المحتوى الرئيسى

الجيش والشعب " واحد". . فلماذا النيابة العسكرية؟

06/02 14:40

محمود نافع نعاني من نقص حاد في عنصر التسامح بكل أجزاء جسم البلد.. الأعصاب مشدودة.. حالة من التوتر تسود.. لا أحد يطيق أحداً.. لا أحد يستوعب أحداً.. لا أحد يفترض حسن النوايا.. الآخر دائماً في حالة اتهام.. النتيجة أننا في مؤتمرات الحوار تتعطل لغة الحوار وتنفجر شلالات الشتائم. وفي مؤتمرات الوفاق يسود الشقاق ويعم العراك ونتفق علي ألا نتفق. تأملت هذا وأنا أرصد نقاشاً دار بين عدد من المثقفين والمفكرين يفترض أن هذه العيوب لا تكون موجودة بينهم. لكنني وجدت أنهم عينة من نسيج البلد وأنهم ومهما علت ثقافاتهم مجرد خيوط تمثل عينة صادقة من هذا النسيج الذي طرأت عليه العيوب و"الديفوهات". تحدثوا في عدة موضوعات. منها استدعاء بعض الصحفيين والإعلاميين للنيابة العسكرية. ومؤتمر الحوار الوطني والوفاق الوطني. والدستور أولاً أم الانتخابات.. بدأوا بالنيابة العسكرية وهذا هو النموذج الذي سأتعرض لرصده وتحليله.. الحوار كان هادئا. ثم راح يزداد حدة وسخونة.. قال المتحمسون لماذا يقف المدنيون أمام النيابة العسكرية. ولماذا يفعل ذلك المجلس العسكري مع المدنيين الذين علقوا عليه الآمال وتنفسوا معه الصعداء لأن به ومعه تخلصوا من عقدة أمن الدولة وزوار الفجر والصبح والعصر والظهر. ولماذا يتصرف هكذا وقد راهنوا علي سعة صدره وسماحته. رد أعضاء الفريق الآخر في لهجة أشد حدة.. بصراحة نحن نفهم الحرية بأسلوب خاطئ ولا نحسن الاستغلال الأمثل للمناخ الجديد لأننا ببساطة تعودنا علي العين الحمراء. وبالتالي لا حل لعودة الضبط والربط والالتزام إلا النيابة العسكرية. تأملت وجهتي النظر.. بالورقة والقلم والحساب يمكن لو كانت هناك مساحة من السماحة وحسن التعبير ونعمة الإنصات أن يكون كل فريق علي حق. لكن أم المشاكل أن كل فريق محتقن ومتربص بالآخر وفي وضع الاستعداد للإنقضاض عليه.. ففي قضية استدعاء المدنيين للنيابة العسكرية لو تأملنا الموضوع من حيث الشكل سنجده سليماً. فالصحافة والإعلام والثوار والناس عندهم وبلغة أبناء البلد "عشم" في الجيش. ويتوقعون أنه سيستوعبهم ويفهم مقصدهم ويستقبل أناتهم ومخاوفهم حتي لو كانت من مجلسه العسكري. علي الوجه الآخر المجلس العسكري غاضب ومصدوم في الآراء التي تقال والأفكار التي تطرح. صدمته سببها أنه لا يتوقع علي سبيل المثال أن يخرج أحد الصحفيين أو الإعلاميين ليقول إن هناك صفقة بين المجلس والإخوان. فالمجلس لا ينحاز لتيار أو فئة أو فريق. وإنما انحيازه التام للشعب كل الشعب. وهذا شيء لابد أن يدركه الجميع بالأفعال وليس بالأقوال. وأبسط مثال يبرهن علي ذلك أن المجلس منذ اليوم الأول اختار أن يقف في صف الشعب.. حدد موقفه بوضوح واختار دون تردد بين مساندة الرئيس ونظامه وبين مؤازرة الشعب وثورته.. ولمن لا يعرف فإن هذا الاختيار عميق المعني والمغزي.. فالمجلس العسكري اختار صف الشعب في الظرف الصعب مراهناً علي صدق بوصلته الفطرية غير عابئ بالنتائج والعواقب مهما كانت إذا قامت للنظام قائمة مرة أخري.. من هنا فإن المجلس العسكري الذي يفعل هذا. لا يستقيم بالمنطق والعقل أن يعقد صفقة مع الإخوان أو مع أي تيار أو فصيل آخر. لأنه بمنتهي البساطة متعاقد مع الشعب.. كل الشعب. بجميع ألوانه وأطيافه. من هنا نصل إلي القضية الأساسية التي نتحدث عنها وهي مساحة السماحة المفقودة عند الجميع.. فالشعب الذي استقبل المجلس الأعلي منذ اليوم الأول بكل الحب وعانق دباباته واحتضن جنوده. لابد وأن يفهم أن هناك أعباء كثيرة ملقاة علي كاهل المجلس الأعلي. ونستطيع أن نقول إن البلد كله فوق أكتافه. وأنه مضغوط لأقصي درجة. وإذا لم نستطع أن نمد أيادينا لمساعدته فأضعف الإيمان ألا نعطله. وألا يمد البعض من الشعب ألسنته لكي يوقع بينه وبين الشعب ويتهمه بأشياء إن صحت لهي الفتنة الكبري. من ناحية أخري يتوقع الشعب من المجلس الأعلي رحابة الصدر وتقبل النقد حتي لو وصل الأمر إلي حد الشطط.. فالشعب يريد والمجلس يتفهم. والشعب يريد في اليوم التالي تغيير ما كان بالأمس يطلبه. والمجلس الأعلي يتفهم ويتفهم. تلك هي طبيعة مرحلة لها ظروفها وتمر.. فالمؤكد أنها ظروف غير عادلة لمرحلة غير عادية. والعادي والطبيعي فيها أن يتخوف الشعب من بعض الأشياء.. تلك التخوفات قد تكون منطقية أو حتي في غير محلها. وهناك من يعبر عنها بأسلوب لائق ودبلوماسي. وهناك من يكتمها في صدره. ولكن منا علي الوجه الآخر "اللي في قلبه علي لسانه.. يدبها واللي يحصل يحصل".. سواء هذا أو ذاك الكل متفق علي شيء واحد وهو أنه يحب الجيش والمجلس الأعلي ويبث إليه شكواه ومخاوفه علي طريقته حتي لو كانت بنظرية "أشكو منك إليك" فالجيش هو محطة الراحة وملاذ الأمان والطبيعي أن يلقي المهموم والمظلوم والمتخوف والمكلوم بهمومه وأحماله عنده.. لذا يتوقع الشعب من هذا الكيان الكبير. أن يحتوي الناس "بعبلهم" وأن يقدر دوافعهم وحسن نواياهم. فلا يستوعبهم للمحاسبة أمام النيابة العسكرية لمجرد أن البعض فضفض وأخرج مخاوفه ومكنون نفسه. صح أو غلط تجاوز أو حق.. المهم والمؤكد أن الشعب يحب الجيش والجيش يحب الشعب. ما هي المشكلة إذن؟ الإجابة قليل من السماحة والطبطبة يصلح الأمور ويسيرها.. الشعب خائف مما يحدث وما سوف يحدث. الدنيا ملتبسة والرؤية غائمة.. انتخابات. دستور. إخوان. سلفيون. أمن غائب. عجلة اقتصاد متوقفة. وغير ذلك من المفردات التي لا تبعث إلا علي القلق والخوف. نفس الشيء بالنسبة للمجلس الأعلي.. مليونيات.. مؤامرات ومخططات.. عناصر متخصصة في الوقيعة بين الجيش والشعب.. مسئوليات جسام مطلوب انهاؤها علي أعلي مستوي.. سفينة وطن في بحر متلاطم الأمواج ولابد أن ترسو في زمن معلوم علي بر الأمان. قلق ما بعده قلق وانشغال ما بعده انشغال. بعد كل هذا إذا لم يستطع الشعب أن يقدم إليهم وردة. فعلي الأقل لا يفجر في وجوههم قنابل التهم. تعرضت لهذا النموذج الدقيق بالغ الحساسية. لكي أوضح أن التسامح واستيعاب الآخر يمكن أن يحل مشاكل كثيرة ويفوت الفرصة علي فتن عديدة. عن النقص الحاد في عنصر التسامح بجسم البلد. فتش في كل ما يدور حولنا في مؤتمرات الحوار. والوفاق وخناقات الصحافة ومصاطب الإعلام.. وصل الأمر إلي حد المسلمين والمسلمين والمسيحيين والمسيحيين وكذلك بين الثوار والثوار.. التسامح.. التسامح.. التسامح.. وأشير بإصبعي السبابة إلي بؤر كثيرة ملتهبة محتقنة في جسم الوطن. * نقلا عن "الجمهورية" المصرية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل