المحتوى الرئيسى

فلسطين في عيون يوسف سبتي بقلم:د.حسين أبو النجا

06/02 20:20

د.حسين أبو النجا فلسطين في عيون يوسف سبتي* أو الشعر الجزائري بالفرنسية والقضية الفلسطينية** إذا كان الباحث في الشعر والقضية الفلسطينية يجد نفسه أمام كم هائل من القصائد هنا وهناك ، في هذا البلد أو ذاك، وفي هذه اللغة أو تلك ، فان هذا يعني أن القضية الفلسطينية ليست قضية الشعب الفلسطيني وحده ، وإنما هي قضية الإنسان الحر بغض النظر عن الجغرافيا ،ولا تختلف الجزائر عن غيرها من الدول التي وقفت مع الثورة الفلسطينية ، بل انه يمكن التأكيد على أن أهم ما يميز الجزائر دون غيرها من الأمم هو أنها الأكثر احتفاء بالثورة الفلسطينية ليس على المستوى السياسي فقط ، وإنما على المستوى الشعبي أيضا ، فالثورة الفلسطينية لا تعيش في الوجدان الجزائري وإنما تشكله وتصوغه في كل خطوة إلى تحقيق النصر في فلسطين. وفيما يتعلق بالشعر ، فانه من النادر أن تجد شاعرا جزائريا واحدا لم تسكن الثورة الفلسطينية في ثناياه الموغلة في البعد ، و انه لا يفتأ يكتب عنها المرة بعد المرة ، فالجزائريون ينطلقون من أن فلسطين هي " المحيط الذي ينسجمون معه "1". ويوسف سبتي واحد من الشعراء الجزائريين الذين عاشوا القضية الفلسطينية وكتبوا ديوانا لم يدع " مجالا لعاذل أو رقيب "2" اطلعت عليه في أوائل السبعينات ، وقمت بترجمة ثلاث قصائد منه في "الشعب الثقافي" هي على التوالي :"الفجر" و"أقوى من الصوارم" و"دائما عن فلسطين"3". و في "الفجر" ينطلق سبتي من أن الثورة الفلسطينية هي النهار الذي طلع على الأمة بعد هزيمة جوان1967 ، فأضاء الكون إلى حد انه لم يعد في أخاديد اليد أي مكان للخفافيش . الريح تنبع من القرع والفجر ينعكس على الزجاج ولا تعود تشرب الكلاب في أخاديد اليد وواضح أن الصور هنا تتلاحق فتتوالى الدلالات غير المباشرة، وتنضاف إلى المعاني اللغوية إيحاءات عميقة توشي تلك الدلالات بظلال نفسية قادرة على الوصول إلى الأعماق ، ولا شك أن الصورة قبل الأخيرة تدل على أن الأشياء قد بلغت عند الشاعر منتهاها الأقصى ، والدليل على ذلك انه اختار واحدا من الحيوانات التي تذم ، وهو أقصى ما يمكن أن يلجا إليه شاعر، ولا شك أن اختيار الشاعر صيغة المضارع " لا يعني دخولا أعمق"4" فقط ، وإنما يعني ولوجا مستمرا ودائما إلى خريطة القضية ، مما يدل على أن الشاعر يعيش تفاصيل القضية حاضرا و مستقبلا معا على اعتبار أن الفعل المضارع مختص بالحاضر والمستقبل ،ولعل اللافت للنظر هنا أن الشاعر قد لجا إلى تكرار الصيغ في كل من الخطين الأول والثاني، جملة اسمية فعلها مضارع متبوع بجار ومجرور، ولولا الترجمة لكان الخط الثالث مثلهما بزيادة طفيفة، وسنلاحظ أن التكرار "5" هو السمة المميزة للقصيدة من البداية إلى النهاية. ولما لم يعد بالإمكان تحمل المزيد ، فانه لا بد من التوجه إلى المقاتل الذي يصنع للأمة فجرها القادم. إلى أين أيها المقاتل إن الالتفاتة إلى المقاتل انتقال من مستوى إلى مستوى آخر أعلى منه درجة ، وليس ثمة من هو أفضل من المقاتل لتجسيد النهوض بعبء تغيير المرحلة ، ولان التجربة علمت الشاعر أن الغدر يمكن أن يغتال الحلم فجأة ، فان الواجب يقتضى التنبيه ، فأخوف ما يخافه الشاعر على الثورة الفلسطينية هو الصمت بمعانيه الحقيقية والرمزية معا ، أو بما يمكن تسميته "باجتماع الأضداد"6". الصمت يستوجب الحذر والموسيقي تضفي الصمت والمقصود بالموسيقى هو الانبهار بالثورة والتطبيل لها على اعتبار أنها البديل و....وغير ذلك مما كان يقال بهدف نفخ الثورة أولا، وثانيا من اجل توريطها فيما يحيد بها عن الدرب، ومن هنا كان على الثورة ألا تقع في المصيدة خاصة وأنها في البدايات ، وان المسيرة تحتاج إلى نفس طويل أطول من كل "أحاسيس وعواطف الشعراء"7" الذين كتبوا عنها والذين سيكتبون في المستقبل، ويجب لفت الانتباه إلى أن الشاعر يضغط من جديد على تكرار الصيغة بنفس الملاحظات السابقة مبتدأ خبره جملة فعلية فعلها مضارع " حتى تتجدد العلاقات وتثرى الدلالات وينمو البناء الشعري" 8 " ، ويمكن الإشارة إلى أن الشاعر حين يضغط على الاسم أكثر من الفعل فانه يبتعد عما هو عاطفي وينحاز إلى ما هو عقلي وذلك لكي يقنع المتلقي عن طريق المنطق وليس عن طريق الانفعال العاطفي، والملاحظ هنا أن التكرار " يتشكل في مستويين: الأول : مستوى لفظي ومعنوي والثاني معنوي" 9" لفظي على مستوى لفظ "الصمت" ومعنوي على مستوى الجملة . والمسيرة طويلة طويلة طويلة و لا شك أن تكرار كلمة طويلة لا يحمل فقط دلالات معنوية ، وإنما يشي بضرورة توطين النفس على أن النهايات السعيدة ليست في متناول اليد من البداية، وأنها يجب أن " تطل من كل فجاج النص الشعري ونتوءاته "10"، واللافت للنظر أن عدد مرات التكرار يحمل أيضا ظلاله المميزة ، ومعنى هذا أن الشاعر مهما أخذه الاتجاه فانه يظل مشدودا إلى الواقع الحي الذي يعيش فيه ، والذي يعكس على ذات الشاعر صورته الحقيقية فتتقبله " النفس وتتأثر بمقتضاه"11". بالدم تحارب الأيدي كيلا يضيع الأمل إن التضحية بالدم ليست طوباوية كما قد يزعم البعض ، وإنما هي ضرورة تفرضها الحاجة إلى التحفيز على الصبر ، وتستوجبها المحاربة في أحلك الظروف ، لأنه لا مفر أمامهم سوى ذلك من اجل الوطن. ومن اجل العدالة معا لكي يتحقق "التعادل الثقافي للكفاح المسلح"12"، وواضح مرة أخرى أن التكرار هنا يركز على الفعل المضارع ليس لأنه يشتمل على ايحاءات تعبيرية كثيفة فقط وإنما للهروب من "مجرد تكرارات لفظية مبتذلة" 13" . آه أيتها العدالة العدالة والوطن ومن البديهي أن الطريق إلى الوطن ليست معبدة لا "من خلال منطق السياسة"14" ولا من خلال أي منطق آخر، وإنما هي مليئة بالمصاعب ، ومن بين هذه الفخاخ حملات التشكيك التي ابتدأت تظهر بفعل تخطيط العدو المقنن والمبرمج منهجيا ، وبفضل الإمكانيات الهائلة الموضوعة تحت تصرف إستراتيجية التأثير على المقاومة وعلى المحيط الذي يحتضنها ، ويلاحظ أن الشاعر قد لجا هنا كالعادة إلى تكرار كلمة العدالة مرتين آخر الخط الأول وأول الخط الثاني ،أي انه لجا إلى التكرار الرأسي لإثارة " انفعالات وإحساسات لا تحصى " 15" قف يا عمر عمر انظر حملات التشكيك ومع انه يمكن توطين النفس على كل الاحتمالات ، إلا انه لا ينبغي على الإطلاق ، ولو لمجرد الظن ، نسيان انه كلما اشتدت الظلمة اقترب الفجر ، وان على العين الا تكتفي بمقاومة المخرز ، وإنما يجب أن تنتصر عليه لأنها "اشد ارتباطا بروح العصر"16"،ولا شك أن معاودة التكرار بالصورة السابقة -آخر الخط وأول الخط الذي يليه-هو في حد ذاته تكرار يجعل " تجربته تعيش مرة أخرى لدى الآخرين "17" عمر هو ذا الفجر أن الفجر آت رغم حملات التشكيك ، ومن المؤكد أن اختيار اسم عمر لم يأت هكذا، وإنما فرضته الذاكرة والخلفيات ، ومن هنا يتأكد من جديد أن الشاعر مشدود إلى العلامة الفارقة للأمة ، ولا شك أن الابتداء بالمباشرة أي بمناداة عمر والانتهاء بالصورة الرامزة خاتمة مميزة ترسخ في الوجدان معنى النضال و"مواجهة مشاكل العصر"18"، ويلاحظ هنا أيضا أن الشاعر يكرر الاسم لمرة ثالثة ، ومن المعروف خاصة أن الاسم المكرر ليس اسما كغيره من الأسماء ولكنه في الوجدان المسلم يثري الموقف ويشحذ" الشعور إلى حد الامتلاء. "19"مما يؤكد مرة أخرى أن انتماء الشاعر إلى المجتمع ليس طارئا وإنما هو متغلغل في أعماقه إلى درجة الامتلاء .وإذا كان الشاعر في "الفجر" قد انحاز إلى الثورة ، فانه في "أقوى من الصوارم" يعلل ويبرر، فالثورة في فلسطين لم تنهض من فراغ ، وإنما انبثقت من ضرورة منح "الناس الرؤية"20" للتخلص من الواقع المر الذي يعيشون فيه . رح رح رح لن نبقى في قشعريرة ساحتنا على الأرض منبطحين على مسام أرضنا مرة أخرى يعود الشاعر إلى أسلوب التكرار ثلاث مرات أفقية في الخط الأول، والى التكرار الرأسي أول الخطين الثالث والرابع "ليذكي حرارة العاطفة "21"،ومعنى هذا إن العلاقة بين الأرض وأصحابها قوية قوة علاقة النص بالواقع الخارجي و"الأنساق اللغوية الداخلية للنص"22"، وإن قوتها هي التي تمنحهم القدرة على تحويل البرد في الساحة إلى نار تستدفئ بها الساحات وتتطهر " من رجس الاستعمار وشؤمه"23"، والملاحظة اللافتة للنظر أن الشاعر ابتدأ المقطع بضمير المخاطب"أنت" وهو هنا المتلقي وأنهاه بضمير المتكلمين"نحن" الذي هو الشاعر "فتداخل الجهاز المرجعي والجهاز الشعري"24"، وصار المرسل والمرسل إليه شخصا واحدا. تعال تعال تعال هو ذا التكرار يفرض نفسه من جديد، ليس من اجل التأكيد فقط ، وإنما بغرض الإيحاء بان الاستفادة من التجارب الأخرى تتطلب العودة من اجل إثراء التجربة ، ولكن هذا التكرار معكوس التكرار الأول رح ، ويمكن ملاحظة أن الإصرار في الحالين لا يقتضيه المنطق ، وإنما تتطلبه الحاجة إلى جعل صدر المتلقي يخفق مع الكلمات المتدافعة العارمة"25"، وتتحول الصرخات في وعي الناس إلى آمال تنقلهم من الظلمة إلى النور عن طريق أن "الاختلاف في الشكل اختلاف في المعنى " كما يقول بلومفيلد "26". قل لنا ما الذي لم تجده فلسطين منذ أعوام ونحن في ذهولنا نضاجع الكلمات في صدى عبثنا المختار إن العربي الذي لم يستطع بعد أن يستوعب النكبة مذهول لا ينفك يمضغ الكلمات بعبث أكثر منه بوعي حقيقي، ومن هنا فانه يتعلق بالثورة التي تعبر " عن رغبة الشعب الحقيقية "27" ، والمؤاخذة الوحيدة التي يمكن الإشارة إليها تتمثل فيما جعله اختيارا، والواقع أن العرب لم يختاروا بقدر ما فرض عليهم الأمر فرضا وعنوة، إن الآخر هو الذي فرض هذا الواقع وان العربي اضطر إلى القبول ، أما الصورة اللافتة للنظر فهي المفاجأة بالعودة إلى الحقيقة انطلاقا " من النفس البشرية"28" رح رح رح عد إلى الخنجر المغموس في قلب مدينتنا عندما تنتسب الجوارح إلى الكتابة في شوارع الشرق في هروبنا الذي لا يغتفر إذا كان الخنجر المغموس وسط العالم هو إسرائيل، فان الثورة الفلسطينية هي محط الأنظار، ليس لأنها البلد الوحيد الباقي تحت نير الاستعمار وإنما لأنها مركز الوجع في الدنيا ، ولا بد هنا من الإشارة إلى أن التكرار الأفقي يتكرر ثانية بنفس الحروف وبنفس عدد مرات التكرار، مما يؤكد انه يشكل" بنية مهيمنة على القصيدة"29" ، وان التكرار الرأسي المتمثل في الجار والمجرور يقع في ثلاثة تكرارات هو الآخر ،وهو توحد أسلوبي في المشاعر وفي الأحداث أيضا يكشف عن "القوة الخفية في الكلمة" "30". فلسطين فلسطين عشب الجنون الحار يتحول التكرار إلى ثنائي هذه المرة ويتخذ شكلا بسيطا واحدا هو التكرار الرأسي، ومن المؤكد انه هنا للتأكيد، وأن الإلحاح على مناداة فلسطين مرتين مفاده أنها في القلب ، ولا شك أن تكرار النداء من دون أداة كثافة يتطلبها الشعر باستمرار من جهة ، ويدل من جهة ثانية"على الفصل ظاهريا بين هذين الجانبين" 31" ،ولكنهما في الحقيقة مترابطان دلاليا فيما يشبه "النشوة الصوفية في معانقة الكون "32". عودة الرجاء أقوى من الصوارم الرجاء والتصميم أقوى من كل شيء، من الخوف، و من المستعمر، ومن السيوف الصارمة، ومن كل الآلام والدموع، وهكذا فانه ينبغي رفض كل ما هو غير مجد مثلما "الجنون يرفض الخوف".33" مرفوضة كل الآلام ممنوعة الدمعة اللا مجدية إن الألم وان كان يوجع إلا انه لا ينبغي أن يصاحبه بكاء، ففي النضال لا يجب البكاء، وإنما الذي يجب هو القتال ، وليس معنى ذلك التجرد من الإنسانية في لحظات الضعف، وإنما لان البكاء لا ينسجم مع الحرب في زمن قرب " هيمنة القطب الواحد"34". فخسوف حالنا العائم فلسطين تحية اخوتي تحية تحية يا رفاق إن ما يحدث في فلسطين يتطلب التحية من الجميع ، ليس لان فلسطين حالة خاصة فقط ، ولكن لان الفلسطينيين وحدهم يواجهون اكبر قوة عنصرية مدججة بالسلاح بالإرادة فقط ، ومن جديد يعود التكرار الثلاثي مرتين في نهاية الجملة و مرة في بدايتها لكي يفيد الشمول من ناحية و" التداخل على المؤلف من ناحية ثانية"35"، واللافت للنظر هنا أن الشاعر يجمع بين الرفاق والإخوة في إشارة واضحة ليس إلى الوحدة الوطنية فقط ، وإنما إلى ضرورة الجمع في التجربة بين ما هو ذاتي وخاص وبين ما هو إنساني وعام ،وإذا كانت المسالة الصهيونية فرضا على المنطقة نتيجة ظروف في منطقة أخرى ، فان المقاومة ستصنع لنفسها الأغنية المكتوبة" في القول الإنساني " 36" من المعاناة الخاصة غير المستوردة. سنغني من عندنا يوما قالبا من انتظارنا على هذه الأرض إن المناخ الخاص يتغلغل في الأعماق ، ومعنى هذا أن التجربة الفلسطينية ستفرض خصوصيتها من دون " الاجترار والامتصاص والحوار "37" لان هذا هو المبدأ ، وهذه هي طبائع الأشياء على مر الأزمنة، و أنه لا توجد في العادة بين أي ثورتين" علاقة تكافؤ بسيط"38"كما يقول تودوروف. بدأبنا بعملنا وعلى الرغم من خيانات الكتبة إن الدأب والاستمرار في الثورة هما الطريق إلى الحرية، وإن أصحاب النفوس الضعيفة لا يمكنهم إن يوقفوا المسيرة ما دامت هناك الإرادة على الظفر بمختلف الحقوق.إن تصميم المقاتلين هو وحده القادر على تحقيق النصر و"التأثير في المرجعيات "39" ، فالنصر للشعوب وليس للشواذ الخارجين عن التطلعات إلى الحرية والاستقلال ، ويلفت النظر هنا أن تكرار "نا" الدالة على الفاعلين إلحاح على الخصوصية المميزة فيما هو عام وشامل " بين الرمز (اللفظة) والموضوع (المعنى) "في مستوى الدلالة العادية"40" ،وان تكرار حرف الجر في مفتتح الخطين الأول والثاني مادة ذات" طاقة تعبيرية هائلة " 41" كما يقول بالي. وإذا كان الشاعر في كل من "الفجر" و"أقوى من الصوارم" قد انحاز كلية إلى الثورة الفلسطينية ونهض يعلل ويبرر، فانه في قصيدته الثالثة "ودائما عن فلسطين" يرفض بعثرة اهتمامه على مختلف التجارب هنا وهناك ، ويصر على أن يبقى في قلب الكون وفي القضية المحورية ،ففلسطين أندلس أخرى ولكن "أشنع وعلى الطراز الطراز الحديث".42" لا تخبروني شيئا أي شيء آخر وواضح أنه لا يشغل البال إلا فلسطين ، وواضح من جديد أن الشاعر لا ينفك يستعين بالتكرار من اجل إيصال المشاعر إلى الآخر، فلسطين هي الكل وهي الغاية ، وان كل ما يتمناه هو أن يتأكد من أن فلسطين توثق "الارتباط بالتجربة الإنسانية"43"، وان تكرار كلمة شيء تكرار صوتي من جهة وتوتر إيقاعي من جهة أخرى مهمته " الكشف عن القوة الخفية في الكلمة "44". إنما في بساطة اخبروني بكل بساطة إنها لم تزل حية أنها لم تمت ولم تفقد إيمانها بالغد والأمل والإنسان والملاحظ هنا أن هناك تكرارات متعددة ، كلمة بساطة تتكرر مرتين ، وان الخطين الخامس والسادس يشتملان على نسق استهلالي يتكون من ناسخ واسمه وجملة فعلية على أنها خبره، وان الناسخ وان اختفى من الخط السابع إلا انه حاضر فيه من خلال واو العطف،وان الجملة فعلها مضارع مجزوم في الخطوط الثلاثة مما يوحي بالحالية والاستقبال عن طريق نفي الماضي "لكي تكون قادرة على إبراز الجانب المؤثر في المعنى"45". لا تحدثوني قليلا أو كثيرا إنما اخبروني على وجه الخصوص أنها فتية إن ما يهم الشاعر هنا هو قدرة فلسطين على مواصلة المقاومة، فما تلقته من طعنات يجعل من الإلحاح على الفتوة واجبا شرعيا يفرضه تغلغل فلسطين في قلب كل نفس تتوق إلى أن يصبح العالم إنسانيا بالمعنى الحقيقي، و"فتوة" الثورة في نظر الشاعر لا تعني حماية النفس فقط ، ولا تعني مواصلة المقاومة أيضا ، وإنما تعني قبل أي شيء آخر تزويد الآخرين ب "ضمانة مستقبلية".46" وأنها لم تزل تروي صحارينا بالأناشيد ولا شك أن الربط بين خضرة الثورة وصحراوية الحياة العربية المعاصرة تأكيد على الحاجة إلى نفض الغبارعن الكاهل، فالأمة في مرحلة بيات شتوي ، ومن المؤكد أن الأمة بعد هزيمة جوان قد أصيبت في الصميم ، ومن هنا فان مجيء الثورة الفلسطينية قد أخرجها من الوحل إلى العزة، أولا لأن الثورة تحريك حقيقي للوجدان من ناحية ، ولأنها من ناحية أخرى قد حققت في مارس1968 انتصارا مؤزرا على إسرائيل في " الكرامة" بالأردن ، فأعادت لوجه الإنسان العربي الباهت قليلا من الدم، فتأكد في الوجدان أن الثورة الفلسطينية هي " قضية وجود أو لا وجود"47". وأنها لم تسحق تحت أقدام السفاحين السفاحون يحاولون أن يجهزوا على الثورة ولكنهم لن يتمكنوا من اغتيال الحلم، ومن هنا فإن ما يحدث أحببنا أم لم نحب هو صورة من صور " إخراج العرب"48" ليس من فلسطين وحدها، وإنما مما بين النيل إلى الفرات، وإذا كانت الإشارة إلى أيلول واضحة، فان الحقيقة تؤكد انه ليس هناك أيلول واحد ، وإنما هناك "ايلولات" أكثر واشد فظاعة لن يسلم منها لا الأخضر ولا اليابس ، وعليه فانه لا ينبغي سماع أي شيء آخر سوى فلسطين، وذلك كأداة " ضرورية في فعل الإدراك"49".. لا تتحدثوا لا تتحدثوا إنما حدثوني عن فلسطين و اللافت للنظر هنا أن التكرار الثلاثي يعود من جديد ، ولكنه يتخذ هنا شكلين الأول تكرار للجملة نفسها مرتين، وبتحوير قليل في الثالثة ، وان أسلوب القصر هو الخاصية المميزة التي تلفت النظر في التكرار الثالث ، وانه سيمهد لتكرارات من نوع جديد احتاج الناس إلى تفاهمها بحسب احتياجاتهم"50" ، وان تكرار مجموعة من العناصر "أقوى من العنصر المفرد "51" ووثوبها عن رفضها وعن رشاشاتها والرمق الأخير إذا كان الرشاش هنا رمزا للثورة ، فان الرمق الأخير رمز للعزم والإرادة المخلصة في استمرار الوثبة المسلحة ، إن العنوة لا ينفع معها إلا العنوة ، ليس من اجل "تعزية المظلوم والمسحوق والمقتول ،بل معاقبة الظالم والساحق والقاتل وتغيير مجرى التاريخ الاجتماعي بالذات" 52". وواضح من خلال تكرار الجار والمجرور والمضاف والمضاف إليه في الخطين الثالث والرابع أن هناك ترجيعا من جهة وتغلغلا في التفاصيل من جهة أخرى، وان هذا التكرار الظاهر مصحوب بتكرار خفي في الخطين الأول والرابع سببه حذف حرف الجر ، واللافت للنظر أن الخط الرابع لم يلجا إلى الضمير المضاف إليه، وإنما استعان بنعت الرمق للتخلص من "التكرار التوكيدي أو الحماسي " 53". والملاحظ أن القضية لم تعد مجرد عنصر مكوّن في حركة القصيدة ورؤاها الفكرية، ولم تعد المسالة أن يعبّر الشاعر عنها، وإنما صارت هي الشعر ، والشعر أصبح هو القضية ، وهو الفضاء الذي يستفيد منه الشاعر ومنه أيضا " يستفيد عامة الناس"54". في فلسطين يجب أن يدور الحديث حول الثورة والرفض والوثوب والرشاش لأنه ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ، أن فلسطين بالنسبة إليه هي الممرات إلى الحياة في الزمن الدرامي للثورة الفلسطينية ، والقادرة بالتالي على" التفاعل مع وأكثر وأكثر ودائما عنها إنه لا يمل من معايشتها ، وان كل ما يسمعه عنها قليل لا يكاد يسمن من جوع ، ولذل فان الشاعر يحتاج إلى ما هو أكثر وأكثر ، ففلسطين لا تعشش في الوجدان ، وإنما تدخل في "إطار التكوين النفسي " 56" للشاعر وللأمة على حد سواء، ويلاحظ مرة أخرى أن هناك تكرارين ،تكرار كلمة "أكثر" وتكرار الصوت الرأسي المعزول "واو العطف" ثلاث مرات ليفيد التداعي " وتعداد صور الأشياء"57" فلسطين فؤادنا سجين فلسطين شفاهنا يابسة فلسطين فكرنا إليك يهرع فلسطين القلب واللحم إن فلسطين هي القلب وهي اللحم ،وهي الروح وهي الجسد وكل شيء ، وواضح أن الشاعر هنا يلجأ إلى تكرار الابتداء الاستهلالي في نسق رباعي.ومعنى هذا أن الشاعر يريد أن يلم بأكبر قدر مما " يساوق المزاج الجديد الذي يأخذ الشعر من اقرب طريق " 58". ويلاحظ أن الجملة بعد المنادى اسمية في الخطوط الأربعة، وأنها في الخطين الأولين مبتدأ وخبر ، وان المبتدأ مضاف ومضاف إليه، والجملة في الرابع مثل السابقتين إلا أنها تختلف عنهما في أن الخبر هنا جملة فعلية فعلها مضارع بينما كان في السابقتين مفردا ، وأنها في الخط الرابع اعتمدت على خبر في صورة جملة اسمية المبتدأ فيها محذوف .فاكتسب المقطع شكل لازمة منتظمة في الاستهلال ، وتكاد تكون منتظمة بعده ، فظهرت الإيقاعات من خلال "بنية متلاحمة متصلة". 59 ومعنى هذا أن الشاعر ينطلق من فضائه الخاص ليعانق الفضاءات القريبة والبعيدة من اجل عالم أفضل" إلى نسل الإنسان"60"، والملاحظ أن استدعاء الحراس ليس صوتا إضافيا" يتحول إلى إسقاطات للواقع" "61" وإنما هو معنى حقيقي الهدف منه هو التأثير عن طريق "جرس موسيقي في أذان الكثيرين"62". أيا حراس هيا نحطم الجفاف نعانق النصر في فلسطين وصمودها ولا شك أن الشاعر حين يختتم قصيدته بالتأكيد على معانقة النصر في فلسطين ينطلق من أن الشعوب لا تخسر قضاياها الأساسية ، ومن المؤكد انه قد اتضح الآن أن يوسف سبتي في قصائده الثلاث يكشف عن متجه يرتاح إليه الإنسان، خاصة وان القصائد استطاعت أن ترتفع من الناحية الفنية إلى مستوى القضية التي عبرت عنها، واني في النهاية لعلى يقين أن فلسطين من خلال يوسف سبتي رحمه الله - كانت ظالمة أو مظلومة -متوهجة دائما في ضمير الأمة الجزائرية**.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل