المحتوى الرئيسى

نظرية "الثقب الأسود".. كوزمولوجيا يخالطها كثير من الميثولوجيا! بقلم:جواد البشيتي

06/02 18:56

نظرية "الثقب الأسود".. كوزمولوجيا يخالطها كثير من الميثولوجيا! جواد البشيتي "Singularity" هي مصطلح (علمي، فيزيائي كوني، كوزمولوجي) حديث النشأة (نسبياً) دَخَل الكوزمولوجيا Cosmology (عِلْم الكون، نشأةً، وتطوُّراً، ومصيراً) ونظرياتها الكبرى، وفي مقدَّمها نظرية "الانفجار الكبير" Big Bang، ونظرية "الثقب الأسود" Black Hole، من أوسع أبوابها؛ وإنَّه كـ "حجر سنمَّار" إنْ نزعناه منها تداعى بنيانها وانهار، ولم يبقَ منه حجر على حجر. والكلمة تعني في العربية، ومن الوجهة اللغوية الصرف، "مُفْرَد، شيء مُفْرَد، تَفَرُّد، أحادية، صفة غريبة، غرابة"؛ إنَّه "الفَرْد"، أو "الفريد"، أي الشيء الذي لا مثيل له (في الظواهر الكونية والفيزيائية جميعاً". هذا "الشيء" المُفْرَد، الفَريد (Singularity) هو، بحسب نظرية "الانفجار الكبير"، أصل الكون، أو "البيضة"، أو "النقطة"، التي منها، وبقوَّة هذا "الانفجار (الذي ليس كمثله انفجار)"، خُلِق، أو جاء، الكون، الذي هو تعريفاً، وبحسب النظرية نفسها، "كل شيء؛ هو المادة والفضاء والمكان والزمان والقوى.."؛ وهو (أي ذلك "الشيء") أيضاً النواة، والمركز، والجوف، والعمق، من جسم (أو جسيم) كوني، يسمَّى "الثقب الأسود". مِنْ هذه "النقطة الفريدة" Singularity وُلِدَ الكون، وَوُلِد معه "الزمن"، قبل نحو 13.7 بليون سنة؛ وإيَّاكم أنْ تظنُّوا، على ما تخبرنا نظرية "الانفجار الكبير"، أنَّ تلك "النقطة" كانت موجودة ("قبل" وجود الكون) في "الفضاء"، أو في "فضاء ما"؛ فـ "الفضاء" هو، أيضاً، من مخلوقات هذا "الانفجار". لقد كانت (تلك "النقطة") ولم يكن من وجود للفضاء والزمان؛ فلمَّا "انفجرت (لسبب مجهول)" وُلِد الكون، أي "كل شيء"؛ وشرع الكون الوليد يتمدَّد، أو يَكْبُر حجماً. وفي تمدُّده الأوَّلي (ويسمَّى "طور التضخُّم" Inflationary Era ) والذي استغرق ثوانٍ (لا أكثر) أصبح حجم الكون أكبر من حجم مجرَّة بعدما كان أصغر من حجم ذرَّة؛ وهذا إنَّما يعني أنَّ هذا الكون الوليد قد تمدَّد (في "طور التضخُّم") بسرعة تفوق كثيراً، وكثيراً جدَّاً، سرعة الضوء. وإيَّاكم أنْ تظنُّوا، أيضاً، أنَّ كوننا، الذي هو الآن في تمدُّد متسارِع، ويزداد تسارعاً، بفضل، أو بسب، "الطاقة المُظْلِمة (الداكنة) Dark Energy"، قد تمدَّد، ويتمدَّد، في فضاء خارجي؛ فلا فضاء إلاَّ الفضاء الذي هو جزء من كوننا نفسه؛ وليس تمدُّد الكون سوى تمدُّد الفضاء نفسه، أيْ فضاء كوننا الذي خَلَقَه "الانفجار الكبير"، الذي هو "الخالِق الفيزيائي(الذي يشبه كثيراً "الخالِق الميتافيزيقي")" للكون. "النقطة" Singularity، والتي هي "العدم نفسه" Nothingness وقد حوَّلَتْهُ نظرية "الانفجار الكبير" من فكرة دينية (لاهوتية، ميتافيزيقية) إلى فكرة فيزيائية، كانت، بحسب النظرية نفسها، تَضُمُّ "كل مادة الكون"، أي أنَّها كانت بـ "ثِقَل" الكون نفسه؛ لكنَّ هذا "الثِّقَل"، أو "الوزن"، كان لشيء "عديم الحجم"، فـ "الحجم" بأبعاده الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع) هو "المكان" Space الذي لم يكن قد خُلِق بعد؛ وهذا إنَّما يعني، بحسب وجهة نظرهم، أنَّ تلك "النقطة" هي "الكثافة المُطْلَقَة"؛ وإنْ أجمعوا على "استحالة معرفة ماهية وخواص النقطة الكونية Singularity". وكثيراً ما يَصِف مبتدعو ومطوِّرو ومؤيِّدو نظرية "الانفجار الكبير" تلك "النقطة" بأنَّها "الجاذبية المُطْلَقَة"، أي "الموضع" الذي لا مثيل له من حيث شدَّة وقوَّة الجاذبية. وكثيراً، أيضاً، ما يُصَوِّرون تلك "النقطة" على أنَّها الاستنتاج الذي يمكن ويجب أنْ تفضي إليه نظرية "النسبية العامة" General Relativity لآينشتاين؛ فهل زعمهم هذا صادِق؟ "النسبية العامة"، والتي هي نظرية "الجاذبية (والتسارع)"، تُعَرِّف "الجاذبية"، وتفهمها وتتصوَّرها، على أنَّها "الفضاء إذا انحنى (وتقوَّس)"، فالظواهر التي نَسَبَها نيوتن إلى "الجاذبية" بصفة كونها، على ما قال نيوتن نفسه، "قوَّة، خفية، تَعْمَل عن بُعْد"، نَسَبَها آينشتاين إلى "انحناء الفضاء" في جوار نجم أو كوكب مثلاً، فالمادة (بوجهيها: "الكتلة" و"الطاقة") تُنْتِج، وتُولِّد، انحناءً في الفضاء الذي حَوْلها، فينحني (بانحنائه) المسار الذي يتبعه جسم آخر. كل ما يفعله، أو يستطيع فعله، كوكب الأرض (مثلاً) هو أنْ يَتْبَع (ليس إلاَّ) المسار الذي حدَّده (عيَّنه، قرَّره، خصَّصه) له "الانحناء"، الذي أحدثته كتلة الشمس في الفضاء القريب منه (والذي فيه يوجد ويسير كوكب الأرض). وهذا المسار يمكنك وصفه بأنه "الأقل مقاومة" لحركة الكوكب الأرضي. ونحن يكفي أنْ نفهم "الجاذبية" على أنَّها الظواهر المتأتية من "المنحنى"، أو "الحُفْرة"، في نسيج الفضاء حتى نَسْتَنْتِج أنْ لا جاذبية (تقريباً) في "الفضاء المستوي المنبسط"، وأنْ لا جاذبية على وجه الإطلاق حيث لا وجود للفضاء نفسه. وجود المادة (بصورتيها: كتلة وطاقة) إنَّما يعني حتماً وجود الفضاء (أو المكان، أو أبعاد المكان الثلاثة) والزمان (أي البعد الرابع). والفضاء المستوي، المنبسط، والزمان غير المنحني، يجب أنْ ينحنيا في جوار الكتلة. في "النقطة" أو "البيضة الكونية" Singularity، لا وجود للفضاء؛ لأنَّ الفضاء، بحسب نظرية "الانفجار الكبير"، لم يكن قد خُلِق، أو وُجِدَ، بَعْد، فإنَّ "الانفجار الكبير" هو وحده "خالِق الفضاء". وإذا كانت "الجاذبية" هي "انحناء الفضاء"، أو الظواهر المتأتية من انحناء "الزمكان" Spacetime، فكيف لهذه "النقطة"، التي لم تَعْرِف الفضاء، أكان مستوياً أم منحنياً، أنْ تكون "الجاذبية المُطْلَقَة"؟! حيث لا وجود للفضاء لا وجود لانحنائه؛ وحيث لا وجود لانحناء الفضاء لا وجود للجاذبية، فتأثيرات "الانحناء" بنا هي ما ندعوه "الجاذبية". إنَّ الجاذبية هي "ما يحدث عندما ينحني الفضاء نفسه على مقربة من الكتلة"؛ إنَّها نتائج وعواقب وتأثيرات ومظاهر وظواهر.. انحناء الفضاء نفسه. حتى النظرية نفسها (أي نظرية "الانفجار الكبير") أو النظريات المتفرِّعة منها، يشوبها، وفي هذا الأمر على وجه الخصوص، كثير من التناقض في المنطق؛ فكيف لهم أنْ يتحدثوا عن "الجاذبية المُطْلَقَة" في تلك "النقطة" وهُمْ الذين يقولون، في الوقت نفسه، إنَّ "الجاذبية" هي إحدى "القوى (الطبيعية) الأربع" التي تفرَّعت من "قوَّة كونية واحدة (أو من أصل واحد)"، عَرَفها الكون الوليد، أي الذي أخرجه "الانفجار الكبير" من رَحْم تلك "البيضة" Singularity؟! عند لحظة ولادة الكون، كانت القوى الأربع قوَّة واحدة لا غير. وبُعَيْد ولادته، انفصلت أوَّلاً، على ما قالوا، "قوَّة" الجاذبية. ومع انتهاء طور "التضخم" ظهرت "القوَّة النووية الشديدة"، التي ربما ظهرت لسد العجز في "قوَّة" الجاذبية، فتسارع التمدد الكوني احتاج إلى القوة النووية الشديدة للحفاظ على وحدة المادة. وعند بعضهم يَقْتَرِن هذا "التناقض المنطقي" بسوء فهم لنظرية "النسبية العامة" نفسها، فَهُمْ كثيراً ما صَوَّروا الزمان والمكان (أو وحدتهما التي لا انفصام فيها والتي تُدْعى "الزمكان") على أنَّهما ظاهرتان من ظواهر "الجاذبية"؛ وكأنْ لا وجود للزمان (أو المكان) في الفضاء المستوي المنبسط (أو الأقل انحناءً على الإطلاق). وهذا الفضاء المستوي المنبسط (والذي تنعدم فيه تقريباً الجاذبية) هو الموجود بين "مجموعات المجرَّات" Clusters of galaxies ، وهو الذي تسوده سيادة مُطْلَقَة تقريباً "الطاقة الداكنة" Dark Energy دافعةً إيَّاه إلى تمدُّد يزداد تسارعاً في استمرار. وإنِّي لأتساءل قائلاً لِمَ لا نفهم لحظة ميلاد الكون على أنَّها هي عينها لحظة "انفجار الطاقة الداكنة الحبيسة" في داخل السَّدِّ المنيع لجاذبية "النقطة الكونية"؟ لقد كانت "الجاذبية"، أو "الطاقة" التي تؤدِّي العمل الذي نسميه "الجاذبية"، هي المهيمِنة، السائدة، القاهرة. كانت مهيمِنة بنسبة 99.999999 في المئة، فـ "الطاقة الداكنة"، ومهما قُهِرَت، لا تختفي من الوجود؛ لأنْ لا وجود لأحد الضدين إلاَّ مع وجود الآخر. العلماء تأكَّدوا حديثاً وجود "الطاقة الداكنة"، وهي "قوَّة تنافر غامضة"، تعمل على نحو مضاد ومعاكس لعمل الجاذبية؛ وكلما اتسعت المسافة الفضائية بين زمرتي مجرات ضعف التجاذب بينهما، وقويت، في المقابل، قوَّة التنافر الغامضة هذه، والتي تدفع كلتا الزمرتين بعيداً عن الأخرى. العلماء أنفسهم ما زالوا يجهلون ماهية (أو ماذا تكون) هذه "الطاقة الداكنة"؛ لكنهم يعلمون أنها تتسبب بجعل الكون كله يتمدد بمعدَّل متزايد؛ فـ "الطاقة الداكنة" تَخْلِق فضاء في كل مكان، في كل ثانية؛ فإذا أدَّى هذا الخلق المستمر للفضاء (أي لمزيد من الفضاء) إلى جعل المسافة بين كوكب الأرض وجسم كوني ما تزداد كل ثانية بأكثر من 300 ألف كيلومتر فإنَّ الضوء الصادر عن ذلك الجسم لن يصل أبداً إلينا. "الطاقة الداكنة" هي "محتوى الفضاء (كل فضاء)"؛ وينبغي لنا أن نتصوَّر الفضاء على هيئة "غشاء مطاطي"، محتواه هو "الطاقة الداكنة"، التي هي طاقة لتمدُّد وتوسُّع الفضاء، ولتسريع تمدده وتوسُّعه. هذه الطاقة تكون "مقهورة" حيث تتجمع وتتركَّز المادة؛ فالجاذبية (أو الانحناء في الفضاء) هي و"الطاقة الداكنة (أو التنافر، أو الانبساط في الفضاء)" ضدَّان متَّحِدان اتِّحاداً لا انفصام فيه، ومتصارعان دائماً؛ فلا يمكن، مثلاً، فهم كل "انحناء" إلاَّ على أنَّه ثمرة التغلُّب على "انبساط"، مع الاحتفاظ به (أي بهذا الانبساط المقهور) في الوقت نفسه. و"المادة" و"الفضاء" في تداخل وتشابك مطلقين، فلا وجود للمادة الخالصة من الفضاء، كما لا وجود للفضاء الخالص من المادة. إنَّ "الفراغ" هو "مَصْدَر، ومولِّد، ومنبع، الطاقة الداكنة"؛ وإنَّ "ضديد الجاذبية" هو السمة (الخاصية) الجوهرية (المكتشفة حديثاً) لـ "الفضاء الفارغ Empty Space"، الذي هو أعظم وأكبر مكوِّن من مكوِّنات الكون. هذا الضديد للجاذبية هو نوع جديد لـ "الحقل"، أو "المجال"، في الطبيعة؛ وهو بالفعل "الثابت الكوزمولوجي" الذي افترض وجوده آينشتاين. "الطاقة الداكنة" لا تشبه أي نوع من أنواع الطاقة التي نعرف؛ إنَّها قوَّة تنافر غريبة؛ وهذه القوَّة تتخلَّل (وتنتشر في) كل زاوية وركن وناحية من الكون، مُنْتِجَةً "ضغطاً ثابتاً (ضد الجاذبية، ولجعل الفضاء يتمدَّد)" في كل سنتيمتر مكعب من الفضاء، ومهما تمدَّد الفضاء. وهذا الضغط لا ينقص بسبب اتِّساع الحجم والحيِّز، أي بسبب تمدُّد واتِّساع الفضاء؛ وكلَّما تمدَّد الفضاء تسارع تمدُّداً؛ فـ "الضغط ثابت"؛ لكن عدد "مكعَّبات الفضاء (السنتيمتر المكعب)" يزداد. الفضاء يتمدَّد "دائماً"، و"في كل اتجاه"، و"في اللحظة عينها"؛ لكنَّ تمدُّده يُقْهَر بالجاذبية حيث تقوى وتشتد (الجاذبية). كوكب الأرض لا يتمدَّد، ولا النظام الشمسي، ولا مجرتنا، ولا حتى "جزيرتنا الكونية ("Local Group")". إذا زادت وتنامت "الطاقة الداكنة" فلا بدَّ لتمدُّد الفضاء (أو الكون) من أن يتسارع؛ وإذا ظلت ثابتة فإنَّ التمدد يستمر إلى الأبد بالمعدل نفسه. ويترتب على ذلك، بعد زمن كوني طويل، أن نصبح نحن سكَّان مجرة "درب التبانة (أو سكان زمرة المجرات التي إليها تنتمي "درب التبانة")" وحيدين في هذا الكون، فلا نرى مجرة، أو زمرة، أخرى، مع أنها تظل موجودة بالفعل؛ وهذا الكون هو كون "الوحدة والبرودة". وقد يَقْتَرِن هذا التمدد بالانحلال والتفكك والتمزق؛ فالمجرة الواحدة تتمزق؛ والنجم الواحد يتمزق؛ حتى الذرة الواحدة تتمزق. أمَّا إذا قلَّت فَتَرْجَح، عندئذٍ، كفَّة "الانسحاق الكبير" Big Crunch على كفَّة "التمدُّد المفتوح". "الجاذبية" لا تَخْلِق الزمان (والمكان). إنَّها فحسب تُقلِّل، باشتدادها، سرعة تدفُّق، أو جريان، الزمان (من وجهة نظر مراقب خارجي). الزمن "الأبطأ" هو الزمن في الفضاء الأكثر انحناءً (أي الأقل انبساطاً). والزمن "الأسرع" هو الزمن في الفضاء الأكثر انبساطاً (أي الأقل انحناءً). "الجاذبية" في الفضاء المستوي المنبسط (الفضاء بين "مجموعات المجرَّات") تنعدم (تقريباً) لكنَّ الزمان لا ينعدم؛ فلو كان "الزمان" مُنْتَج من منتجات الجاذبية لانعدم حيث انعدمت (أي في الفضاء المنبسط). الزمن هناك، أي في الفضاء المنبسط، أي حيث تنعدم الجاذبية، يتسارع (من وجهة نظر مراقب خارجي) ولا ينعدم. في الفضاء المستوي المنبسط، الذي تنعدم (تقريباً) فيه الجاذبية، يتسارع الزمن من وجهة نظر مراقب خارجي موجود ضمن فضاء منحنٍ؛ أمَّا في الفضاء المنحني فيتباطأ الزمن (أو ينحني) من وجهة نظر مراقب خارجي موجود ضمن فضاء منبسط. وكلَّما اشتدَّ انحناء الفضاء زاد بطء الزمن؛ وهذا ما جعل بعض الكوزمولوجيين يستنتجون أنَّ الزمن يتباطأ حتى يتوقَّف تماماً في المواضع الكونية التي تُحْكِم الجاذبية قبضتها عليها بشدة+ لكنَّ هذا التباطؤ، أو هذا التباطؤ حتى التوقُّف، لا يُدْرِكه، على ما نَعْلَم، إلاَّ مراقب خارجي. فكرة "البيضة الكونية" Singularity، والتي هي ميتافيزيقية القَلْب، فيزيائية القالب، دَخَلَت في تكوين نظرية "الثقب الأسود"، فإذا أمْكَنَهَم نظرياً أنْ يتصوَّروا تركيزاً لكل مادة الكون (لكل كتلته وطاقته) في حيَّزٍ (على افتراض أنَّ لتلك "النقطة" الكونية حجماً) أصغر من نواة الذرَّة بملايين المرَّات، فَلِمَ لا يُمْكِنهم نظرياً أيضاً أنْ يتصوَّرا جسماً (أو جسيماً) هو "الثقب الأسود" الذي تركَّزت المادة فيه في "نقطة عديمة الحجم" Singularity، "مُطْلَقة الكثافة"، يُمْكِنها، نظرياً، أن تتَّسِع لمادةٍ تَشْتَمِل عليها ملايين المجرَّات (إنْ لم تتَّسِع لمادة الكون كله) من غير أنْ يَفْقِد هذا الجسم (أي "الثقب الأسود") قوام وجوده، وخواصِّه الجوهرية؛ فإنَّ زيادة نصف قطره هي وحدها التغيير الذي يعتريه (مع كل زيادة في كمية المادة التي يُدْخِلها في جوفه). نظرية "الثقب الأسود" وُلِدَت من فكرة فيزيائية لا ريب في صحَّتها وصِدْقها، هي فكرة "سرعة الهروب (لجسم ما من أسْر أو سجن الجاذبية)". اقْذِفْ حجراً في الهواء (أو إلى أعلى) فيرتفع إلى نقطة معيَّنة، ثمَّ يسقط إلى الأرض، فهو لا يمكن أن يظلَّ معلَّقاً في الهواء. الحجر نفسه اقْذِفْه مرَّة أخرى؛ لكن بقوَّة أكبر، فتراه يرتفع إلى نقطة أعلى، ثم يسقط إلى سطح الأرض. أمَّا إذا قَذَفْتُه ليسير صعوداً بسرعةٍ تَفُوق 11.2 كلم في الثانية (هي سرعة الإفلات أو الهروب من الجاذبية الأرضية) فإنَّه، عندئذٍ، لن يسقط إلى سطح الأرض، ويذهب، من ثمَّ، بعيداً في الفضاء الخارجي. ولو كنتَ على سطح القمر (الذي كتلته أصغر كثيراً من كتلة كوكب الأرض) فإنَّكَ لا تحتاج إلى قَّذْف الحجر نفسه بالقوَّة نفسها (توصُّلاً إلى جهله يَفْلَت من جاذبية القمر). إنَّ 2.4 كلم في الثانية هي سرعة الإفلات من جاذبية القمر. وللإفلات من جاذبية المشتري (الكوكب الأعظم كتلةً في نظامنا الشمسي) لا بدَّ لهذا الحجر من أن يسير صعوداً بسرعة تَفُوق 53.5 كلم في الثانية. من ذلك اسْتَنْتَج الفيزيائيون الآتي: كلَّما زادت كتلة الجسم زادت سرعة الإفلات من جاذبيته. وهذا الاستنتاج الذي لا ريب هو أيضاً في صِحَّته وصِدْقه حَمَلهم على إطلاق العنان لمخيِّلاتهم؛ فتساءلوا قائلين: هل من جسمٍ لا يستطيع حتى الضوء، الذي يسير بسرعة 300 ألف كلم في الثانية، وهي السرعة القصوى في الكون، الإفلات من جاذبيته لِعِظَم كتلته؟ في الكون كله، لا وجود لمثل هذا الجسم؛ فإنَّ أعظم النجوم كتلةً يستطيع الضوء (المنطلق منه) الإفلات من جاذبيته، والذهاب بعيداً في الفضاء الخارجي. لكنَّ هذا "المستحيل" يصبح "ممكناً" إذا ما قلَّصْنا نصف قطر نجم أو كوكب..، أي إذا ما زِدْنا "كثافته" من خلال تصغير حجمه مع الاحتفاظ بكتلته نفسها. إنَّ تقليص "نصف القطر" لجسم كروي ما يؤدِّي حتماً إلى زيادة الجاذبية عند سطح هذا الجسم، كما يؤدِّي إلى زيادة سرعة الإفلات من حقل الجاذبية لهذا الجسم، فكلَّما تقلَّصت وتضاءلت المسافة بين مركز الجسم (مركز كتلته، أو مركز جاذبيته) وسطحه عَظُمَت الجاذبية عند سطحه، وزادت سرعة الإفلات من جاذبيته. سبب فرضية، أو نظرية، "الثقب الأسود"، إنَّما يكمن في "تضاؤل طول نصف القطر"؛ فكلما اقتربت من مركز الجاذبية، أي من مركز كتلة الجسم الكوني، تضاعفت سرعة الإفلات. لو ضغطَّتَ كتلة الشمس نفسها، مقلِّصاً حجم هذا النجم (ومضاعِفاً كثافته من ثمَّ) حتى يصبح نصف قطره 3 كلم، فإنَّك، عندئذٍ، تحصل على جسمٍ ("ثقب أسود") لا يستطيع حتى الضوء الإفلات منه (أو من سطحه) لأنَّ سرعة الإفلات منه تَفُوق الآن 300 ألف كلم في الثانية. ولِجَعْل كوكب الأرض "ثقباً أسوداً" لا بدَّ من تقليص نصف قطره ليصبح 1 سنتيمتراً؛ ولِجَعْل القمر "ثقباً أسوداً" لا بدَّ من تقليص نصف قطره ليصبح عُشْر ملِّيمتراً، فبتقليل "نصف القطر"، من خلال زيادة الكثافة، تغدو الكتلة الصغيرة عظيمة الجاذبية عند سطحها. الجاذبية عند سطح الشمس أقوى بكثير من الجاذبية عند سطح الكرة الأرضية. ولِجَعْلهما متساويتين، زِدْ كثافة كوكب الأرض من خلال تقليص حجمه (مع الاحتفاظ بكتلته نفسها) فتُصْبِح الجاذبية عند سطحه مساوية للجاذبية عند سطح الشمس (مع أنَّ كتلة الشمس تظل أكبر بكثير من كتلة الأرض، فالفرق بين الكتلتين يظل ثابتاً). وفي الجاذبية، تَذَكَّر أنَّ المسافة بين التفاحة (المتدلية من غصنها) والأرض ليست متراً واحداً مثلاً؛ بل أكثر بكثير؛ لأنَّ المسافة الحقيقية هي بين مركز كتلة التفاحة ومركز كتلة الكرة الأرضية. وبحسب "النسبية العامة" يمكن أنْ نقول: "الكتلة" + "نصف القطر" = "درجة الانحناء". وهذا إنَّما يعني أنَّ جاذبية الجسم عند سطحه تزداد مع ازدياد كتلته؛ كما تزداد مع تناقص نصف قطره. نظرياً، وعلى هذا النحو، نستطيع تحويل كل جسمٍ، ومهما صَغُرَت كتلته، إلى "ثقب أسود"؛ إنَّنا نستطيع، مثلاً، تحويل المادة التي تشتمل عليها قطرة ماء إلى "ثقب أسود"؛ لكن هل لكَ أنْ تتخيَّل ضآلة نصف قطر هذا "الثقب الأسود"، المتأتي من ضغط حجم قطرة الماء، إذا ما كان طول نصف قطر "الثقب الأسود"، المتأتي من ضغط حجم القمر، 1/10 ملم؟! تأمَّل ثلاث كرات متساوية في الحجم: كرة خشب، كرة رصاص، كرة "ثقب أسود". المادة الأشد كثافة تراها في الكرة الثالثة؛ فإنَّ "الثقب الأسود" هو "المادة الأشد كثافة على وجه الإطلاق"، والتي لا يستطيع اختراقها إلاَّ جسيم "النيوترينو" Neutrino، "عديم التفاعل مع المادة"، والداكن المُظْلِم؛ لأنَّه لا يُطْلِق فوتونات. قُلْنا إنَّ تحويل الشمس إلى "ثقب أسود" يَسْتَلْزِم ضغط كتلتها (أو حجمها) حتى يصبح طول نصف قطرها 3 كلم؛ فإذا "أطْعَمنا" هذا "الثقب الأسود" شمساً ثانية فإنَّه يظلُّ "ثقباً أسوداً"؛ لكن طول نصف قطره يزيد، فيصبح 6 كلم؛ وإذا "أطْعَمناه" شمساً ثالثة فإنَّه يظلُّ "ثقباً أسوداً"؛ لكن طول نصف قطره يزيد، فيصبح 9 كلم. ونظرياً، يمكن "إطعام" هذا "الثقب الأسود" كل مادة الكون من غير أنْ يَفْقِد قوام وجوده، أو خواصِّه الجوهرية؛ فإنَّ نصف قطره يصبح طويلاً جدَّاً؛ لكنَّ الضوء (أو جسيم "الفوتون") يظلُّ عاجزاً عن الإفلات من قبضة جاذبيته؛ لأنَّ سرعة الإفلات منها، ومهما كان طويلاً أو صغيراً نصف قطر "الثقب الأسود"، تَفُوق سرعة الضوء التي هي 300 ألف كلم في الثانية. تليسكوب "هابل" أرانا قرصاً من الغاز الحار، في مركز مجرتنا، يدور حول "ثقب أسود" ضخم، يقع في هذا المركز؛ والنجوم تدور حول هذا القرص. والشمس هي نجم يدور حول مركز مجرتنا، أي حول "ثقب أسود" ضخم يضمُّه هذا المركز. إنَّ النجوم تبدو تدور (في مدارات) حول "ثقوب سوداء". إنَّ وجود "ثقب أسود ضخم (كتلته أكبر من كتلة الشمس بنحو مليون مرَّة)" في قلب كل مجرَّة هو "القاعدة" لا "الاستثناء". ولقد اسْتُدِلَّ على ذلك من خلال التناقض الظاهري بين السرعة الدورانية للنجم والكتلة الإجمالية الظاهرة (المضيئة) للمجرَّة؛ فإنَّ النجم يدور حول مركز المجرة بسرعة لا تتناسب وهذه الكتلة، أي أنَّ سرعة دورانه كان يجب أن تكون أقل بكثير لو كانت تلك الكتلة هي كل كتلة المجرَّة. ونحن نعرف أنَّه كلَّما زادت "الكتلة الإجمالية (للنظام)" زاد التجاذب، فكل مكوِّن يصبح مشدوداً أكثر إلى مجمل كتلة النظام؛ وكلَّما زاد التجاذب زادت السرعة الدورانية، فالتجاذب (الشد المتبادل) هو الذي بنموِّه تنمو السرعة (الدورانية). لو نَقَلْتَ الكرة الأرضية (بكتلتها نفسها) إلى مدارٍ أبعد عن الشمس (عن مركز هذا النجم) لأصبحت سرعتها المدارية أبطأ. هذا المدار الأبعد هو كناية عن "الفضاء الأقل انحناءً"؛ هو "الفضاء الأضعف جاذبيةً"؛ هو "المسافة الأطول بين مركزي الأرض والشمس". في "مدارها الأبعد الافتراضي هذا"، زِدْ كتلة الأرض (أو كتلة الشمس، أو كتلة النظام الشمسي كله) تزداد السرعة المدارية للأرض؛ لأنَّ الفضاء (الذي فيه تسير) يصبح أكثر انحناءً. وهذه الزيادة في السرعة المدارية تشبه الزيادة في سرعة السقوط الحر مع اقتراب الجسم من سطح (أو مركز) الأرض. و"السرعة المدارية" الطبيعية العادية هي أقل من سرعة الإفلات (من المدار) وأكثر من سرعة السقوط (نحو المركز). لكن، هل من تصوُّر للطريقة التي فيها يتكون "ثقب أسود" ضخم في قلب مجرَّة؟ لنتخيَّل "أصل" المجرَّة على هيئة سحابة ضخمة من الغاز. هذه السحابة شرعت تنكمش وتتقلَّص. اشتدَّ الضغط، ضغط الثقل، من ثمَّ، على قلبها، أو مركزها، فانهارت المادة هنا (أي في قلب السحابة) على نفسها، متحوِّلةً إلى "ثقب أسود" ضخم، فأدَّى هذا الانهيار (أو هذا الانفجار نحو الداخل، والذي وقع في المركز) إلى "تشظِّي" السطوح الخارجية، أي إلى تجزؤ الطبقات الخارجية من السحابة، وتحوُّل كل جزء إلى نجم. لو تخيَّلنا "الثقب الأسود" على هيئة دائرة (أو جسم كروي) فإنَّ نصف قطره هو المسافة بين "المركز" Singularity، و"المحيط"، المسمَّى "أُفْق الحدث" Event Horizon. "الحدُّ الخارجي" لأيِّ "ثقب أسود"، والذي يسمَّى "أُفْق الحدث"، هو الحدُّ الفاصل بين "الممكن" و"المستحيل" في أمْر إفلات الضوء من جاذبية "الثقب"، فَفَوْق هذا الحد (المتَّصِل بالفضاء الخارجي الكوني) يستطيع الضوء (كما يستطيع غيره) الإفلات، والعودة، من ثمَّ، إلى أيِّ موضع في الكون؛ ودونه يصبح هذا الإفلات مستحيلاً؛ وهذا إنَّما يعني أنَّنا في عجزٍ مُطْلَق وأبدي عن معرفة عُمْق "الثقب الأسود"، وما يَحْدُث هناك؛ كما يعني أنَّ هذا "الثقب" هو "أسود"؛ لأنْ لا ضوء يَصْدُر عنه. لكن، كيف نفهم هذه الاستحالة؟ السير في الفضاء إنَّما يعني وجود ثلاثة أشياء: "الجسم (أو الجسيم)" الذي يسير، و"الفضاء نفسه"، و"المسار (الذي يسير فيه الجسم)". والجسم (أو الجسيم) السائر في الفضاء إنَّما "يَتْبَع" المسار؛ وكأنَّه يسير ضِمْن (أو في داخل) ما يشبه "الأنبوب"، فإذا استقام "الأنبوب" استقام سير الجسم، وإذا انحنى "الأنبوب" انحنى سير الجسم. والجسم، أو الجسيم، إنَّما "يَتْبَع" المسار الذي لجهة درجة أو شدَّة انحنائه يجب أنْ يتناسب مع سرعته؛ فكلَّما أسْرَع الجسم (أو الجسيم) تَبِع مساراً أقل انحناءً؛ وكلَّما قلَّ انحناء المسار استطاع الجسم (أو الجسيم) السائر فيه الوصول إلى نقطة أبعد. تخيَّل الآن أنَّ "فوتوناً (أي جسيم الضوء أو الطاقة الذي يسير بسرعة 300 ألف كلم في الثانية)" انطلق من عُمْق، أو مركز، "الثقب الأسود"، نحو الفضاء الخارجي الكوني. هذا "الفوتون"، وعلى عِظَم سرعته، والتي هي السرعة القصوى في الكون، وقبل أنْ يصل، في صعوده، إلى الحدِّ الخارجي، أو "أُفْق الحدث"، يشرع يسقط، عائداً إلى حيث انطلق، وكأنْ لا مساراً (أو "أنبوباً") في داخل "الثقب الأسود" إلاَّ المسار الذي لشدَّة انحنائه يعيد السائر فيه (ولو كان يسير بسرعة الضوء) إلى النقطة التي منها انطلق. تخيَّل أنَّك في داخل غرفة، وتريد الانطلاق من أرضيتها، واختراق سقفها، متَّجِهاً إلى خارج هذه الغرفة؛ فكيف لكَ أنْ تنجح في سعيك هذا إذا كان المسار (أو"الأنبوب") المنحني الذي ينبغي لك السير فيه صعوداً لا يسمح لكَ أبداً بالوصول إلى سقف الغرفة، فأنتَ يكفي أنْ تَتْبَع هذا المسار المنحني (ولا خيار لديكَ إلاَّ أنْ تَتْبَع) حتى تشرع تسير سقوطاً (بعد ارتفاع) قبل أنْ تبلغ في صعودكَ هذا الحد (الخارجي). في داخل "الثقب الأسود" ليس من مسارٍ (منحنٍ) يُمْكِنكَ إذا ما سرت فيه صعوداً (ولو بسرعة الضوء) أنْ تَتخطَّى "الحد الخارجي" نحو الفضاء الخارجي الكوني؛ لقد انحنى الفضاء انحناءً لا مثيل له لجهة شدَّته، فانحنى المسار بما يتناسب مع انحناء الفضاء نفسه. ومع ذلك، تحدَّث الفيزيائي البريطاني الشهير ستيفن هاوكينج عن تبخُّر "الثقب الأسود" بـ "الإشعاع". إنَّ هاوكينج، الذي ما زال على إيمانه بأنَّ كمية المادة في الكون لا يمكن أنْ تزيد أو تنقص، افْتَرَض الآتي: إذا ظهر (إلى الوجود) جسيمان متضادان، على مقربة من منطقة "أُفْق الحدث" لـ "ثقب أسود"، فإنَّ أحدهما قد يسقط نحو هذا الثقب قبل أن يتبادل الفناء مع الآخر، الذي يستطيع، عندئذٍ، الإفلات من قبضة الجاذبية لـ "الثقب"؛ ومن طريق هذا السقوط "يتبخَّر" هذا "الثقب". والفضاء ممتلئ دائماً بجسيمات متضادة، تظهر وتختفي في زمن متناهٍ في الصغر. هاوكينج اكتشف (وأقول "افْتَرَض") أنَّ ما يسمَّى "الفضاء الفارغ (الخالي من المادة)" مُفْعَم بأزواج من الجسيمات (الافتراضية، غير الواقعية، غير الفعلية) Virtual particles تنشأ وتزول في استمرار؛ وكل زوج (إلكترون وضديده البوزيترون مثلاً) لا يبقى على قَيْد الحياة إلاَّ زمناً يتعذَّر قياسه لضآلته؛ ولِقِصَر عُمْر زوج الجسيمات الافتراضية لا يحس قانون "حفظ المادة" بوجوده. وهذا إنَّما يعني أنَّ نشوء، أو وجود، أزواج الجسيمات الافتراضية لا يتسبَّب أبداً بزيادة كمية المادة في الكون. لو نظرت إلى (أو في) جزء صغير جداً من "الفضاء الفارغ" فإنَّك لن تجد فيه شيئاً من المادة، وكأنَّه فراغ خالص مطلق. أمَّا لو كنت تملك عيناً اصطناعية يمكنها رؤية الجسيمات، ويمكنها، في الوقت نفسه، أن "تُكبِّر زمن الحادث"، أي تجعله يحدث في بطء شديد، كإبطاء مشهد من فلم، فإنَّك، عندئذٍ، سترى جسيمات تنشأ وتزول (إنَّها "المادة الجهيضة"، أو "المُجْهَضَة"). ينبغي لك أوَّلاً أنْ تُكبِّر حجم الجسيم كثيراً حتى تراه؛ وينبغي لك، أيضاً، أن تُكبِّر زمن حدوث الحادث، فحادث نشوء وزوال جسيمات يستغرق زمناً متناهياً في الصغر؛ وإنَّ عليك، من ثمَّ، أن تجعله بطيئاً، كأنْ تجعل حدوثه يستغرق بضع ثوانٍ. وبحسب وجهة نظر هاوكينج، يمكن أنْ ينشأ زوج من الجسيمات الافتراضية في جوار "ثقب أسود"؛ ولَنَفْتَرِض أنَّ إلكتروناً وبوزيتروناً قد ظهرا إلى الوجود من "فضاء فارغ" في جوار "ثقب أسود". إنَّ أحدهما (البوزيترون مثلاً) قد يسقط في جوف "الثقب الأسود". لقد سقط قبل أنْ يصطدم مع ضديده الإلكترون، متبادلاً معه الفناء؛ فما هي النتيجة المترتبة (حتماً) على سقوطه، من وجهة نظر هاوكينج، مع توضيح أنَّ تبادلهما الفناء لا يعنى سوى نشوء فوتونين هائليِّ الطاقة؟ إنَّها تَحَرُّر كمية من الطاقة التي يشتمل عليها "الثقب الأسود"؛ وهذه الكمية يمتَّصها الجسيم (الافتراضي) الآخر، أي "الإلكترون (الافتراضي)" في مثالنا، فيتحوَّل هذا الجسيم الافتراضي إلى جسيم (أو إلكترون) حقيقي، فعلي، واقعي. هذا التحوُّل لا يؤدِّي إلى زيادة كمية المادة في الكون؛ لأنَّ الكون كسب كمية من المادة تعدل تماماً كمية المادة التي خسرها، أو فقدها، "الثقب الأسود". وهذا "الإشعاع (أو الإطلاق، أو التبخُّر)" لطاقة "الثقب الأسود" هو ما أصبح يسمَّى "إشعاع هاوكينج". هاوكينج يرى أنَّ إشعاع، أو تبخُّر، "الثقب الأسود" هو النتيجة المترتبة حتماً على وجود جسيمات افتراضية في جوار مَصْدَرٍ لجاذبيةٍ قويةٍ كجاذبية "الثقب الأسود"؛ وليس في الكون كله من جاذبية أقوى من جاذبية هذا الجسم الكوني. لكنَّ هذه النظرية التي جاء بها هاوكينج تبدو متناقضة مع جوهر نظرية "الثقب الأسود"؛ فكيف لهذا الجسم الكوني أنْ يَفْقِد طاقة (أي أنْ تَخْرُج منه طاقة ليمتصها جسيم افتراضي موجود في خارجه) وهو الذي، لِفَرْط جاذبيته، يمنع حتى الضوء من الإفلات منه؟! إذا كان تأثير الجاذبية هو شيء ينتقل بسرعة لا تفوق سرعة الضوء فكيف لـ "الثقب الأسود" أن يؤثِّر جاذبياً؟! تخيَّل أنَّ الشمس انشطرت "الآن"، فإنَّ كوكب الأرض لن يتأثَّر جاذبياً بهذا الانشطار إلاَّ بعد 8 دقائق؛ وإذا النجم الضخم الكتلة X انهار "الآن"، متحوِّلاً إلى "ثقب أسود"، فكيف لهذا "الثقب" أن يؤثِّر جاذبياً في أجسام أخرى، بعد دقائق، أو ساعات، أو أيام؟! وكيف لـ "الثقب الأسود" غير المضيء أنْ يكون جاذِباً؟! إذا كان الضوء لا يفلت من قبضته فكيف لموجات الجاذبية أنْ تفلت؟! بحسب نظرية "الثقب الأسود (نَجْمِيُّ الأصل)"، لا بدَّ لكل نجم، كتلته تَكْبُر كتلة الشمس بما لا يقل عن ثلاث مرَّات، من أنْ يتحوَّل، في نهاية حياته، إلى "ثقب أسود"؛ والاستنتاج من ذلك هو أنَّ الكون مفعم بـ "الثقوب السوداء". إنَّ هذا التحوُّل يشبه تحوُّل "جمرة" إلى "رماد"؛ فلو أشْعَلْتَ قطعة فحم تَحْصَل على شيئين: النار (أو الحرارة) والنور (أو الضوء). والنجم باشتعاله يعطي الحرارة والضوء؛ ويظل يعطيهما (يُطْلِقْهُما) حتى نفاد وقوده، فإذا نفد انطفأ النجم؛ وإنَّ "رماد" هذا النجم (أو "جثَّته") هو "الثقب الأسود". النجم في أصله هو سحابة من غاز الهيدروجين (الذي يخالطه بعضٌ من غاز الهيليوم). هذه السحابة (وبفضل جاذبيتها) تنكمش وتتقلَّص، مُركِّزةً مادتها (من الهيدروجين في المقام الأوَّل) في حيِّزٍ ضئيل متضائل. إنَّ مركز هذه السحابة المنكمشة المتقلِّصة هو الذي يصبح عُرْضَةً لضغط الثِّقَل الأقوى، فيتمخَّض عن ذلك، في آخر المطاف، اشتعال هذا المركز، ونشوء النجم من ثمَّ. وفي باطن هذا النجم تندمج، في استمرار، نوى الذرَّات، بدءاً من نوى ذرات الهيدروجين، التي هي معظم مادة النجم لدى ولادته. وهذا الاندماج (النووي) يُنْتِج "نوى أثقل"؛ ومع إنتاجها أو تكوُّنها تتحرَّر "طاقة"، أي حرارة وضوء. وهذا المُحرَّر من الطاقة هو ما يقاوِم فِعْل الجاذبية المتركِّزة في باطن النجم، فجاذبية النجم تشدُّ مادته وأجزائه جميعاً، وفي استمرار، نحو الداخل، أي نحو المركز؛ أمَّا هذا "المُحرَّر" من الطاقة، أو ما يسمى "الضغط الحراري"، فيُقاوِم، دافعاً مادة وأجزاء النجم نحو الخارج، فيتمدَّد النجم (يزداد حجمه). جاذبية النجم (والمتركِّزة في باطنه) تتسبَّب في انكماش النجم؛ وهذا الانكماش يتسبَّب في اندماج نووي في باطن النجم؛ وهذا الاندماج يتسبب في "ضغط حراري داخلي"، يقاوِم فِعْل تلك الجاذبية، دافعاً النجم إلى التمدُّد؛ ومع تمدُّده يتضاءل "الضغط الحراري الداخلي"، فترجح كفَّة جاذبية النجم مرَّة أخرى، فتتكرَّر الدورة نفسها؛ لكنْ تكرُّراً حلزوني الشكل. وهذا الصراع (بين الجاذبية وقوى الضغط الحراري) ينتهي إلى نفاد وقود النجم، أي إلى تلاشي "الضغط الحراري الداخلي"، أي إلى فراغ النجم من القوى المقاوِمة والمضادة لجاذبيته، فتشرع مادة النجم تنهار على نفسها انهياراً لا نهاية له؛ وفي أثناء (وبسبب) هذا الانهيار السريع المتسارِع تَظْهَر قوى مقاوِمة ومضادة للانهيار؛ لكنَّها تظل عاجزة عن وقفه. وفي آخر المطاف يتركَّز معظم مادة النجم المنهار على نفسه في تلك النقطة عديمة الحجم Singularity، فيظهر إلى الوجود "ثقب أسود". "التجاذب"، وفي باطن النجم على وجه الخصوص، هو الذي يُكْرِه نوى ذرات الهيدروجين على الاندماج. وهذا الاندماج (النووي) يُنْتِج "ضغطاً" مشابهاً لضغط الهواء في داخل البالون على غشائه (من الداخل) متسبِّباً بتمدُّد البالون. إنَّ الضغط في باطن النجم هو قوَّة تدفع أجزاء النجم نحو الخارج (تمدُّد النجم). أمَّا "التجاذب" في باطن النجم يُنْتِج مضاداته، مستنفداً إيَّاها، وصولاً إلى انهيار المادة على نفسها، انهياراً مُنْتِجاً "الثقب الأسود". لقد قُلْنا "معظم" مادة النجم، ولم نَقُلْ "كلها"؛ لأنَّ النجم يبدأ انهياره بانفجار عظيم؛ وهذا الانفجار (ظاهرة "السوبر نوفا Super Nova") يَقْذِف جزءاً من مادة النجم (في طبقاته الخارجية) إلى الفضاء الخارجي على شكل "مسحوق"، أو "شظايا". في داخل النجم، رأينا صراعاً دائماً لا يتوقَّف بين قوى تَشُدُّ المادة النجمية نحو الداخل، وقوى مضادة لها، تَدْفَع المادة نفسها نحو الخارج؛ فكيف نفهم هذا الصراع؟ "الشدُّ نحو الداخل" لا يمكن فهمه، أو فهم تحقُّقه، إلاَّ على أنَّه دليل على وجود، وعلى وجوب وجود، "قوى الدَّفْع نحو الخارج"؛ فهذا الشَّدُ، وفي تحقُّقه، لا يعدو كونه ثمرة التغلُّب على "قوى الدَّفع نحو الخارج"؛ ولو خلا النجم تماماً من هذه القوى لَمَا رأينا شيئاً من هذا الشدِّ؛ وعلى هذا النحو نفهم أيضاً "الدَّفع نحو الخارج". لا وجود لقوَّة تلعب وحدها في الملعب؛ فلا بدَّ من وجود قوَّة أخرى توازنها. و"الثقب الأسود" بصفة كونه مادة مركَّزة في نقطة (يُزْعَم أنَّها عديمة الحجم) Singularity لا يمكن إلاَّ أنْ ينطوي على قوى تعمل في استمرار بما يؤدِّي في آخر المطاف إلى "تشتُـت" مادته، أو إلى "تبخُّره". إنَّ "الحالة الرابعة لوجود المادة (بعد الحالات الصلبة والسائلة والغازية)"، وهي "البلازما"، هي ما نراه في قلب النجم، ؛ فالغاز في النجوم يصبح "بلازما" بسبب سخونته الشديدة. إنَّه يَسْخُن حتى تَفْقِد كل ذرة (من ذرات الغاز) كل إلكتروناتها. وفي هذه الحال تصبح مادة النجم مؤلَّفة من "إلكترونات حرة" ومن مجموعات من نوى الذرات. وهذه المادة يُفْتَرَض فيها أن تكون قوة مقاومة للانهيار الجاذبي للنجم عند انفجاره على شكل "سوبر نوفا". إنَّها تقاوم حتى تتلاشى قدرتها على المقاومة، فيولد النجم النيوتروني Neutron star (من خلال اتحاد الإلكترونات مع البروتونات) أو "الثقب الأسود (فضخامة كتلة النجم المنهار، في نواته، تتسبَّب في جَعْل المادة النيوترونية عاجزة عن وقف هذا الانهيار)". النجم يبدأ حياته بـ "غيمة"، أو "سحابة"، من الغبار والغاز، تسمَّى "سديمNebula "؛ فإذا أصبحت كميات الغبار والغاز متقاربة إلى حدٍّ كافٍ فإنَّ الجاذبية تُحوِّل الغبار والغاز المبعثرين إلى "كرة عملاقة تدور حَوْل نفسها"؛ وعندما يحدث هذا الدوران، وبسببه، تصبح تلك الكرة أكثر سخونةً، وأكثر كثافةً، فَيُوْلَد "النجم البدائي"؛ وهذا الدوران حَوْل المحور ينطوي على التناقض الآتي: "المادة السطحية" للنجم "تنتفخ"، أي "تتمدَّد" ضدَّ "الشدِّ نحو المركز"، وكأنَّها تميل إلى "الانفصال"؛ أمَّا "المادة المركزية"، أي التي في مركز النجم، فتميل إلى "التركُّز". وعندما ترتفع درجة حرارة هذا "النجم البدائي" إلى 10 ملايين درجة مئوية يتحوَّل إلى "نجم"، ويشرع هذا النجم يشع؛ فالحركة المحورية تُنْتِج "سخونة" و"كثافة". ومع ارتفاع الحرارة والكثافة تبدأ عملية الاندماج النووي المولِّدة للحرارة والضوء والعناصر؛ ويتحوَّل النجم إلى "عملاق أحمر" عندما يبدأ ينفد وقوده الهيدروجيني، فنواة النجم تنكمش؛ أمَّا طبقاته الخارجية فتتمدَّد، وتبرد، وتصبح أقل لمعاناً، ويَحْمَر لونه؛ فإذا كان هذا "العملاق الأحمر" صغيراً يتحوَّل (بالانهيار) إلى "قزم أبيض"، وهو جسم أعظم كثافة من النجم الأصلي؛ وإذا كان أكبر ينفجر، فتتناثر كل كتلته في الفضاء، أو تبقى نواته، التي تنهار على نفسها، متحوِّلة إلى "نجم نيوتروني"، أو (إذا ما كانت كتلتها أعظم) إلى "ثقب أسود". في "العملاق الأحمر"، من النجوم، تبلغ قوى الضغط نحو الخارج نهايتها العظمى؛ وفي "الثقب الأسود" تبلغ قوَّة الشد نحو الداخل نهايتها العظمى. انهيار المادة على نفسها، وصولاً إلى "النقطة (Singularity) عديمة الحجم، مُطْلَقَة الكثافة (مع الاحتفاظ بالكتلة نفسها أكانت كبيرة أم صغيرة)"، إنَّما هو ظاهرة تُفْهَم وتُفسَّر (لدى القائلين بها من فيزيائيين وكوزمولوجيين) على أنَّها النتيجة المترتبة حتماً على "السيادة المُطْلَقَة" للجاذبية، فالمادة التي نَضَبَت منها، وجَفَّت، تماماً كل القوى المقاوِمة والمضادة للجاذبية الداخلية لا بدَّ لها من أنْ تنهار على نفسها انهياراً لا نهاية له؛ لأنَّه انهيار تَصِل فيه، وبه، تلك المادة إلى "الكثافة المُطْلَقَة" من خلال الاحتفاظ بالكتلة نفسها (أكانت كتلة نجم أم كتلة تَعْدِل كتلة إلكترون) مع جَعْل الحجم صفراً؛ فـ "الكثافة المُطْلَقَة (اللانهائية)" هي "مادة محدودة المقدار" موجودة في "حجم صفري (معدوم)". آينشتاين التقط طرف الخيط من نظرية نيوتن في الجاذبية والتي أشارت إلى احتمال أن يعجز الضوء نفسه عن الإفلات من سطح نجم هائل الجاذبية. وعندما يصاب الضوء نفسه بهذا العجز فهذا إنما يعني أنَّ الجاذبية أصبحت قوية وشديدة بما يكفي لجعل كل شيء عاجزاً عن البقاء في المكان نفسه؛ فلا خيار لدى كل شيء إلاَّ التحرُّك نحو الداخل (الانهيار اللانهائي للنجم على نفسه). حتى سطح النجم يتحرَّك نحو الداخل، ويستمر الانهيار ويعظم. هذا الجسم، أو النجم، يصبح خالياً تماماً من كل مضاد لهذا الانهيار الجاذبي؛ وأخيراً، لا يبقى لدينا نجم وإنما "منطقة من الفضاء" تنبعث منها جاذبية خرافية. إنَّ الجاذبية نفسها هي التي تولِّد وتقتل مضاداتها واحداً تلو الآخر (في داخل النجم). لكن هذه الجاذبية ما أن تصل (في "الثقب الأسود") إلى مرحلة السيادة "المطلقة" حتى تتهيَّأ أسباب اضمحلالها (عبر إشعاع هاوكينج). في داخل جزيء، أو في داخل ذرَّة، لا بدَّ لنا من أنْ نرى شيئاً من "الفراغ" Vacuum. و"الفراغ"، على ما نعرف، هو القسم الأكبر من حجم الذرَّة. وإنَّ القائلين بـ "انهيار المادة على نفسها وصولاً إلى تلك النقطة" لا يستطيعون إجابة السؤالين الآتيين: هل من "فراغ" تشتمل عليه تلك "النقطة" Singularity؟ وما هي طبيعة وماهية وخواص تلك المادة محدودة الكتلة، مُطْلَقَة الكثافة، عديمة الحجم؟ إنَّ "الكتلة المجرَّدة" لا وجود لها، فهي يجب أنْ تكون كتلة جسم أو جسيم مخصوص (محدَّد، معيَّن). حتى ما يسمَّى "الجسيم الأوَّلي (الأساسي) Elementary particle"، كجسيمي "الإلكترون" و"الكوارك"، لا يمكن أن يكون موجوداً في تلك "النقطة"؛ لأنَّ تعريفها (تعريف "النقطة" (Singularity الفيزيائي يتناقض، منطقاً، ووجود أي جسيم أوَّلي في داخلها. ومع وجود هذه "النقطة"، أو مع "وجودها الافتراضي"، يصبح أمْراً عديم المنطق أنْ نتكلم عن "الجاذبية (أو انحناء الفضاء، أو انحناء "الزمكان")"، فالجاذبية هي شيء لا يمكن تصوُّر وجوده إلاَّ في عالم المادة الذي نَعْرِف، أي في عالم المادة المخصوصة، المحدَّدة، المعيَّنة (الجسمانية أو الجسيمية). وهذه المادة قد تكون (مثلاً) مادة نجم أو مادة إلكترون. وأحسب أنَّ أيَّاً من الفيزيائيين لا يستطيع أنْ يقيم الدليل على أنَّ "الجاذبية المُطْلَقَة (الخالصة)" هي شيء ممكن الوجود؛ فإنَّ الخالص من الأشياء (والقوى) هو شيء مستحيل الوجود. وليس أدل على ذلك من أنَّ بعضهم (هاوكينج مثلاً) يتحدَّث عن تبخُّر "الثقوب السوداء"؛ وهذا التبخُّر إنَّما يعني أنَّ "الثقب الأسود" لا يخلو من قوى تصارِع، في استمرار، جاذبيته الهائلة، وتستطيع قهرها والتغلُّب عليها، محرِّرة (من قيود جاذبيته) مزيداً من طاقته. وإنَّني لأتساءل قائلاً: كيف لجسمٍ ("الثقب الأسود") أنْ "تَفْلَت" طاقته من "جاذبيته الهائلة" حتى "يتبخَّر تماماً" ولا يستطيع الضوء (أو الفوتون) "الإفلات"؟! إذا سلَّمنا بوجود "الثقب الأسود"، من حيث المبدأ، وبعد إعادة تعريفه فيزيائياً بما يجعله كائناً فيزيائياً لا كائناً ميتافيزيقياً، وإذا ما ثَبُتَ لنا، وتأكَّد، أنَّه "أسود"؛ لأنَّ الضوء لا يستطيع الإفلات منه، فَلِمَ لا نَفْتَرِض أنْ لا وجود للضوء نفسه في داخله، وأنَّ "عدم وجود" الضوء هو ما يُفسِّر "سواده"؟! ولِمَ لا نَفْتَرِض، أيضاً، أنَّ الضوء يَفْلَت في استمرار من قبضة الجاذبية الهائلة لهذا الجسم ("الثقب الأسود") لكنَّ هذا الضوء الهارب أو الخارج منه يتغيَّر بما يجعله على هيئة "الطاقة" التي يُشِّعها في استمرار وفق فرضية "إشعاع هاوكينج"؟! إنَّ المادة يمكن أنْ تنهار على نفسها؛ لكن هذا الانهيار مهما عَظُم وتسارع لا يجعلها أبداً تَصِل إلى "نقطة، مُطْلَقَة الكثافة، عديمة الحجم"، ولن يتمخَّض أبداً عن "نقطة تنعدم فيها القوى المقاوِمة والمضادة للانهيار (وللجاذبية)"، أو "ينعدم فيها الحجم والمكان (بأبعاده الثلاثة)"، فلا وجود لفضاء بلا مادة؛ ولا وجود لمادة بلا فضاء. كل شيء (حتى الكون كله) يمكن، ويجب، فهمه وتصوُّره على أنَّه ثنائية "مادة ـ فضاء". "المادة" في ميل دائم إلى "التجاذب"، فكل جسم، أكان كبيراً أم صغيراً، يميل دائماً إلى "الانهيار على نفسه"؛ أمَّا "الفضاء"، وعلى ما أحسب، فيميل ميلاً مضاداً؛ إنَّه يميل إلى التمدُّد، مُبْعِداً، من ثمَّ، أجزاء المادة (أي أجزاء الجسم) عن بعضها بعضاً. "النجم"، مثلاً، ينبغي لنا تصوُّره على أنَّه مادة تميل دائماً إلى الانهيار على نفسها؛ لكن هذا الانهيار يُقاوَم ويُكْبَح دائماً، فـ "التجاذب" يُنْتِج دائماً مضاداته. يُنْتِجها وكأنَّه يسعى في استنفادها، فإذا نفدت انهارت المادة على نفسها انهياراً لا نهاية له (على ما يبدو). "الشيء"، كل شيء، يشبه "الهرم المقلوب". قاعدته هي الخط B ـ A. رأسه هو النقطة C. هذه النقطة هي كناية عن مركز "الثقب الأسود". النقطة A تشتمل على "مادة"؛ والنقطة B تشتمل على "مادة". كلتاهما ثابتة في موضعها؛ مع أنَّها تميل إلى السقوط في المنحدَر C ـ A أو في المنحدَر C ـ B. كلتاهما في "سقوط مقهور، مكبوح، مقاوَم". هذا "الهرم المقلوب" قد يتقلَّص حجماً وارتفاعاً مع تضاؤل المقاومة لانهيار المادة على نفسها. وإنَّني لا أعرف السبب الذي يمنع بعض الفيزيائيين من فَهْم "انهيار المادة على نفسها" فَهْماً تَرْجَح فيه كفَّة الدياليكتيك على كفَّة الميتافيزيقيا، فإنَّ "قوى الانهيار (ومهما كان جنسها أو نوعها)" لا تُولِّد انهياراً (للمادة على نفسها) فحسب؛ ذلك لأنَّها (في النصف الآخر من المشهد) تأتي بما يَسْتَنْهِض ويعزِّز ما يقاومِها، ويكبحها، ويُضادها، من قوى. والفيزيائيون يَعْرِفون جيداً أنَّ قوى عدة، تُقاوِم وتَكْبَح، وتُوازِن، قوى الانهيار، تَظْهَر في داخل النجم في أثناء انهيار مادته على نفسها؛ و"النجم النيوتروني" يَصْلُح دليلاً على ذلك؛ فَلِمَ يَفْتَرِضون أنَّ "القوى النيوترونية" هي آخر ونهاية تلك القوى؟! لِمَ يَفْتَرِضون أنَّ "النجم النيوتروني (أو ما يمثِّله من قوى كابحة للانهيار)" هو "جدار المقاومة الأخير" الذي بسقوطه وانهياره تتحرَّر الجاذبية من كل قيد وعقال، دافِعَةً المادة (النجمية) إلى انهيار لا نهاية له (إلاَّ تلك النقطة الميتافيزيقية Singularity)؟! بعض الفيزيائيين يُبْدون شكَّاً كبيراً في أنْ يصل الانهيار الجاذبي إلى تلك "النقطة" Singularity. لماذا؟ لأنَّ انفجاراً ضخماً سيقع قبل الوصول إلى هذه "النقطة" بزمن طويل؛ وسبب وقوعه يكمن في هذا التركيز الهائل للمادة والطاقة. إذا كان "الثقب الأسود" شيئاً لا يمكن أبداً أنْ نراه (بالعين المجرَّدة أو بأيِّ عين اصطناعية) فهل يمكننا أنْ نرى ما يَدُلُّ على وجوده بمعونة نظرية "تمدُّد الزمن Time dilation" كما بسطتها "النسبية العامة" لآينشتاين؟ نظرياً، يُمْكِننا ذلك؛ لكن كيف؟ على مقربة من "ثقب أسود" ما، وفي متناوَل جاذبيته، قد يوجد نجم (مثلاً). في هذه الحال، لا بدَّ لبعضٍ من مادة (غاز هيدروجين مثلاً) هذا النجم من أنْ تُسْحَب منه ليلتهمها (أو يمتَّصها). هذه المادة (المنفصلة عن النجم) تَسْقُط سقوطاً حُرَّاً في "الحفرة الفضائية" لهذا "الثقب الأسود"؛ ونحن يمكننا أنْ "نراها" وهي تسقط سقوطاً متسارِعاً، متَّجِهَةً إلى "أُفْق الحدث (الحد الخارجي لـ "الثقب")"؛ لكنَّنا نعجز عجزاً تاماً عن "رؤيتها" ما أنْ تجتاز هذا "الحد"، في طريقها (أو سقوطها) إلى مركز، أو جوف، "الثقب"، والذي هو عينه تلك "النقطة عديمة الحجم" Singularity. نراها قبل ذلك، أي قبل بلوغها ذلك "الحد"، لأنَّها لا يمكن أنْ تسقط (سقوطاً متسارِعاً) في "الحفرة الفضائية" لهذا "الثقب" من غير أنْ تُطْلِق، في الوقت نفسه، "أشعة سينية". وهذه الأشعة، وهي ضوء قوي جداً لا تستطيع عيوننا رؤيته، تمر في (تخترق) الأجسام التي يرتد عنها الضوء المرئي. إنَّها تُصَوِّر (تُرينا) الجسم من داخله؛ فالضوء العادي المرئي يرينا خارج، أو سطح، الجسم؛ أمَّا هذا الضوء القوي جداً وغير المرئي فيرينا داخل الجسم نفسه؛ فهي أشعة (أو ضوء) تُري ولا تُرى. منطقياً، يمكن أن يكون "الثقب الأسود" محاطاً بـ "نور خالد (حلقات من نور أبدي)"؛ فلو أنَّ ضوء نجم اعترض طريقه إلينا "ثقب أسود" فإنَّ هذا الضوء لن يصل إلينا؛ لأنَّ سيره في مسار شديد الانحناء (عندما يقترب من "الثقب") يمنعه من الإفلات، واستئناف سيره في الفضاء في اتِّجاهنا؛ وقد يترتب على ذلك أنْ يستمر هذا الضوء في الدوران (في مدار) حول "الثقب". تخيَّل الآن أنَّ المادة الغازيَّة النجمية الساقطة (في "الحفرة الفض

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل