المحتوى الرئيسى

المستشار . زغلول البلشي : خطاب مفتوح إلى وزير العدل

06/03 12:23

كنت أود أن يكون هذا الخطاب مغلقا لا يطلع عليه أحد ، غير أنى آثرت أن يكوم مفتوحا بعد أن تناولت الصحف ووسائل الإعلام بالنشر والبث ، أمر استدعاء ثلاثة من كبار رجال القضاء  والتحقيق معهم ، لمجرد إبداء الرأي فى نظام المحاكم العسكرية دون الإساءة أو التعرض لأحد من القضاة العسكريين الذين نجلهم جميعا ونحترمهم ، ولعلى بفتحه أيضا أستطيع أن أمحو إساءة لحقت بزملاء أعزاء ، من خيرة رجال القضاء ، وأقدم لهم بعض من الترضية ، لهم أن يقبلوها أو يرفضوها ، ، فالاستدعاء والتحقيق تم بطريقة مهينة ، وغير مسبوقة ، سواء فى سببه أو كيفيته ، ولهم وحدهم أن يقدروا ويقرروا .إن المعاهدات والمواثيق الدولية والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان تشهد بالإجماع على أن حرية التعبير تعتبر حقا أساسيا من حقوق الإنسان ، وأن حق التعبير لا يجوز فرض قيود عليه بطرق أو وسائل مباشرة أو غير مباشرة مثل إساءة استخدام رقابة الحكومة أو الرقابة الخاصة على الصحف أو الإذاعة المرئية وغير المرئية أو الأجهزة المستخدمة فى نشر المعلومات ، أو بأية وسيلة أخرى تهدف إلى عرقلة حرية التعبير ، وتداول المعلومات وتبادل ، الأفكار والآراء .فقد نصت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل شخص الحق فى حرية إبداء رأيه وفى حرية التعبير ، وهذا الحق يتضمن حرية التمسك بآرائه بدون تدخل فيها ، وكذلك السعي وراء وتلقى ونقل المعلومات والأفكار من خلال أي وسيلة إعلام . ونصت المادة 8 من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية لاستقلال السلطة القضائية على أنه يحق لأعضاء السلطة القضائية شأنهم فى ذلك شأن المواطنين الآخرين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد والانتساب والتجمع . وهو ما أكده الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بنصه فى المادة 12 منه على أن حرية الرأي مكفولة ، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون ، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني . وحق الفرد فى التعبير عن الآراء التي يريد إعلانها والتي كفلها الإعلان الدستوري فى المادة 12 ليس معلقا على صحتها ، ولا مرتبطا بتماشيها مع الاتجاه العام ، ولا بالفائدة العملية التي يمكن أن تنتجها  ، وإنما أراد الإعلان الدستوري بضمان حرية التعبير ، أن تهيمن مفاهيمها على مظاهر الحياة ، بما يحول بين السلطة العامة وفرض وصايتها على العقل العام ، فلا تكون معاييرها مرجعا لتقييم الآراء المختلفة ، ولا عائقا دون تدفقها ، أو اختيار الوسائل التي يقدرون مناسبتها وفعاليتها سواء فى مجال عرضها أو نشرها . غير أن البعض ممن يقع تحت تأثير الإغراء أو الأهواء ، يترك جنون العظمة ينتصر على حرية التعبير على أنها من الممنوعات مثل المخدرات ، ولكن يتعين علينا أن نضع فى اعتبارنا أن الآمال المحلقة العالية لمستقبل بلدنا يجب أن يكون مبنيا على أساس الإيمان بأن حرية التعبير وتدفق المعلومات وتبادل الأفكار والآراء يعمل على تجنب الفوضى أكثر مما يتسبب فيها ، ويجنب البلاد أعمالا إرهابية أكثر مما يغذيها ، ويكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان أكثر مما يحرض عليها ، وإن حرية التعبير أمر حتمي ، ولا يوجد طريقة أفضل للديمقراطية والمشاركة السياسية ، والتقدم والاستقرار ، والعدالة الاجتماعية والثقافية ، ولا طريقة أفضل لكبح جماح الطغيان والاستبداد والاستغلال ، والعجز فى الأداء ، ولا طريقة أفضل لمحاربة الفساد ووأده قبل أن يستفحل ، ولا طريقة أفضل للإبداع والابتكار ، وتغذية روح الإنسان ، أفضل من بلد يلتزم بحرية التعبير وتداول المعلومات ،  وتبادل الآراء والأفكار بحرية تامة وبلا أية قيود ..إن إحالة ثلاثة من كبار رجال القضاء إلى التحقيق لمجرد إبداء الرأي فى نظام المحاكم العسكرية دون التعرض للقضاة العسكريين الذين نكن لهم كل تقدير واحترام ، يعد سابقة خطيرة وتعد صارخ غير مبرر على حرية الرأي والتعبير، وردة إلى عهود الظلم والطغيان ، وهل ما شهدته مصر فى العهد البائد من فساد أذهل العالم كله ، سوى نتيجة لكبت الحريات ، والحجر على حرية الرأي والتعبير وتداول المعلومات ، وهل قامت الثورة إلا من أجل حق الشعب فى التعبير والكلام والكتابة بحرية وبدون إذن ، وبلا رقابة وبلا سيطرة  .إن إبداء الرأي فى النظم القضائية المختلفة ، وصولا إلى اختيار أفضلها أمر محمود للباحثين غير مذموم ، ولا يستوجب تحقيقا أو مساءلة وحساب ، وإنما الشكر والامتنان على البحث والتمحيص لإبراز المزايا ، وكشف العيوب فى كل نظام ، والأخذ بأفضلها  .وليكن إحالة بعض البلطجية والمجرمين إلى المحاكم العسكرية الآن له ما يبرره ، ذلك أمر نختلف أو نتفق عليه ، والاختلاف فى الرأي لا يفسد للود قضية ، ويجب ألا يغضب أحدا ولا يحزنه ، ولكن كافة العهود والمواثيق الدولية على أن إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية أمر غير مرغوب فيه بل محظور .نائب رئيس محكمة النقضمواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل