المحتوى الرئيسى

الرواية لا (تُمثِّل) العالم بل تُضيئه

06/03 09:08

بقلم: محمد برادة 3 يونيو 2011 08:59:51 ص بتوقيت القاهرة تعليقات: 0 var addthis_pub = "mohamedtanna"; الرواية لا (تُمثِّل) العالم بل تُضيئه انعقدت ما بين 23 و 29 مايو، جلساتُ الرواية العالمية فى مدينة ليون الفرنسية، وهو اللقاء الخامس الذى تشرف عليه كل من جريدة «لوموند» و«فيلا جيلى»، لإعطاء الكلمة إلى روائيين وروائيات من مختلف أقطار العالم،لإبداء رأيهم فى قضايا حيوية تتصل بأسرار الكتابة وأيضا بالأسئلة الحساسة المتناسلة التى ما انفكّ العالم المحتقن يفرزها فى كل حين. ومجموع المداخلات والشهادات تصدر بعد الجلسات فى كتاب يقدم للقراء الذين لم يتمكنوا من الحضور، فكرة عن الهموم والمعضلات التى تشغل بال روائيى العالم. وقد خصصت صحيفة «لوموند» ملحقها الأخير لتقديم مقتطفات من هذه المداخلات التى تتناول أربع ثيمات أساسية، هى: الرواية والهجرات، الرواية والكوارث، الرواية والعولمة، الرواية والدعابة الساخرة. وما نلاحظه من قراءة هذه الملخصات، هو سؤال ضمنى عن علاقة الروائى بالواقع والعالم، أى كيف يتفاعل المبدع مع ما يملأ راهنَ الناس ويستحوذ على اهتمامهم؟ هل يستطيع الإفلات من الراهن الضاغط على الحياة اليومية، والوعى والمشاعر؟ هل يمكن للروائى أن يغمض عينيه عن ظاهرة الهجرة التى شملت كل الأصقاع والأجناس وولدتْ نوعا من التهجين الثقافى والاجتماعى؟ هل يمكنه تجاهل الكوارث المتتالية التى تخلف آلاف الضحايا، وتشعرنا بأن عِلمَ الإنسان لا يزال بعيدا عن تطويع الطبيعة واكتناه جميع أسرارها، وأن جزءا من تراجيديته يعود إلى هذا العنصر الكارثىّ المستعصى على الفهـم والتطويع؟ والعولمة، كيف نقيس تأثيراتها على العلائق بالفضاء والزمان؟ وأمام هذه التحولات «الخارجية» التى تزعزع سلوك وقيَم كل البشر من دون استثناء، هل تستطيع الدعابة الساخرة (humour) أن تسعف الروائيين على مواجهة هذا الرّكام الثقيل من الظاهـرات والمعضلات البشرية العويصة؟ فى معظم الأجوبة التى قدمها روائيو هذه الجلسات، تأكيدا على ضرورة الدعابة الساخرة لالتقاط مختلف المآسى، وتقديمها من منظور يجعـل الأدب والرواية محتمليْن. وقد أجابت حنان الشيخ بأن الدعابة هى التى تجعلنا نتحمل الواقع القاسى، سواء كان جماعيا (كما فى روايتها «حكاية زهرة»)، أو كان فرديا (على نحو ما عاشَتْهُ أمها فى «حكايتى شرحٌ يطول»). ويذهب الكاتب الأمريكى ألكسندر هيمون إلى أننا لا نستطيع أن ندرك الحزن إذا لم نكن نتوفر على أى حس دُعابى. إن الشرط الإنسانى، يضيف، هو فى الآن نفسه مأسوى وغريب، والحياة هى مزاح يشكل الموتُ نهايتها. إننا نحاول أن نتعالى بالتاريخ، والتاريخ يضحك علينا أمام أنوفنا». ويلاحظ الفرنسى فيليب دجيانْ، أننا من دون دعابة ساخرة، سنكون مسحوقين، ولن يكون للأشياء سوى وجهٍ واحد. ويضيف بأنه لا يعتقد أن الدعابة فى حد ذاتها، تقدم فائدة مـُميزة على مستوى بناء المحكى، لكنها تفيدنا نحن القراء فى معرفة الكاتب، وقدرته على إدراك العالم، واختياره لـزاوية الرؤية الملائمة التى تنعش حسَّ القارئ.وتقدم المداخلات عن الرواية والعوْلمة، تحليلات ذكية وعميقة، خاصة تلك التى قدمها عالم الاجتماع هارتموت روزا وعالم الفيزيـاء إتيينْ كلانْ. يرى روزا، أن عواقب تسريـع إيقاع الحياة فى كل المجالات، قد أدّى إلى «تحجير» الزمن والفضاء، ذلك أنه على رغم أن كل شىء ينتقل بسرعة، فلا شىء يتغير. وهذا التسريع هو أيضا أساس ما نسميه العوْلمة التى لا تعنى انتقال كل الأشياء على مستوى القارّات، بل إن هذا الانتقال يتمّ فى رمشة عين! ويمكن أن نقيس هذا التحوّل فى إدراك الفضاء والزمن من خلال تمثلنا للمستقبل: فالناس فى الغرب اليوم، لا ينتظرون حياة أفضل لأبنائهم، وإنما يخشون أن تتدهور أوضاعهم (...)، علينا فى كل سنة أن نجرى أكثر، لا لندرك هدفا، بل لكى نمنع الأوضاع من أن تتدهـوَر. وهذا التحليل للعولمة يقود روزا إلى استخلاص وجود «الجمود اللامع»، حيث الحركة لم تعـُد تقصد هدفا، وإنما أصبحت هدفا فى حدّ ذاتها. والرواية والسينما، على ضوء هذا التحليل، قادران على تقديم سيناريوهات عديدة تستوحى «نهاية العالم»، أكثر من تصويرها لبدائل تعوض النظام العولمى القائم.أما إتيين كلانْ فيرى أننا لسنا ضحايا تـسـريع مزعوم للزمن بقدْر ما نحن ضحايا تراكبِ أزمنةِ حاضٍر متعددة، إذ إننا فى الوقت الذى نشتغل فيه، نشاهد شاشات هواتفنا المحمولة ونستمع إلى الراديو، ونفكر فى أشياء أخرى.. ومع ذلك نحن نعلم أن الاهتياج ليس هو الطريق الأقصر نحو الإبداع. وهذه الملاحظة تقودنا مباشرة إلى الرواية التى يرى كلانْ أن وظيفتها، منذ الآن، هى أن تعلمنا البُطء، أى كيف نتزامنُ مع إيقاعنا الخاص، ونتصالح مع خطية الزمن، ذلك أن القراءة ــ فى معناها الحقيقى ــ هى تماما عكس اضغط ْ التى نستعملها للقراءة فى الحاسوب.كثيرة هى الآراء والتعليقات الواردة فى نصوص المشاركين فى الدورة الخامسة لجلسات الرواية المنعقدة بمدينة ليون، لكنها لا تؤول إلى حسم العلاقة بين الرواية وتبدّلات العالم الخارجى، لأن أى كتابة إبداعية إنما تبرر وجودها بكونها تحمل نظرة مختلفة للعالم، أى أنها لا تستطيع الاكتفاء بالتفاعل واستيعاب التحولات من أجل «تمثيلها» روائيا، بل لا مناص من أن يضىء الروائى هذا العالم الممعن فى الغموض والانبهام والسديمية. صحيح أنه لا أحد يمكنه الزعم بقدرته على الإفلات من رشاش العالم وأحداثه، لكن الكتابة عن العالم الذى يحتوينا تستدعى أيضا مسافة التباعد الجمالى، الرؤيوى، المجاهر بالغضب والجرأة وفك الحصار عن الكلام الممنوع. من ثمّ، لا تكون الرواية ــ كما قيل ــ عالما خارج العالم، وإنما هى أداة نافذة لفهْم هذا العالم. ولعل ذلك ما جعل آنْ مارى كارا تتحدث عن شكل «رواية ـ عالم» (roman-monde)، أى شكل يمتح من تعاظم العالم وتحولاته غير المنتهية، محكيات متداخلة تخاطب القارئ، لأن كل واحد يحمل هذه الرواية ــ العالم ويستطيع أن يؤلفها من ذاكرته وثقافته ومشاهداته. وهى بالضرورة رواية متعددة الأشكال واللغات، كما لاحظ باختين فى تنظيره للرواية. ومن هنا نجد الروائية مايليس كيرنكال تلتقى مع مفهوم الرواية الباختينية، إذ تقول: إن كتابة العولمة أصيلة خاصة فى رغبتها أن تكون لا متجانسة، وفى تمازُجها بالكتابات الوثائقية المُتحدّرة من التحقيق الصحفى والحوار... إن ما يعطيها فرادتها هو إعادة صياغتها لهوية «خارج الإقليمى». على هذا النحو، تبدو الرواية عند كتابها على امتداد أقطار العالم، شكلا مستوعبا لمختلف التحولات، مساهما فى إضاءة علائق الإنسان بمحيط يستعصى على الفهم والترويض، ويستدعى قوة التخييل وإيحائية اللغة للاقتراب من المبهم والمجهول.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل