المحتوى الرئيسى

العادات العشائرية ونظام الحياة...بقلم: فريد أعمر

06/02 18:37

العادة تختص بفرد أو مجموعة أفراد، فإن عمت وأخذت بها غالبية الناس في مجتمعً ما بشكل مستمر ومتكرر وبنفسٍ راضية، أصبحت تقليد يـُعتد به ويشكل إحدى المرجعيات القانونية. منذ القدم، منذ أولاد نوح وجدت العادات والتقاليد العشائرية لتنظم حياة الناس، وأول ما رسخت ووثقت كان ذلك على أرض فلسطين ومصر، كان بعضها جيد قبلت به الطباع السليمة والديانات السماوية سواء الخاصة بقوم معينين، أو الخاصة بالعالم (الإسلام). بعض الممارسات لم تبقى تقليد كإكرام الضيف، وإغاثة الملهوف،وعدم خيانة الأمانة، بل أصبحت واجب بحكم شرعي. بعض العادات أثبتت الأيام وأكدت الديانات أنها ممارسة خاطئة، بل وكبيرة من الكبائر،مثل قتل الرجل الغريب وأخذ زوجته الجميلة زوجة لشيخ العشيرة أو زعيم القوم ( سيدنا إبراهيم عليه السلام ادعى أمام فرعون مصر أن سارة أُخته ليس لأنها كذلك، وإنما حتى لا يقتلوه ويأخذوها منه، وكذلك ولذات السبب ادعى أمام أبي مالك ملك الفلسطينيين في جرار ( قرب بئر السبع) أن سارة أُخته، واسحق ادعى أمام أبي مالك أن رفقة أُخته لذات السبب. فكان أبو مالك شهماً يحمي الغريب وزوجته ويجود عليهم. كل شيء في هذه الحياة له مرجعية تتطور بتطور الزمن وتطور وسائل ومتطلبات الحياة. القوانين التي يضعها خبراء متمكنين تخضع بين الحين والأخر إلى الإضافة والحذف...ألخ. ( في الضفة الغربية وقطاع غزة، يـُعانون لأن بعض القوانين أُقرت في ستينات القرن الماضي لم تخضع للتطوير والتعديل بسبب الاحتلال ثم بسبب غياب دور المجلس التشريعي الفلسطيني) دين الإسلام، هذه الأحكام التي نزلت من عند خالق البشرية لتكون نظام حياة لكل زمان ومكان وأمة ترك باب الاجتهاد مفتوحاً ليستنبط الفقهاء أحكام لأُمور مستجدة...ألخ. النظام العشائري المنتشر في الوطن العربي، والمتجذر في بعض المناطق مثل جنوب فلسطين وجنوب مصر،في الأُردن، في اليمن، في ليبيا...ألخ، له حسنات وله فضل في منع انهيار المجتمع في حالة الحروب وضعف أو غياب السلطة كحالات الفلتان الأمني حيث يتم اللجوء له لحل المشاكل بين الناس، خاصة التي ينجم عنها اعتداءات على الجسد أو الروح أو العرض، ويشكل حماية لابناء العشيرة أو القبيلة من الاعتداء عليهم، وفي نفس الوقت يشكل رادعاً لابناء العشيرة من الاعتداء على الآخرين. هذا النظام الشفوي، ليس له مرجعية ثابتة واضحة محدده يتم الاستناد إليها في فض وإنهاء المشكل بين الناس.إذا ما أخذنا فلسطين على سبيل المثال نجد الأتي: 1. في حالات محدودة يتم القياس على حالة مشابهة حدثت قبل عقود، وأفتى أو تصرف فيها شيخ عشيرة أو قاضي عشائري بما توفر له من حكمة أو رأي. نحترم ذكرى من أفتى بأمر بشكل يراعي حقوق الناس وحـُرمات الله، وفي نفس الوقت يبقى شخص فرد أفتى في حالة معينة لها ظروفها الخاصة. 2. الكثيرون ممن يـُبتلون بمشاكل ودموم، سواء كان الأذى قد وقع على أحد ابنائهم أو من قام به كان من ابنائهم، يلجاؤن إلى رجل عشائر ليفتيهم في الأمر مع افتراض حكمة وعلم رجل العشائر فإن الأمر في الكثير من الحالات يتم بالشكل التالي: أ‌. أهل الضحية يرون أن ما حدث كان أسوءا جريمة تحدث، وقد يخفون ما عليهم من ذنوب وأخطاء ويهولون ويبالغون في ذنوب الطرف الأخر فيفتي لهم رجل العشائر باجتهاده الخاص بناء على ما سمع. ب‌. أهل من تحمل وزر الفعل، يستشيرون أخر، يروون له القصة بطريقتهم فيعطي المستشار رأياً لا يتفق بالضرورة مع الرأي الأول. ت‌. في ساعة البت في الأمر، وقت العطوة أو الطيبة كثيراً ما يتمترس أهل الضحية خلف قناعاتهم وانفعالاتهم كثيراً ما ترضخ الجاهة ( الواسطة) لذلك فيصبح أهل مرتكب الذنب أو الجريمة ضحية لفعلٍ لم يقترفوه. ث‌. ساد في الآونة الأخيرة حالات ضارة بالسلم الأهلي، بالمجتمع المدني،مثل: 1. يوم العطوة أو يوم الصلح، تتجمع الناس من كل حدب وصوب، وكأن الأمر ليس مأساة وإنما إنجاز كبناء جامعة أو مستشفى...ألخ أثناء جدال الجاهة مع أصحاب الحق فإن الجاهة لا تتحمل فقط الإساءات التي توجه لها من أهل الضحية بسبب محاولة حملهم على التنازل عن بعض المطالب، بل تـُفاجاء ببعض الحضور يصب الزيت على النار، والأسواء من كل ذلك أن بعض أعضاء الجاهة يتطوع للتحريض والإفتاء والمطالبة بأن يـُنفذ ما يطلبه أهل الضحية وأحيانا أكثر مما يطلبون. قد يتسبب البعض في حرق بيوت أو ترحيل أُناس عن ديارهم أو تحميل أُناس ما لا طاقة لهم به لمجرد أنه يريد مناكفة فلان أو مجاملة علان، ونزيد في حمد الله الذي جعل هؤلاء قله. 2. لدينا رجال يسعون إلى إصلاح ذات البين طاعة لله سبحانه وتعالى، لكن هناك من اتخذ ذلك مهنة لم يكتفي بتحويل بيته إلى محكمة يقول فيها بضع كلمات مقابل الحصول على ألاف الدنانير، بل وأيضاً يـُشكل قاضي عشائري متجول على المدن والقرى وله مندوبين ( ينصحون) حسني النية بمراجعته ليكون قاضياً لهم أو متكلماً باسمهم، والأسواء من ذلك أن المتخاصمين لا يقبلون بحكمه، بل يذهبون إلى أخر وأخر ويعيدون نفس المسلسل. 3. تجد صحافتنا تنشر مقالات لأُناس يتكلمون عن ما هب ودب من عادات بما في ذلك العادات في الجاهلية، بل وتجد من ينشر كتب حول ذلك، وأرجو أن لا يؤخذ الأمر وكأننا نقول لابنائنا هذه المناسك التي ارتضيناها لكم . ليتهم يكتبون عن الفقه الإسلامي والقانوني، عن مجلة الأحكام العدلية ( القانون المدني) التي تعالج الكثير من مشاكل الناس. 4. في أواخر العهد العثماني وفي ظل تراجع سلطة الدولة ( انتهى في فلسطين عام 1917 على يد الاحتلال البريطاني) تم الاعتماد على بعض رجالات العشائر الملمين بالقضاء العشائري لحل الخلافات بين الناس، وتعزز ذلك في ظل الاحتلال البريطاني ( مناهي الدم) تحديداً في جبل الخليل وبئر السبع. لكن الأمر أصبح بالممارسة وراثة تنتقل من الأب إلى الابن والناس تتعامل معه على هذا الأساس. ولو كان الابن يتمتع بنفس صفات والده وتميزه بها وبما لديه من قدرات على الآخرين لكان الأنبياء والعلماء هم الأحق بالوراثه. وأخيراً، مع الاحترام لكل رجالات العشائر والإصلاح الذين يساهمون في محاصرة الفتن والإصلاح بين الناس، يجب أن تكون هناك جهة ما تشكل مرجعية للمشورة في مجال المشاكل والحلول العشائرية، بحيث يتم اللجوء لها من أطراف المشاكل، ومن العاملين في هذا المجال لتقول كلمتها، وهي تضع نـُصب أعينها: 1. الحلول العشائرية مكملة وداعمة للقانون وليست بديله عنه. 2. ما اتفق مع الطبائع السليمة،مع الشرع، مع القانون أخذنا به، ومع اختلف تركناه. 3. الأصل دفع الضرر العام بالضرر الخاص،ودرء المفاسد أولى من جلب المنافع. 4. أن لا نـُحمل الناس وزر غيرهم. 5. الذي يوقع العقوبة على الجاني، هي السلطة وليس أهل المجني عليه. 6. لا مجال للارتزاق والتجارة في الإصلاح بين الناس. فهو عمل تطوعي جعله الله سبحانه وتعالى من أهم أعمال الإنسان، فمن أجاده وحافظ على أخلاقه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمه وكلم الله سبحانه وتعالى والناس في الحساب. emarfarid@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل