المحتوى الرئيسى

ارفع رأسك يا أخي

06/02 16:23

بقلم: عامر شماخ يحرِّم الإسلام الذل، ويكره أن يكون أتباعه إمعات؛ يعيشون في كنف المسكنة والخضوع.. وهو بريء ممن يتخشعون ويتذللون ويبالغون في التملق والمداهنة.   لا ينكر الإسلام أن يخاف المسلم، ويصيبه التردد والهلع، فهذا في طبع الإنسان وخلقته، ولا يستثنى منه أحدٌ حتى الأنبياء.. ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)﴾ (القصص) غير أنه ينكر أن يكون ذلك صفة واضحة في المسلم، يتميز بها، ويبني أفعاله وسلوكه عليها، فيتخلى-من ثم- عن مبادئه ومعتقداته، ويعطي العدو الفرصة في الاستعلاء عليه، وبث الرهبة في صدره.. فالمؤمن إن تردد في موقف؛ سرعان ما يلملم نفسه، ويقوي ذاته، ويعود به إيمانه إلى حيث الحق والقوة والحرية.   أما من يعطي الدنية من نفسه، ويبالغ في تصغير ذاته؛ فلا يستحق أن يُقام له وزن أو أن تكون له قيمة.. مرَّ رجل على عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وقد بالغ في الخضوع، فقال له: ألست مسلمًا؟ قال: بلى، قال: فارفع رأسك، وامدد عنقك، فإن الإسلام عزيز منيع.   وتحريم الإسلام للذل، نابعٌ من عقيدته، التي تمنع اللجوء لغير الله، أو سؤال أحد سواه، واليقين التام في القضاء والقدر، وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الدنيا كلها لو اجتمعت للإنسان أو عليه؛ فلن تستطيع أن تقدم له شيئًا أو تؤخر عنه شيئًا إلا بإذن الله سبحانه، وفي هذا يقول النبي، صلى الله عليه وسلم،: "من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس مني" (الطبراني)، ويقول: "من جلس إلى غني فتضعضع عنده لينال مما في يديه، فقد ذهب ثلثا دينه ودخل النار" (الطبراني).   إن الاستعلاء بالإيمان يضمن مجتمعًا سليمًا من الآفات، قادرًا على نصرة الضعيف، وإدخال السرور على الحزين، والأخذ على يد الظالمين، والطغاة والفاسدين، رغم ما يصيب القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أذى وعنت.. لكنه الواجب الذي لا يكون المؤمن مؤمنًا إلا به، يقول النبي، صلى الله عليه وسلم،: "إن الناس إذا لم يأخذوا على يد الظالم، أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده" (الترمذي).   والاستعلاء بالإيمان، ليس معناه التعالي على الآخرين وظلمهم، إنما يعني البذل والجهاد، والجهر بالحق، من أجل إنصاف الضعفاء والمهضومين، فالمؤمنون لا يعرفون البغي، ولا العدوان، وإنما يضحون بأرواحهم وأموالهم لإسعاد الآخرين، ونصرة المظلومين، ودفع الأذى عن المستضعفين.. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ(41)﴾ (الحج)، والمسلم متواضع لإخوانه، ذليل معهم، لكنه نار حارقة على أعــداء الله، يطلب الموت كما يطلب غـيره الحياة.. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: من الآية 29) بما يؤكد أن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس؛ فما زالت- جيلاً وراء جيل- تقدم من أبنائها من يصطدم بالباطل، ويدوي صوته بالحق، غير خائف أو وجل.. حتى رأينا وسمعنا في أيامنا هذه من يردد قول خبيب: ولست أبالي حين أقتل مسلمًا  على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشـأ  يبارك على أوصــال شلو ممزع   إن هذه صرخة لشباب ورجال الأمة، كي يحذروا التنازل والاستدراج، والسلبية والميوعة والخنوع، وأن يقوموا لله، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، صادعين بالحق، لا يخافون في الله لومة لائم، رافعين شعار.. ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾ (طه).. آملين أن يصلح الله بهم البشرية، وأن يملئوا الدنيا عدلاً كما مُلئت جورًا وظلمًا.   وليس لمسلم عذر في المسكنة وطلب الحاجات بذلة ورخاوة، أو بمعصية الله، فإن الذين تُطلب منهم الحاجات لا يملكون قضاء حوائجهم؛ فكيف يستطيعون قضاء حوائج غيرهم.. يقول النبي، صلى الله عليه وسلم،: "إن روح القدس نفث في روعي: أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته" (ابن ماجة).   يقول الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله-: "وتحريم الذل بعض ما أوحى بالهجرة إلى المدينة، ومن قبل المدينة إلى الحبشة، ولم يكن الذين أقاموا بمكة إلى حين الهجرة العامة مستكينين إلى ضيم يُراد بهم.. كلا، فقد كانت الكرامة الإسلامية مثلاً في الأنفة والترفع والاعتزاز، وكانت المبادئ الإسلامية تجعل أصحابها في الذروة من الروح المعنوية الغلابة.. ولكن المسلمين كانوا قلة في العدد، وقلة في المظاهر المادية التي لا بد منها للانتصار المادي، ومن ثم استضعفهم أعداؤهم حتى اضطروهم إلى التحول عن وطنهم، فتحولوا تحوُّل العزيز الذي يكره أن يكون ضعفه ذلاًّ، وتحوُّل الأبي الذي أعوزته أسباب النصر في ميدان، فذهب يبحث عنها في ميدان آخر، وتحوُّل المصمم الذي قد يدور في طريقه مرة ومرة، ولكن عينيه شاخصتان أبدًا إلى هدفهما الفريد...".   والمسلم من أجل عزته وكرامة أمته، يخوض المنايا غير آبه لما يجري عليه من تصاريف الأقدار؛ لأنها لا تخرج عن إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، أو التمكين أو العذاب، العذب في سبيل الله... وفي كلتا الحالتين فإنه مقدام جسور، مستعين بالله، غير عاجز ولا متشكك.. وهذا عين ما صرح به عبد الله بن رواحة في مؤتة، عندما رأى ترددًا في الجيش، قال: "يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم لها تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا كثرة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فإن يظهرنا الله به فربما فعل، وإن تكن الأخرى فهي الشهادة، وليست بشرِّ المنزلتين".   إن أفضل المسلمين مَن يأنف الظلم، ويحاد الظالمين، ومن لا يرضى بخضوع الإسلام واختباء المسلمين.. يقول النبي، صلى الله عليه وسلم،: "إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (أحمد)، ويقول، صلى الله عليه وسلم،: "ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع لم يبرأ" (مسلم، وأبو داود).   أما السائرون في ركب الظالمين، ممن لا رأي لهم ولا موقف، فأولئك هم الإمعات العاجزون، الخارقون لسفينة الرجولة والخلق الفاضل، يقول النبي، صلى الله عليه وسلم،: "لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا" (الترمذي).   والذين يبيعون مروءتهم وكرامتهم، لقاء شهرة، أو منصب، أو دراهم مهما كان عددها؛ هؤلاء يبيعون- في الحقيقة- دينهم، ويُسخطون ربهم عليهم، يقول النبي، صلى الله عليه وسلم،: "من جلس إلى غني فتضعضع عنده لينال مما في يديه، فقد ذهب ثلثا دينه ودخل النار" (الطبراني)، وفي رواية: "فقد أسخط الله".   وعن حكيم بن حزام، رضي الله عنه، قال: "سألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى"، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، وكان أبو بكر، رضي الله عنه، يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر، رضي الله عنه، دعاه ليعطيه فأبى أن يأخذ منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم: أنى أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم- رضي الله عنه- أحدًا من الناس بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى توفي" (متفق عليه).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل