المحتوى الرئيسى

الليبراليون الجدد والثورة المصرية

06/02 21:44

بقلم: د. جمال نصار شهدت مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير تحولات جذرية، سواء على مستوى نظامها السياسي، الذي بدأ مرحلة التحول الديمقراطي، أو على مستوى القوى والحركات السياسية، التي شهدت تغييرًا كبيرًا، ففي الوقت الذي تراجعت فيه أحزاب احتكرت الحياة السياسية المصرية لما يزيد عن ثلاثة عقود، حصلت أخرى على الشرعية، كما بدأت قوى سياسية كانت محظورة في السابق في لعب دور فعّال ومؤثر في مصر، وقد أدت هذه التحولات، لأن تشهد مصر حالة من الحراك السياسي الإيجابي، إذ شهدت مصر ولأول مرة في تاريخها خروج حوالي 18 مليونًا من جماهير الشعب المصري للتعبير عن آرائهم بحرية وشفافية في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، في تجربة وصفها المراقبون بأنها فريدة ومتميزة، وتعكس مدى وعى وقدرة الشعب المصري على التغيير، إذا ما توافرت له السبل والآليات الديمقراطية المتعارف عليها، هذا في الوقت الذي تبذل فيه القوى والأحزاب السياسية جهودًا مضنيةً للاستعداد للانتخابات التشريعية والرئاسية التي ستشهدها مصر خلال الفترة المقبلة.   وبالنظر إلى الخريطة السياسية نجد أن الليبرالية المصرية تعيش أكبر أزماتها في العصر الراهن، إذ بعد أن نعمت مصر بالحرية وسقوط الاستبداد المتمثل في النظام السابق (نظام حسني مبارك) أطلّت التيارات السياسية المصرية على الواقع بأحجامها الطبيعية، ولما كان السادة الليبراليون قد صدروا صورة ذهنية عن وجودهم باعتبارهم التيار الأكبر كما يدّعون، والفصيل الأكثر قدرةً على قيادة الوطن، فقد وجدوا أنفسهم على المحك، وهنا ظهرت أزماتهم.   فعلى الصعيد "الأيديولوجي" نجد أنهم يعيشون أزمة، وعلى صعيد" التنظيم السياسي" يعانون تخبطًا، وعلى صعيد "البرامج" يفتقدون البوصلة، وعلى صعيد "الشعبية الجماهيرية" يمتلكون سرابًا، وعلى صعيد الميديا يظهرون انتهازية، أما الشيء الوحيد الذي يمتلكونه.. فهو التمويل!! والدليل على ذلك عدد القنوات الفضائية والصحف الخاصة التابعة للكثير من رجال الأعمال المحسوبين على هذا التيار.   فأما "الأيديولوجيا" فهم يعلمون أن التعريفات العلمية لنظريتهم الليبرالية ستضعهم في صدام محقق مع هوية الأمة الدينية والأخلاقية، ولذلك فما زالوا يتوارون وراء بعض الشعارات السياسية مثل: الحرية والعدالة والمساواة والدولة المدنية والمواطنة التي تبقيهم على قيد الحياة بسبب صدامهم مع طبيعة وهوية الشعب المصري المتدين.   أما على الصعيد التنظيمي، فالأخبار صادمة فيما يتعلق بتأسيس "أحزاب ليبرالية"، والخلافات تملأ الآفاق قبل البدايات، والرؤى مشتتة، وأغلبهم لم يستطيعوا جمع الأعضاء المؤسسين لأحزابهم (5000 عضو مؤسس) فكيف يعملون في واقع قوامة 88 مليون نسمة؟! هذا في الوقت الذي تم فيه قبول حزب الوسط بعد الثورة مباشرة، وسعي العديد من التيارات الإسلامية حتى الآن للتقدم بأحزاب، كما تم تقديم "حزب الحرية والعدالة" الإخواني للجنة شئون الأحزاب.   ونلاحظ- أيضًا- الأزمة التنظيمية والفقر الخططي والعددي، فقد استعاضوا عن ذلك بالهجوم على الإسلاميين, فيحاولون من حين لآخر تشويه صورة الإسلاميين وخصوصًا الإخوان، وهذا ما سيفعلونه بطبيعة الحال مع بدايات تأسيس الأحزاب السلفية، وهذا الهجوم لا يمثل ترشيدًا للأحزاب الإسلامية، ولا نقدًا ديمقراطيًا, ولكنه- فقط- لإبعاد الأعين عن الفشل التنظيمي الذريع الذي يعيشه الليبراليون الآن، ولعدائهم الصريح لكل ما هو إسلامي.   وعلى صعيد "البرامج"، فالمتابع للشأن السياسي يصاب بدهشة بالغة حين يُصدم بحقيقة هؤلاء المثقفين الذين يسيطرون على "الميديا" ويُدرِّسون السياسة في الجامعات، ويتصدّرون المشهد السياسي، سيُصدم بأنهم جميعًا بلا برامج، فماذا يصنعون، يتكلمون ويثرثرون، فإذا أخطأ إسلامي سلقوه بألسنة حداد، أما إذا أجاد قالوا: يخلط الدين بالسياسة، وإذا صدر برنامج حزب "الحرية والعدالة" متكاملاً محفوفًا بإعجاب المتخصصين وكبار المفكرين أهالوا عليه التراب، ونسوا ما صنعوه حين صدر البرنامج في مسودته الأولية متضمنًا (عدم ولاية القبطي والمرأة لرئاسة الجمهورية)، ولكنهم علموا أن اقترابهم من قضية البرامج سيدخلهم في منافسة خاسرة جديدة، لأنهم يعلمون أن الإسلاميين جاهزون؛ لشعبيتهم الجارفة في الشارع المصري.   من هنا فكر الليبراليون في إشغال وإلهاء المجتمع بمفاهيم لا تمت للواقع بصلة وهي أن "الإسلاميين يدعون إلي دولة دينية" ورغم آلاف الأبحاث والأدبيات التي دمرت هذا الادعاء تدميرًا, إلا أنهم نجحوا في إشغال الإسلاميين بالدفاع عن دولتهم المدنية, وإشغال المجتمع عن الإفلاس الليبرالي من أي برامج سياسية تعبر عن طبيعة وهوية المجتمع المصري.   وعلى صعيد الشعبية بين أبناء الوطن فقد صدمتهم نتيجة الاستفتاء الأخير حول التعديلات الدستورية, بل هاجموا الفكرة في بدايتها من خلال المؤتمرات والندوات التي صرفوا عليها ملايين الجنيهات، وهذا الموقف أبان للجميع سراب شعبيتهم التي يدّعونها، فماذا يصنعون؟!، يحولون مرات ومرات الادعاء بأن الإسلاميين يضحكون على الشعب بكلمات الدين المعسولة، متناسين أنهم دافعوا عن الشعب (المخدوع) وقالوا إنه عظيم!! وأنه يستحق الديمقراطية!!، فكيف يصاب هذا الشعب بـ"البله" الذي يجعله عرضة لخداع الإسلاميين؟! ثم يفاجئوننا بمحاولة الالتفاف على إرادة الشعب ويلوحون بالانسحاب من الانتخابات إذا أجريت في مواعيدها، وبعضهم يدشن فكرة "المجلس الرئاسي" من جديد، ثم يظهر الأستاذ "هيكل" في (الأهرام 13/5) ليعالج مشكلة فساد أبنائه بمنافقة المجلس العسكري، وطلب استمراره في السلطة، ثم يباغتنا- من جديد- نداء ليبرالي بوضع الدستور أولاً ثم الانتخابات، وكأنهم يعاقبون الشعب الذي خذلهم!! ويردون له الخذلان بعدم احترام إرادته! وحين أسفر الوجه القبيح لليبراليين عن هذا التوجه الفج- لم يملك البعض إلا معارضته- فقد كان عليهم أن يعقدوا المؤتمرات ليحولوها إلى نياحات على روح الثورة التي تُسرق، باعتبارهم أنهم الممثلون الحقيقيون للثورة، وأن الإسلاميين يريدون خطف وسرقة الثورة!   أما على صعيد "الميديا" فقد عبّر الليبراليون عن انحيازهم للتزييف امتدادًا لتزييف النظام البائد، ما دام هذا السلوك يضمن لهم وضع الإسلاميين في مربع الاتهام، ويصبغ الوجه العلماني الليبرالي بمساحيق البطولة الزائفة، وهذه "أزمة شرف" بكل ما تعنيه الكلمة، ومخالفة لكل "مواثيق الشرف المهنية" في أعتى الليبراليات العالمية، ثم يقومون بإبراز نماذج مشوهة ويعرضونها على أنها صورة الإسلاميين الحقيقية، حتى يثيروا اشمئزاز المثقف العادي والمواطنين منهم، وهكذا يضطر الليبراليون إلى فضح أنفسهم وتخويفنا من مستقبل الوطن إذا وضع في أيدي الإسلاميين، وكون ممارساتهم ستخلو من "الأخلاقيات الإنسانية" أو "مواثيق الشرف المهنية", ورغم بروز هذه الأزمة لديهم، إلا أنهم مضطرون لها ليصدروا للإسلاميين رعب المواطن منهم، باعتبار أن المواطن سيكون أكثر رعبًا من الليبراليين إذا تعرّف على حقيقة أفكارهم.   أما الشيء الذي يمتلكونه ولا يعانون منه، فهو التمويل، وأمريكا بدأت المزاد بالدعم والتمويل، وقد ظهر هذا جليًا بتمويل الكثير من منظمات المجتمع المدني في عقد المؤتمرات والندوات، ولذلك أتوقع حين تذاع أسرار التمويل لبعض الليبراليين، أن نفاحأ بحملة على الإسلاميين عناصرها: السلفيون تمولهم السعودية! السلفيون ذوو الجذور الجهادية السابقة تمولهم القاعدة! الإخوان يمولهم التنظيم الدولي! الإسلاميون يريدون سرقة الثورة للاستيلاء على السلطة وهذا ما ورد على لسان أحد منظريهم وهو الدكتور سعد الدين إبراهيم.   والغريب في الأمر أن الذين يتشدقون بالديمقراطية وصدّعوا رؤوسنا صباح مساء بها يخافون منها الآن بسبب خشيتهم من وصول الإسلاميين لسلطة الحكم، ويعتبرون أنفسهم أوصياء على الشعب المصري. وبمعنى آخر يريدون ديمقراطية على مقاسهم الخاص.   هذه هي حقيقة معظم الليبراليين في مصر، يُظهرون ما لا يُبطنون، وهدفهم الذي يجمعون عليه هو إبعاد وإقصاء الإسلاميين بشكل أو بآخر للمنافسة على السلطة، وترك الساحة لهم خالية، بحجة أنهم أولى بها وأحق.   وأختم مقالي بقول جون بي آلترمان (مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات الدولية والإستراتيجية الأمريكي: أصبحت الحاجة ماسة إلى الليبراليين العرب أكثر من أي وقت مضى؛ حيث يرى فيهم بعض الغربيين الأمل والقوى القادرة على مواجهة خطر "القاعدة" لذلك يدعوهم كبار مسئولي الحكومات في واشنطن ولندن وباريس وغيرها من العواصم الغربية إلى موائد الأكل وشرب الخمر. لقد ازداد الدعم الغربي لليبراليين العرب، لكن يبدو أن تنامي هذا الدعم قد يحدث تأثيرًا معاكسًا؛ فبدلاً من أن يؤدي إلى تقويتهم فإنه سيؤدي إلى تهميشهم ووصمهم بالعمالة، بل جعل الكثيرين يتشككون في الإصلاح السياسي الذي يسعى الغرب إلى تحقيقه في المنطقة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل