المحتوى الرئيسى

أهى ثورة أم انقلاب؟

06/03 08:09

قلت لصديقى: إن الثورة.. قاطعنى قبل أن أكمل كلامى قائلاً: أى ثورة؟ إن ما حدث هو انقلاب وليس ثورة. قلت: كيف تقول ذلك يا رجل؟ إن ما حدث يوم 25 يناير ثورة فجّرها الشباب فى ذلك اليوم وانضم إليها الشعب بكل فئاته حتى مَن لم يوافقوا فى البداية على الخروج يوم 25 يناير، فكانت ثورة شعبية حقيقية ضمت كل مصرى ومصرية، وكل مسلم ومسيحى، وكل غنى وفقير، وكل كهل وصبى، وكل مشارك ومبارك. قال: وما هو تعريفك للثورة؟ وكيف تفرق بينها وبين الانقلاب؟ قلت: الثورة، كما هو معروف، هى تغيير جذرى فى المجتمع يمس كل مناحى الحياة، فتنتقل البلاد من حال إلى حال، أما الانقلاب فهو إقصاء مَن كانوا يحكمون وإحلال آخرين يحكمون بدلاً منهم دون أن يغير ذلك شيئاً فى حياة البلاد. فابتسم صديقى وقال: ها أنت قد أجبت على نفسك. قلت: ماذا تقصد؟ فصمت ولم يجب. قلت: هذا تجن غير مقبول على الثورة.. لابد أنك من فلول الحزب الوطنى.. كيف تقول هذا الكلام؟! قال: أولاً أنا لست فلاً من فلول الحزب الوطنى، وكما تعرف فأنا لم أرتبط بالنظام القديم من قريب أو بعيد، فكفى إلقاء الاتهامات جزافاً على الناس، وكفى إضفاء القوة على ذلك الحزب المنحل بإرجاع كل ما يحدث من حولنا إلى أعضائه السابقين. إن الحزب الوطنى الديمقراطى المنحل لم يكن حزباً له فكر يؤمن به أعضاؤه، وإنما كان جهازاً بيروقراطياً مترهلاً تابعاً للدولة، مهمته هى تمكين الحكم من تنفيذ سياساته الفاسدة وإحكام قبضته على البلاد، وبمجرد قطع الحبل السرى بينه وبين الدولة تفكك الحزب وانهار لأنه كان كياناً طفيلياً يعتمد على الحكم السابق الذى أسقطته ثورة 25 يناير.. إن ما نعانى منه الآن ليس سيطرة الحزب الوطنى، وإنما تأخرنا غير المبرر فى إقامة البديل. لقد قلت إن الثورة هى إقامة وضع جديد، فماذا أقامت الثورة حتى الآن؟ قلت: ستقيم إن شاء الله حكماً مدنياً جديداً يعتمد على الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.. هذه هى المبادئ التى رفعتها الثورة والتى قامت من أجل تحقيقها. قال: أنا لا أسألك عما سيتحقق إن شاء الله، وإنما عما تحقق بعون الله. قلت: لقد أسقطت الثورة نظاماً لم يكن أحد يتصور أن بالإمكان إسقاطه بعد أن أحكم سيطرته على البلاد طوال أكثر من ثلاثة عقود من الزمان بنظام حكم فردى بوليسى يطمس إرادة الشعب ويخرس صوته بالاعتقالات والتعذيب ويسعى لتوريث الحكم، فهل هذا الإنجاز هين؟ قال: أنا لا أقلل إطلاقاً مما تم إنجازه، ولقد كان إسقاط الحكم السابق أمراً عظيماً وبدونه لم يكن من الممكن لمصر أن تضع قدمها على أعتاب المجتمع الجديد الذى تريده والذى من أجله قامت الثورة، ولكن أين هو ذلك المجتمع الجديد؟ قلت: بناء مجتمع جديد لا يكون بين يوم وليلة. قال: لكن الانقلاب يحدث بين يوم وليلة، كما حدث مثلاً مع ثورة 1952، فقد كانت انقلاباً مثل الانقلابات التى كنا نشهدها من حولنا فى الدول العربية والتى كانت تستبدل حكماً عسكرياً بآخر دون أن يطرأ على حياة الناس أى تغيير، أما ثورة 52 فقد سميت بعد ذلك ثورة لأنها تحولت بالفعل من انقلاب عسكرى سمى فى حينه «الحركة المباركة» إلى ثورة حقيقية غيرت كل مناحى الحياة ليس فى مصر وحدها، وإنما فى الوطن العربى كله، بل امتد أثرها إلى بقية أرجاء العالم الثالث الذى بدأ عصراً جديداً هو عصر التحرر من الاستعمار الذى غير وجه الخريطة الدولية. قلت: إنك تتعجل الأمور، لا تنس أنه لم يمر على الثورة إلا أربعة أشهر فقط. قال: فى تلك الفترة نفسها كانت ثورة يوليو قد غيرت نظام الحكم من الملكية إلى الجمهورية وكانت قد طبقت قانون الإصلاح الزراعى وكانت.. قلت: نحن لسنا بصدد تعديد إنجازات ثورة يوليو الآن. قال: أنا لا أعدد إنجازاتها، وإنما أقول لك إن فترة أربعة أشهر، أى ما يزيد على 120 يوماً، قادرة على تحقيق الكثير. قلت: ولقد تحقق الكثير، فقد سقط الحكم القديم وحُل مجلسا الشعب والشورى وأُلغى الدستور وقدمت رموز الحكم القديم للمحاكمة و.. فقاطعنى قائلاً: هذا كثير بالفعل، لكنه يقع كله فى خانة هدم القديم وليس بناء الجديد، وتلك هى الخطورة: أن نتمادى فى عمليات الهدم وحدها دون أن نقوم بالبناء. فهاتان ليستا عمليتين متعاقبتين تأتى الواحدة منهما بعد الأخرى، وإنما هما عمليتان متلازمتان، فالهدم يجب أن يصاحبه البناء، كما صاحب إسقاط الملكية إعلان الجمهورية، وكما صاحب محاربة الإقطاع إنشاء مجتمع زراعى جديد عن طريق قانون الإصلاح الزراعى، وهكذا تحول انقلاب 1952 إلى ثورة حقيقية غيرت جميع مناحى الحياة. ثم صمت صديقى قليلاً واختفت الابتسامة من على وجهه، وبعد لحظة عاد يقول: إن هناك انقلابات تتحول إلى ثورات، وأخشى أن هناك ثورات تتحول - على ما يبدو - إلى انقلابات. فتركته ومضيت. قال: إلى أين؟ قلت: إلى ميدان التحرير! msalmawy@gmail.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل