المحتوى الرئيسى

النظم العربية وجدلية الغيير بين الداخل والخارج: قراءة في حالتي تونس والعراق بقلم:د. رؤوف ابو عابد

06/02 19:19

النظم العربية وجدلية التغيير بين الخارج والداخل قراءة فى حالتى العراق وتونس ************* تتصف النظم السياسية العربية فى إطارها العام بالتخلف والتبعية والحكم المنوقراطى, سواء فى صيغتها الالجمهورية أو الملكية, حيث الفرد الزعيم الرائد والخالد, وهو ما أغلق الأفق أمام التحولات الديمقراطية, ولا سيما لجهة التداول السلمى والسلس للسلطة, بحيث أصبحت الثورة أو الإنقلاب أو الإحتلال الخارجى الأدوات شبه الوحيده للتغيير, والذى بات بدوره يثير الجدل حول مدى وطنية وديمقراطية أى تغيير منشودة , ويبرز فى هذا الإتجاه حالتين متناقضتين, الأولى حاله العراق, حيث التغيير جاء من الخارج, والثانية حاله تونس حيث تم التغيير من الداخل . فقد شكل سقوط النظام العراقى بزعامة الرئيس صدام حسين مثالاً للتغيير المفروض من الخارج وبالقوة العسكرية, وإن كان البعض قد إعتبره ( تحريراً ) إلا أنه وفق كل الشرائح والقوانين _ وهو ما يجمع عليه الكثيرون_ يمثل إحتلال وعدوان على سيادة وأرض وشعب العراق, وقد كان لهذا التغيير بالإحتلال أثاره المدمرة على العراق الذى أمتهنت أرضه وعصف بأمن شعبه وإستقرارة, حيث جاء هذا الإحتلال بدعوى نشر الديموقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان العراقى, لينشر القتل والتدمير والفوضى بعد أن حلت قوات الإحتلال الجيش والشرطة والؤسسات الدستورية والقانونية, وتركت الشعب العراقى فريسة أعمال النهب و السلب, ورهينة الإجراءات الإنتقامية والإجراءات المضادة لها, فقد استبدلت الولايات المتحدة ( ديكتاتوراً ) بحسب ما تدعى بفوضى عارمه شملت كل مناحى المجتمع العراقى, وذهب فى غياهبها أمن المواطن وإستقراره إذ أن مجموع ضحايا العنف الدامى فى العراق فى سنة واحدة بلغ معدل ما يقتلة أعتى ديكتاتور طوال فترة حكمة, عدا عن الجوع والفقر والتخلف والفساد المالى والإدارى وإنهيار منظومة القيم والنظام العام الذى أصبح عنوان المشهد الرئيسى فى عراق ما بعد صدام , هذا فضلاً عن تراجع العراق كقوة أقليمية وعربية بعد أن تم العصف بوحدة , فقسم إلى ثلاث كنتونات, شيعية فى الجنوب, وسنية فى الوسط, وكردية فى شمالة, زد على ذالك الآثار غير المباشرة للإحتلال الأمريكى والتى سيعانى منها العراق لعشرات من السنوات القادمة لجهه الإرتهان والتبعية والإنهيار الإجتماعى . أما فى الحالة التونسية, فقد تم التغيير من الداخل _ مع عدم الإستبعاد الكلى للعام الخارجى ولا سيما الدور الفرنسى _ حيث أدت إنتفاضة الشعب التونسى والتى انطلقت فى 18 / 12 / 2010 بعد أن أحرق الشاب التونسى محمد بوعزيزى نفسه احتجاجاً على البطالة وسوء الأحوال المعيشية, إلى رحيل الرئيس زين العابدين بن على وسقوط نظامة فى 14 / 1 / 2011 بعد 23 عاماً من الحكم, وهو ما شكل مفاجئة وسابقة فى آن معاً, فالمعروف عن النظم القمعية ( الديكتاتوريه ) عدم تخلى الديكتاتور عن الحكم وتركة لمنصبة بسهوله, هو إن فعل ليس قبل أن تزهق آلاف الأرواح, كما أن تطور الأوضاع الميدانية لم يكن يوحى بوجود خطر حقيقى على حياة الرئيس زين العابدين للحد الذى يدفعة للهروب, وبذلك تكون إنتفاضة الشعب التونسى قد شكلت مفاجئة تستدعى إعادة النظر فيما تكرس من قواعد بإستحالة التغيير من الداخل, وإنعدام إمكانية التحول فى أوضاع وظروف النظم العربية, وبأن قنوات الرفض والضغط الشعبى فى أحسن أحوالها قد تسبب إحراجا فقط للحكام, ولكنها لا يمكن أن تصنع السياسات وتحدث التغيير المنشود فى النظم غير الديمقراطية ( القمعية ) . كما وتعتبر إنتفاضة تونس سابقة إذ أنها المرة الأولى التى يتم فيها إزاحة رئيس عربى بإنتفاضة شعبية عفويه وليس بقوة عسكرية, أو إنقلاب سواء أبيض أو دموى, فقد إنتفض الشعب التونسى محتجاً على إرتفاع الأسعار وسوء المعيشة وإنتشار الفساد, وقاعدة أن الوطن باحة خلفية لقصر الزعيم وأقاربة وحاشيته فى مرحلة ما بعد التحرر الوطنى من الإستعمار, وبذلك قدم الشعب التونسى مثالاً واضحاً وبرهاناً أكيداً على أن التغير من الداخل ممكن وغير مستحيل, وأن الإدعاءات الخارجية بإستحالة وإنعدام سبله باطلة, وفى هذا رسالة واضحة للخارج والداخل على السواء , بأن الشعوب لا تدجن, ولا تموت فيها إرادة الحياة وغلبة التمرد وقوى الصمود ونزعة الحرية والإنعتاق, بل أن إنتظار الحرية من الخارج فيه مضيعة للوقت ومتاجرة بسيادة وأستقلال الوطن, بإستبدال ديكتاتوراً بوصاية وإحتلال يحمل فى طياتة الصورة البشعة لألف ديكتاتور, وهو ما بعكسه بجلاء ذلك الفارق فى التغيير بين العراق وتونس كما يلى : 1 – فى حالة العراق : جاء التغيير كما ذكرنا بالقوة العسكرية وبإحتلال أمريكى دمر العراق وزهق عشرات الألاف من الأرواح , فقسم العراق وصودرت سيادتة وتم العصف بوحدته الجغرافية وبوحدة أبناء شعبة, وتفسخ العقد الإجتماعى بعد أن إنهارت الدولة وحلت مؤسساتها, وتوارت منجزات الشعب العراقى, وبقى العراق مفتوحاً على التدخلات الخارجية, بحيث أن جميع الحكومات العراقية المتعاقبة ما بعد حكم صدام تم تشكيلها إستناداً إلى التوازنات الإقليمية والدولية, وبعيداً عن الإرادة الحية لأبناء الشعب العراقى . أما فى حالة تونس حدث التغير بإنتفاضة شعبية ليستمر العقد الإجتماعى وتبقى المؤسسات الوطنية والدستورية على حالها وسط حالة من التضامن الإجتماعى والجماهيرى المعبرة عن وحدة الوطن ووحدة أبنائة, والمحافظة على سيادة تونس وإستقلالها, كما أن جميع محاولات تشكيل الحكومة تجرى بناءاً على التوافق الوطنى وفق إرادة ومشيئة أبناء الشعب التونسى وقواه السياسة الحية . 2 - تعرض التغيير بالإحتلال فى العراق للعديد من الإنتقادات ووجه بالرفض والإستنكار على المستوى الشعبى والرسمى, بل أنة فى العديد من الأوساط الشعبية اعتبر الرئيس صدام شهيداً للأمة العربية, ورمزاً لمواجهة الغطرسة والطغيان الأمريكى, وذلك على عكس الحالة فى تونس حيث حظيت إنتفاضة شعبها بالتأييد الشعبى والرسمى الواسع , فشهدت العديد من العواصم العربية مسيرات تأيد لوقفة الشعب التونسى التى أصبحت نموذجاً يستلهم فى الإحتجاج, ورفض الواقع والظروف المعيشية الصعبة فى العديد من البلدان العربية, كما اعتبر الرئيس زين العابدين رمزاً للطغاة المنبوذين, فلم يجد بلداً يستقبلة إلا المملكة العربية السعودية وسط حالة من الإحراج, وفى ظل شروط مذلة تم فرضها عليه بما يشبة الإقامة الجبيرية . 3 - فى حالة العراق دفع ضريبة التغيير الشعب العراقى بأكملة, فالصواريخ الأمريكية لم تميز بين الحاكم والمحكوم , فكان العقاب والحساب جماعياً تحمل وزرة الشعب العراقى ومازال, حتى بعد رحيل صدام , أما فى تونس فقد تم محاسبة ومعاقبة من إعتبرهم الشعب التونسى الفاسدين والطغاة من الطغمة الحاكمة . 4 - جاء التغيير فى العراق ليس من أجل مصلحة العراق وشعبة أو استجابة لرغباتة وتطلعاتة فى العدالة والرخاء , وإنما فى إطار الإستراتيجية التوسعية والعدوانية الأمريكية, ولتوجية رسالة مفادها أن مصير صدام والعراق والنموذج المحتوم لك من يعارض التوجهات والأطماع الأمريكية, أما عبرة الداخل فقد تمثلت فى ما شهده العراق من دمار وفوضى , والتى طرحت بقوة جدلية ديمقراطية الإحتلال بما تمثلة من إستباحة وقتل وتدمير أم ديكتاتورية الحكام مع الإستقرار والأمن . فى حين أن رسالة الإنتفاضة الشعبية التونسية جاءت لتعكس بجلاء إرادة ورغبة الشعب التونسى الحقيقية فى التحول الديمقراطى الذى يكون إفرازاً طبيعياً للحالة الإجتماعية وبأن الفساد والطغيان مآلهما إلى إندثار مهما طال الزمن , وبأن التغيير من الداخل أصبح حقيقة ماثلة وغاية تدرك بالإرادة الحية والرغبة الشعبية الصادقة , بل أن الإشارة الأهم أن هذه الشعوب ليست قطعان فى يد حكامها الذين بات عليهم أن يضعوا مصالح وقضايا شعوبهم فوق كل إعتبار, هذا وقد قدمت إنتفاضة تونس مدخل جديداً أمام البحث العلمى فى مجال العلوم السياسية, ومحطة مهمة ليس فى تاريخ النظام السياسى التونسى وحسب, وإنما أمام مجمل النظم العربية, حيث طرحت الكثير من التساؤلات وزرعت العديد من علامات الإستفهام فى جوف المرحلة القادمة . - فهل أصبح الإنتفاضى الشعبى المحطة التالية لمرحلة ما بعد التحرر من الإستعمار؟ والرد الأمثل على فشل النظم العربية فى تحقيق الديمقراطية والتنمية والعدالة الإجتماعية؟. - هل ستنتقل حمى هذه الإنتفاضة وتصبح نموذجاً تستلهمة الشعوب العربية الأخرى؟ أم أن الشعب التونسى فى هذا المجال هو الإستثناء الوحيد ؟ . - هل ستعي النظم العربية بحكامها الدروس والعبر؟ أم أنها ستستمر فى غيها وطغيانها؟. مما لا شك فيه أن الإنتفاضة التونسية كان لها الأثر الكبير الذى سيدفع العديد من الحكام العرب إلى إعادة حساباتهم وتقييم الأوضاع وفق خارطة تعطى الداخل مزيداً من مساحة الإهتمام, وبإتجاه شيئا من تخفيف معاناة الشعوب وإمتصاص نقمتها, والتوجة نحو إنتهاج سياسات تأخذ فى الحسبان الرأى العام الشعبى, وهو ما يفرض على الحكام بالتالى إتخاذ مواقف أكثر جدية وحزم فى العديد من القضايا سواءً الوطنية كالجوع والفقر والبطالة والتنمية والتداول السلمى للسلطة والعدالة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية, أو لجهه القضايا القومية وتحديداً القضية الفلسطينية والتى شكلت على مدار السنوات السابقة المنبر الذى من خلالة كانت تعبر الشعوب العربية عن غضبها, أما اليوم فقد بدأت الشعوب العربية تثور لجوعها الذى وصل حداً غير مسبوق, وتنتفض لذاتها, وهى الذات التى إن تحررت, تحررت معها الأمة العربية وعادت أراضيها وحقوقها المسلوبة , ووصلت بعد طوال عناء إلى الحد الأدنى من طموحات شعوبها وأمانيها بالحرية والعدالة والإنعتاق. د. رؤوف ابو عابد القاهرة 24/1/2011

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل