المحتوى الرئيسى

معرض في مرسيليا لشاعرة الريش إيزا باربييه

06/03 09:38

كل من يقف أمام لوحاتها يخيل إليه أنه خفيف وقادر على الطيران، حتى ولو كان بوزن طائرة جامبو. إنها الفنانة إيزا باربييه (أو ربما عزة!) التي يقام آخر معارضها حاليا في قصر فاندوم في مرسيليا، مسقط رأسها على شاطئ المتوسط والمدينة التي تعتبر بوابة فرنسا إلى دول الجنوب. لقد احتلت صاحبة المعرض كل فضاءات هذا المبنى التاريخي، من المدخل حتى الحجرات والباحات والحمامات والفسح الجانبية، مرورا بالسلالم الرخامية التي تصلح موقعا لتصوير فيلم رعب. من أين تأتي الخفة؟ من كل ذلك الريش الذي تجمعه الفنانة من أقنان الدجاج وحدائق الحيوان والغابات البعيدة والأرصفة التي يتقافز عليها الحمام آمنا في أكثر المدن ازدحاما. ولو كان هناك من لقب يمكن أن تكنى به إيزا فهو «شاعرة الريش»؛ لأن لوحاتها، أو تراكيبها، أو ما يسمى بلغة التشكيليين في أيامنا هذه «تجهيزاتها»، هي عبارة عن حفنات من ريش الطيور تتلاعب بها الفنانة فتنظمها مثل أبيات الشعر في خيوط غير مرئية أو تنثرها في فضاء غير محدد أو تتركها معلقة بين السقف والأرضية، عاكسة ظلالها على الجدار القريب أو راسمة بألوانها قبسات من قوس قزح. تؤمن هذه المرأة المولودة عام 1945 بأن كل ما يمكن أن تسقطه الطبيعة على الأرض والشوارع والشواطئ والغابات وأسطح البيوت هو مواد تصلح لأن تتحول إلى تشكيلات فنية. إن المادة بالنسبة لها مثلما هي بالنسبة للعلماء، لا تفنى ولا تخلق من العدم. وانطلاقا من هذه النظرة فإن لكل ورقة شجر أو ريشة طير أو قطرة مطر أو كسرة زجاج أو ورقة مجعدة مهملة، حياة ثانية يمكن أن تتشكل بين يدي ذاك المحظوظ الذي يمتلك نظرة شاملة للعالم وللعناصر الفنية... ولجموح أفراس الخيال. منذ عشرين عاما تخرج إيزا باربييه من مكمنها لكي تتنزه على شاطئ البحر أو الشوارع العريضة أو الأزقة الضيقة، حسب المزاج الصباحي، تطارد الريش المتساقط من الأجنحة أو المنتوف بأيدي البشر القساة لكي تجمعه في كيسها وتحنو عليه وتمشطه وقد تغسله وتعقمه وتجففه وتحنطه أو تلونه، حسب ما يمليه عليها إلهامها وروحها التي تشبه بوصلة تؤشر، دائما، في اتجاه الجمال. إنها أعمال فريدة في جنسها الفني ولا يمكن للمرء أن يجزم إن كانت ترسم أو تنحت أو تهندس أو تداعب الفراغ. وهي تختار لتشكيلاتها «الهوائية» المحرضة على الخفة أماكن غريبة للعرض: قصور قديمة، مغاسل، متاحف، أو كاتدرائيات. وحتى الفضاءات المشرعة للريح يمكن أن تجتذبها، فالرياح من أصدقاء الريش الحر ولو كانت، في الوقت نفسه، عدوا يميل إلى البعثرة. توزع الفنانة مراياها الصغيرة العاكسة حول لوحاتها أو تجهيزاتها في مناطق مختارة بعناية. وهي لفتة عبقرية تكفي لكي يتضاعف المشهد وتتواتر الأشكال والظلال والأضواء فيه، خصوصا وأن الريش، المادة التي تشتغل عليها، تتميز بعدم السكون وتتأود في مكانها مع كل حركة لزائر جديد، مثل مشاعر متضاربة يتلاعب بها القلق ويمنحها في كل لحظة شكلا مغايرا. هل يمكن لعدسة أي مصور، مهما كان بارعا، أن تقبض على شكل أوحد لعمل من أعمال إيزا؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل