاسلحة والايقوانات زاده. أما (.... الكاتب وحده يمتلك حرية زاوية الالتقاط والنوافذ التي يريد أن يوصل من خلالها رسالته للقارئ) فأؤكد أيضاً: أنه يظل اختيار الكاتب لزاوية نظر السرد كما يقسمه "تودوروف" المنظر الألماني: (زاوية نظر من فوق، وزواية نظر من تحت، وزاوية نظر مع)، مع أن سعيد يقطن قد اقترح أخرى.. أو لأحداث ووقائع تعتمد وضعية استهلالية، وأحداث مؤثرة وعقدة وانفراج لها و وضعية نهائية تأتي على لسان عوامل شخصيات ناطقة أو غير ناطقة تنهمر في العمل السردي باسترجاعاتها واستشرافاتها المختلفة. لكن دون أن يتناسى (لمن سيقدِّم وليمته، وجواهره، وما الرسالة التي ينوي إتحاف القارئ بها) فهو آنذاك يتقمَّص أدوار متعدِّده تفرض عليه أن يكون ناضجاً عارفاً لمواطن ضعف المجتمع ولمواطن الخلل لديه، وعارف بنفسية هذا المجتمع، ولأي طبقة اختار هو أن تقرأ له، أيضاً عارف إلى ماذا يحتاج القارئ!، وليس إلى (فيماذا يرغب!)، وإلا أصبح عمله تجارياً يقف عند مستوى طلب القارئ والمتلقي ثنائية (العرض والطلب). وتبقى الاشكالية التي طرحها أبو تمام من قرون مضت!، اشكالية تحْتمل الجدال: هل يقدم المبدع للقراء نصاً على مستواهم، وينزل عندهم، أو يقدِّم للقراء نصاً يرتفع بهم؟!. أقول: الكاتب يتقمَّص أجل الأدوار، وأصا بعها، لأنه أصلاً!، اختار لنفسه صفة الابداع التي تتطلّب مسؤولية وتكليفاً أكثر منه تشريفاً، ولن تكون تلك الأدوار سوى المحرك الرئيس (لتوعية الجمهور، وتلقينه وترهين أفكاره، ووعيه، وترميم بعض ما عطب!، أو حطم، أو تزلزل، أو أصابه السهو، أوغدرت به يد ظالمة خائنة)، فبابداعه يصبح (مؤرخاً، وأستاذاً، ومؤسساً) لأخلاق، ومعتقدات جيل بأكمله. كما تزيد مسؤولية المبدع أكثر عندما يتَّخده المتلقي (قدوة، ومثلاً أعلى)، وتلك ورطة!، لعمري لن يحسّ بها سوى أصحاب الضمائر الحية من المثقفين، فبقدر الحرية التي يملكون في تطويع (مادة إبدعاتهم وآلياتها) على قدر القيود التي تلجم احتمال الوقوع في الخطأ، سيظل وصمة عار على جبين تنبؤاتهم، وسيظل التاريخ يلعنهم، ويجدِّد لعنتهم عند كل صيحة. في حين يأتي العمل الأدبي في مجملهِ كإجابة على سؤال قفز إلى ذهن الكاتب! دون وضع اعتبارات ما في ذهن المتلقي!. عند ولادة فكرة الكتابة عند أي كاتب فهو لا يكون دوماً مسؤولاً عن تخطيط ملامحها الدقيقة، ولا عن رسم تصميم مسبق لعناصرها، وللخيوط التي سيتبعها!، لأن العمل الأدبي آنذاك سوف ينتحل رداء التقريرية أو العمل الأكاديمي العلمي الخالي من (جمالية المباغتة، أو سحر الإلهام)، ولا أرى أن برمجة عمل أدبي والضغط على أزرار بنفسها دون أخرى بخطط مسبقة وبحسابات دقيقة قد يحمل العمل نحو الرقي أو التميز، إنما سيفقده النكهة اللذيذة التي يكتسبها العمل بالفطرة، والتي تجعل الكاتب أحياناً يستغرب (سر انقضاض الأفكار عليه، وسر العبارات والخلطات العجيبة لحروفه التي تتدفق كالسيل العرمرم) ومن أين له بسلطانها، وكيف تتحكَّم فيه!، لدرجة يعتقدها جناً تربّص به، كما ساد الفكر القديم وأن ملكة الإبداع قوة جبارة خارقة. وبذلك نتساءل هل الحالة النفسية سيطرت بالفعل على الروائي فجعلت منه محققاً يتناول الدقيق والشمولي لإثبات رؤية ما!. كتب الكبار وابدعوا وتفوقوا، وكانت كتاباتهم.. وليدة حالات نفسية تتأثث غالبها، وتتزيّن برداء الحزن، وثوب التعبير، عما عجز القارئ التعبير عنه، فيحمل المبدع عنه هذا العناء (تاج الحزن، والكدر) كان دوماً على رؤوس هؤلاء العمالقة في شتى المجالات الشعرية المسرحية، والموسيقى، وغير ذلك من الفنون التعبيرية، لذا يحق لي أن أتساءل: هل نسج خيوط نص فاره لابد أن يأتي بعد أن يكون قد تعرّض مبدعه لذبحة قهرية جعلته ينزف درراً!، وأن الدماء التي تسيل على الأوراق البيضاء، بتزيين ملامحها البيضاء!، ما هي إلا قرابين يهديها الكاتب لنيل جمهوره حتى يعيشوا معه انتحاراً سامياً لصحيات بداخله ولآهات يسكبها بألم ووجع مميزين؟!. فتفاصيل وعموم الأحداث هي التي تفرض نفسها على مساحة السرد في تقدير الكاتب!، ثم يتفاجئ الكاتب بمعارضة، ونقد المتلقي أو ربما الكتّاب!. تختلف غايات الكتّاب والروائيين في سرد الأحداث والوقائع، فقد يكون لغرض السرد عينه كالآتي: - وصفاً لظواهر (اجتماعية، سياسية، تاريخية معينة، أو غير ذلك). - أو تحقيقاً (لمتعة مفتعلة تجعل المتلقي يعيش حيوات متعدِّدة). - أو قد يمتطي غايات أخرى (عندما يكون السرد وسيلة لبلوغ رهانات مقصودة). كما نجد عند الكاتب المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد في مسرحيته "ابن الرومي في مدن الصفيح"، فلم تكن غايته سوى (استثمار التراث العربي القديم، لأجل تجسيد قيمة سامية، وحمل القارئ على الاعتراف أن الانسان هو الانسان نفسه في جميع الازمنة والأمكنة)، فلم يكن سرد الأحداث هو غايته الأساسية، إنما الجوهر كان يسكن (ما وراء الأحداث، وما كتب بين سطورصفحات المسرحية من كشف للمسكوت عنه داخل فترة معينة بالمغرب)، ولم يمتطِ الكاتب سوى الترميز!، وقهر الحدث الحقيقي بوضعه داخل زمن غابر متوسلاً (لغة السخرية، والاضحاك أحياناً). وهنا تحدث إشكالية ثانوية!، لكنها تتربّع على مسرح الثقافة، ويكون هذا على حساب تهميش مضمون الرواية (جوهر الحدث الأدبي والثقافي)!. المضمون في العمل السردي كيفما كان (قصة، أو رواية، أو مسرحاً) ليس دائماً هو الذي يتوِّج أناقة العمل الأدبي، فقد يغدو كما قلت سابقاً : (مطية لا غير!، نحو آفاق أرحب وغايات أعمق)، والمتلقي الذي يملك أطياف العين الساحرة للنقد!، وبمعنى أخر: الناقد الفطن الرزين الذي يملك مفاتيح (الملاحظة، وسرعة البديهة!، والذي يبني بنقده صرح العمل الذي بين يديه)، وبالتالي، يبتعد عن (التحقير، والسخرية)، هو القادر على احترام خصوصيات الكاتب وملكاته الخاصة، فلا أحد يملك حق أن يتدخَّل في نصوص الآخرين، هذا اذا كان العمل لا يروق للمتلقي، فقط! (لأسباب واهية، أو لأسباب مذهبية، وعرقية، أو فكرية، أو اختلافاً في الرؤى)، فالأصلح بيّن مهما عظمت الانتقادات وتكالبت التلميحات الهدامة المثبطة للعزائم. يظلّ دوماً السؤال: هل ينجح المبدع في اختراق هاجس الصمت لدى القارئ، فيجعله يتبنى قضية النص!، نعم، يمكن ذلك، عندما: - تنسجم الرؤى لدى كل من (المرسل والمرسل إليه). - يحس المرسل إليه أنه وجد (ملاذه، وما كان يبحث عنه). - يجد لحيرته جواباً. الجميع يعتقد أن الناقد المتخصِّص، أقصد (المثقف/المنظر الروائي) هو الذي يملك (الحق، والسلطة، والأولوية)، لنقد أي عمل أدبي!، ولا أظن الأمر صحيح؟؟؟، لأن الناقد دون (وعي، وأخلاق، وحكمة، وترو، وتريث)، لن تسعفه ثقافته أن يكون منصفاً للعمل الأدبي، فقد تغلب عليه أحياناً (روح التحيز، والعنصرية، وسلطة المصالح)، فتنقلب كفة النقد، وتصبح حاضة لتفريخ الاشاعات، وللتعتيم المفتعل (الذي لا يبغي سوى تحطيم كاتب ما!، ما اقترف ذنباً سوى أنه كتب نصاً إبداعياً قد يسمو به نحو آفاق عاليه)، وقد يكون نصه بالفعل كذلك باعتباره وسيلة لأثارة الخلل الموجود (بمجتمع، أو بسلوك معين!، أو بموقف، أو بحدث)، الأمر الذي دفع حفيظة منافسيه، لتناول مادته، وكأنها وليمة فاخرة انسجم فيها مشجعو الخواء والسطحية. الناقد المستبصر بنظري هو ذاك الذي يمتلك أدوات الحيادية، ويحمل وعياً كافياً يجعله ينتبه لأمور لم يصل قبله إليها غيره، أو ربما وصل إليه آخرون فغضوا الطرف عنه!، إما عمداً بلا مبرِّر، أو جهلاً يقتضي اعترافهم!، فلا أظنهم يفعلون، لشح نزاهتهم. ونحن نعلم أن كثير الجدل يحرق أكسجين المنفعة، كالدم الفاسد الذي لا ينتفع منه!. أشاطرك الرأي، فالجدل نوعان إيجابي وسلبي، وأنت حتماً تقصد به الجانب السلبي!، أي اللغو، لأن الجدل قد يكون (إيجابياً، وسبيلاً للاقناع، ولبناء نظريات مفيدة بنّاءة)، ويظهر ذلك في قوله تعالى:"وجادلهم بالتي هي أحسن" الآية. فاللغو (يبعد الجمهور عن البيّنة، ويهدر دم الوصول إلى الحق والصواب، ويؤدي إلى مشاحنات كلامية تتعدّد فيها الاحتمالات)، أما قلب رؤوس الحكمة فيها، فتكون مجرّد انسياقاً نحو الدفاع عن فكرة لا يستطيع صاحبها أن يتراجع عنها!، وهذا يحصل كثيراً، اذْ نحسّ بالمضاربات الكلامية (كثير من الشطط، والاحساس بالورطة)، لأن المكابر يتصوَّر نفسه وقد أوشك على الغرق حين جدالٍ، فتراه ضعيفاً منهزماً، يتمسّك بحبل خلاص ذا وهن، إلم يتمسَّك بآرائه!، دون اعتبارات أخرى غير محاولة كسبه جولة النقاش، فلا نراه يتجمّل في حوارٍ راقٍ، يكون القوي فيه، منْ أودع مساحة كافية للتراجع، حين تصطدم الأفكار!، فيكون بذا في مأمن، عنما يواجه ما كان يجهله!، تاركاً باب الحوار موارباً، وبنفس طويل، وروح رياضية عالية يجد ضالته، فينجح في جولاته دون خسران، وأعطي مثلاً لبرنامج (الاتجاه المعاكس) الذي غالباً ما ينتهي الحوار فيه بشجارٍ بين ضيفين، إلى جانب القدح والتشهير، بينما يجتهد "المونتاج" في حذف سيوف الجدال. أليس المسؤول عن حرق أوكسجين المنفعة هو اللغو والتعنت!. وهنا نريد استبصار ما يجب أن يكون عليه العمل الروائي بأن تخضع روايته بعرضها على مجموعة (قراء، وأدباء) قبل نشرها وطرحها بالأسواق!، وهذا أمر لا يقبله الكاتب باعتبار أنه تجاوز هذه المرحلة وأنه جدير!، فما يعتقده هو الذي يجب أن ينفد لأذهان الناس!، وهذه بحد ذاتها إنفرادية غير مبرّرة؟!، فكيف نتخلّص من زعزعة ثقة الكاتب حين نطلب منه أمر كهذا، ونحترم بذات الوقت ما نقدّمه للقراء في أطباق ظاهرها وباطنها شهي، وذو قيمة أدبية وثقافية عالية!. الفكرة المقترحة هنا ستواجه أنصاراً بلاشك، ومعارضين!، وهذا أمر طبيعي، لأن صوت الفكرة الجديد مبحوح في البداية، إنما دعني أتأمَّل الفكرة من زاوية أكثر عمقاً، وذلك تفهماً لنية الخير باقتراحك. بتأملاتي أخبرك أن الكاتب دوماً يعرض كتاباته للذين يثق بهم، وهم مقرَّبون مثقفون كانوا، أو أناس كسبوا ثقته، فباكورة العمل الأدبي لا تقدِّم للمتلقي دون تنقيح أو ترميم!، وهنا أرجع لفكرة الاستشارة، "فما خاب من استشار"، والعمل هنا سامٍ والمبتغى أسمى، ومن خط حرفاً دون وعي لا يستحق إلا اللوم، وقانون الفكر لا يحمي منْ يظن أنه علا شأنهم، أو زعم بـأنه اجتاز السحاب، فلابد من الاعتراف أن لكل جواد كبوة، وكبوة العظماء عظيمة!، لا تغتفر ولا تنسى. الفكرة تحمل بعداً سامياً تقف فيه موقف المدافع عن ذوق المتلقي، وعن حقه في مشروع العمل الأدبي، لأنه جزء من اكتماله، فبدون المتلقي (لا مخاض، ولا ولادة شرعية)، لأي عمل أدبي!، لذا فالمبدعون والمفكرون يحملون مسؤولية ضخمة تجاه المتلقي، لأنهم مجبورون بالالتزام بما يليق، وبما ينبغي أن يكون. أرى أن فكرتك ستقلِّص من حجم الكم الهائل من الأعمال، وستعطي للمبدع فقط!، حق جواز المرور، فلن يكتب أياً كان، ولن تنشر -أنذاك- الأعمال غير الكفوء. إضافة إلى تشجيع روح المنافسة الشريفة، لكني رغم قبولي بالفكرة أظلُّ متحفظة، خشية التهكم من بعيد بالقول "ترميم العمل الأدبي"، رغم قناعة العالمين بأن النقد البناء عامل مهم من عوامل تطوير المهارات والمكتسبات، ودافع نحو تأسيس أعمال متينة لا تشكو خللاً، ولا علة!، وبه أيضاً يستطيع الكاتب أن يحصِّن أعماله المستقبلية، ويحميها من غدر السهو أو ضعف المعرفة!.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل