المحتوى الرئيسى

تحت القسمالقوة الغائبة في السياسة المصرية

06/03 00:08

من أكثر الآثار السلبية لأداء الحزب الوطني الديمقراطي البائد ضررا علي الحياة السياسية المصرية احتكاره لتمثيل قوي الوسط في المجتمع دون جدارة‏,‏ ودون استناد إلي أدوات سياسية حقيقية سوي أداة السلطة‏.‏  ولذا فعندما هوي هذا الحزب المصطنع تحت ضربات ثوار25 يناير لم يعد لدي تلك القوي الوسطية إطار تنظيمي يجمعها, ويؤهلها لدورها المستحق في بناء الدولة المدنية العصرية الديمقراطية, بوصفها الهدف الذي اجتمعت عليه قوي ثورة يناير. فإذا اتفقنا علي ماسبق, وإذا اتفقنا أيضا علي أن الوسط بمعناه الواسع هو التيار الرئيسي في كل المجتمعات السياسية ماضيا وحاضرا ومستقبلا, فإن نسبة كبيرة للغاية من احتمالات نجاح ثورة25 يناير في تحقيق هدفها الأكبر تتوقف علي ظهور كتلة منظمة تمثل ذلك التيار الرئيسي, وتسهم بفاعلية في صياغة العقد الاجتماعي الجديد, ووضع الدستور الذي يعبر عن هذا العقد, والنظم الانتخابية وغيرها من أطر الحياة السياسية التي تكفل الالتزام والتنفيذ, ولاتمنع التجديد والتطور إذا جاء وقتهما. ولكن ماهي قوي الوسط تلك التي نتحدث عنها؟ وكيف أدي احتكار الحزب الوطني لتمثيلها بقوة السلطة فقط إلي ضمور دورها, وتشتتها إلي حد عدم الفاعلية بعد أن انهار هذا الحزب؟ إن أقرب تعريف للوسط بالمعني السياسي هو أنه الموقف أو الاتجاه الذي يقع بين اليمين وبين اليسار, ولكن هذا التعريف يشبه تعريف الماء بالماء كما اعتاد علماء البلاغة أن يسخروا ممن يجهد نفسه في تعريف ماهو معروف بالضرورة. ولكن الحقيقة أن الوسط السياسي ليس معروفا لنا في مصر علي هذا النحو من الوضوح القاطع, وربما تنطبق الملاحظة نفسها علي تعريف اليمين واليسار. ذلك أن اليمين أقسام منها القومي المتطرف, ومنها الاقتصادي الذي يؤمن بالحرية المطلقة للأسواق, ومنها الديني, ومنها العنصري, ومنها ما يضم ذلك كله في إطار عقيدي وتنظيمي واحد. وكذلك اليسار أقسام أيضا, لكن هذه الأقسام تشترك كلها في التركيز علي العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة وعائد النمو, ورفض التطرف القومي والديني والعنصري. أما الوسط فيتسع للاتجاهات اليمينية واليسارية المعتدلة, إلي جانب اتجاهه الأساسي, وهو الإدارة السلمية لتعارض أو صراع المصالح بين قوي السوق في الدولة الوطنية دون إهمال بطبيعة الحال لمصالح الأمن القومي, ومتطلبات التاريخ والجغرافيا. نعود إلي قوي الوسط في مصر, لنري أنها هي فعلا القوي الأكبر عددا والأثقل وزنا اقتصاديا واجتماعيا, ولنري كيف أنها غير منخرطة في الحياة السياسية بما يكفي للتعبير عن هذا الوزن الهائل, وكيف أن احتكار أو ادعاء تمثيلها من جانب الحزب الحاكم سابقا هو الذي أدي إلي ضمور دورها السياسي, وأنها في حاجة إلي تجميع صفوفها من جديد. لنأخذ أولا موظفي الدولة ومعهم الإدارة العليا والوسطي لبقايا القطاع العام, وكما ذكر من قبل فإن عدد هؤلاء لايقل عن6 أو7 ملايين شخص, فاذا أضفنا اليهم تعداد أسرهم بمتوسط3 أشخاص لكل أسرة, فسوف يكون لدينا مايقرب من18 أو21 مليونا من الناخبين من ذوي الدخول المتوسطة وفوق المتوسطة, وتحت المتوسطة بقليل. بعد هؤلاء يأتي المهنيون من محامين وأطباء وصيادلة ومهندسين وزراعيين, وتجاريين ومعلمين( غير عاملين في المدارس الحكومية), وأساتذة جامعيين.. الخ, وبالتقريب فلن يقل عددهم عن مليونين أو ثلاثة, وبإضافة بقية أفراد الأسرة فستكون هذه الفئة في حدود6 أو9 ملايين, وكلهم من ذوي الدخول فوق المتوسطة. هناك أيضا من قوي الوسط المهمة جدا رجال الأعمال, والتجار, وأرباب الصناعات, وغيرهم من ذوي الأعمال الحرة غير المهنيين, ورغم أن أعداد هؤلاء قد لاتكون مليونية في كل فئة, فإن أوزانهم النسبية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية كبيرة جدا, ثم إنهم مثلهم مثل المهنيين منظمون من الأصل في الأغلب الأعم. فهناك اتحاد للصناعات, وهو منظمة عريقة لعبت أدوارا بالغة التأثير في حقبة ما قبل ثورة يوليو1952 وهناك أيضا اتحاد للغرف التجارية, وهو بدوره منظمة عريقة. كذلك هناك الاتحاد التعاوني الزراعي, بل إن بعض اتحادات النقابات العمالية تصنف في كثير من الأحيان من قوي الوسط, وذلك عند من يعتبرون أن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية هي أحزاب يسار وسط, وليست أحزابا يسارية خالصة. بالطبع نحن لا نقدم هنا عملية حصر شامل بالاسم والعنوان لقوي الوسط في مصر, ولكن ما ذكرناه منها يكفي للتأكد من أنها هي الأغلبية الكاسحة بين الناخبين المصريين الذين قدر عددهم في الاستفتاء الأخير بحوالي48 مليون ناخب, فأين هؤلاء جميعا من الأحزاب القائمة, وأين هم من مرشحي الرئاسة الذين أصبح إحصاؤهم مستعصيا علي الذاكرة؟ بعبارة أخري من هو المرشح الذي يمثل هؤلاء أو بعضهم؟ وأين هو الحزب الذي يضم في عضويته عددا كبيرا منهم, ويعبر عن مصالحهم, ورؤيتهم لما يجب أن يكون عليه النظام السياسي بعد ثورة يناير؟ لاشيء من ذلك, والسبب أن الحزب الوطني الديمقراطي( البائد) الذي احتكر تمثيل هذه القوي بإرهاب السلطة أو غواياتها, لم يكن حزبا بالمعني الحقيقي, ولم تعرف السياسة طريقها إلي أبوابه, وكل ما كان مطلوبا منه هو توفير شكل التنظيم الجماهيري لسلطة مطلقة, أخذت دوائرها تضيق شيئا فشيئا حتي تركزت في أيدي بضعة أفراد حول الرئيس السابق وأسرته. وبالتالي فإما وجدت بعض هذه القوي نفسها في العراء بعد انهيار ذلك الحزب, خاصة موظفي الدولة والمهنيين, وإما عجز البعض الآخر عن أن يطهر نفسه من ميراث النظام السابق, وارتباطاته به, وانكفأ إلي داخله لا يدري ماذا يفعل في الوضع الجديد, ونخص هنا بالذات اتحاد الصناعات, واتحاد الغرف التجارية, والاتحاد التعاوني الزراعي, والاتحاد العام لنقابات العمال, مع أنهم أولي الجميع بأن يتحركوا, ويعبروا عن رؤي الفئات التي يمثلونها ـ بوصفها قوي الإنتاج ـ للاستحقاقات الدستورية والقانونية المطلوبة لتنفيذ هدف ثورة25 يناير المتمثل ـ كما سبق القول ـ في إقامة دولة عصرية مدنية ديمقراطية علي أرض مصر. قبل أن نواصل نود أن نسجل تحفظات لابد منها, فالقول بأن الحزب الوطني احتكر أو ادعي تمثيل فئات الوسط التي نتحدث عنها لا يعني أن جميع أفراد هذه الفئات كانوا أعضاء في ذلك الحزب, ولا يعني أيضا أن صمت الكثيرين منهم كان تعبيرا عن الرضا عن ذلك الحزب, والنظام الذي كان قائما. ويجب أن نتذكر أن كلمة تمثيل نفسها تعني أن الجميع لم يكونوا منخرطين, وإنما البعض وربما القلة فقط, كذلك لا يعني تصنيفنا السابق لقوي الوسط أنها ليست متداخلة مع قوي واتجاهات سياسية أخري علي أسس غير اقتصادية أو مهنية بحت, فبالقطع هناك مهنيون أو أرباب صناعة أو تجار يؤمنون مثلا بالإسلام السياسي, أو بالفكر القومي, أو بعقيدة مصر أولا.. الخ, ومن المؤكد أن كثيرين من هذه القوي الوسطية منخرطون في تنظيمات متباينة, لكننا نقصد بحديثنا عن القوي الغائبة في السياسة المصرية الكتلة الرئيسية للوسط. ثمة تحفظ ثالث وهو أن تركيزنا اليوم علي قوي الوسط لا يتناقض مع, ولا ينفي الدور المجيد لشباب ثورة25 يناير بتنظيماتهم واتجاهاتهم المختلفة, بل ربما كان العكس هو الصحيح, بمعني أن الكتلة الغالبة من ائتلافات شباب الثورة هي كتلة وسطية, والدليل الذي لا دليل بعده علي ذلك هو الهدف النهائي المعلن لثورة الشباب, ألا وهو إقامة دولة مدنية ديمقراطية عصرية, فهذه أيديولوجية وسطية إذا جاز وصفها بالأيديولوجية. وإذن فالمطلوب الآن هو مد الجسور بين تنظيمات الشباب, وبعضها البعض أولا, ثم مد هذه الجسور مع منظمات ونقابات واتحادات المهنيين والموظفين, والزراعيين والصناعيين ورجال الأعمال والغرف التجارية وغيرها.. وعند ذلك لن تكون هناك مخاوف من سيطرة التنظيمات الدينية علي الحياة السياسية, ولن تبقي ظاهرة المرشح لرئاسة الجمهورية الذي لا نعرف من يمثل, ولا من اختاره, ومن سيسانده, ومن سيموله, كما نشهد الآن.. ولكننا سنعرف المرشح للرئاسة والمرشح للبرلمان, بل والمرشح للمجلس المحلي الذي يتقدم ممثلا لقوة ومدعوما منها وفق برنامج أقرته هذه القوة المنظمة نفسها, وطرحته من خلال مرشحها للتعاقد مع الناخبين علي تنفيذه. ahammad@ahram.org.eg  المزيد من مقالات عبدالعظيم حماد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل