المحتوى الرئيسى

رسالة إلى المجلس العسكرى

06/02 08:03

فى عام 1952 قام عدد من ضباط الجيش بحركة تغيير كبيرة فى مصر استولوا من خلالها على الحكم.. لكن هؤلاء الضباط نجحوا فى أن يجعلوا من هذه الحركة «ثورة».. فكانت ثورة يوليو المجيدة.. لم تخرج الجماهير إلى الشوارع لتصنع «ثورة» كما هو التعريف الحقيقى فى علم الاجتماع السياسى لمصطلح «الثورة»، ولم يصطف البشر بالملايين فى الميادين العامة لكى يخرج الملك ومن ورائه الاحتلال الإنجليزى.. لكن هؤلاء الضباط الصغار الذين قاموا بهذه الفعلة الشريفة نجحوا فى تسويق هذه «الحركة» إعلامياً، فجعلوا منها «ثورة» ونسجوا آلاف القصص والحكايات عن أدوارهم البطولية إلى حد أن جعلوا من أنفسهم «ملائكة» فى عيون الناس.. وشيطنوا كل شىء فيما سواهم.. ليس ذلك هو المهم.. لكن ما أود أن أقوله إن حركة يوليو بفضل «التسويق الإعلامى» نجحت فى أن تخلب لب الجماهير العربية جمعاء وليست المصرية فقط.. وصار هذا التسويق أيقونة نجاح لاتزال تنشده بعض الجماعات والكيانات التى ما فتئت أن تتحدث عن «أمجاد» هذه «الثورة» والجماهير من ورائها. صنع هؤلاء الضباط «ماكينة إعلامية» كبيرة وواسعة لتسويق حركتهم المجيدة التى لم تصنع فقط سوى أن طلبت من الملك أن يرحل فرحل.. ومن الإنجليز أن يرحلوا فرحلوا.. لا يهمنا كيف تم ذلك.. لكن المهم أن الضباط صنعوا تسويقاً إعلامياً ارتكبوا على إثره من الجرائم ما لم يرتكبه أحد ممن حكم مصر على مدار عمرها الضارب فى جذور التاريخ إلا القليل. دخلوا ثلاث حروب كبيرة فخسروها خسارة مروعة.. وبعد كل هزيمة كان يحملهم الناس على الأعناق فى مشاهد سينمائية لا تحدث إلا فى الخيال.. دولة وليدة صغيرة ناشئة فى مجموعها عبارة عن عصابات تحتل ربع مساحة مصر وتأخذه فى ساعات معدودة.. ثم يحملهم الناس على الأعناق! جرائم إنسانية وإبادات جماعية للبشر وصناعة مؤامرات للفتك بالمعارضين.. والناس تحملهم على الأعناق.. تدمير كامل للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. والناس تحملهم على الأعناق.. جرائم عديدة وبشعة كان عهد مبارك نتاجاً مباشراً لها. ارتكبوا كل الموبقات والآثام.. وحملهم الناس على الأعناق.. لا لشىء سوى أنهم نجحوا فقط فى التسويق الإعلامى لحركتهم.. ومواقفهم «الكلامية». صنع الضباط أبواقاً إعلامية خارقة لدرجة أنها حولت هزيمة 67 إلى نصر.. فعلوا كل شىء.. لم ينجحوا سوى فى «الإعلام» الذى نجح فى أن يمد من عمر هذه «الحركة» ويجعل منها «أسطورة» على غير الحقيقة. هذا التصور الذى أستدعيه الآن مقصود به المجلس العسكرى الذى يقوده المشير الذى صنع إنجازاً حقيقياً و«أسطورياً» تحدث به العالم قبل أن تتحدث به مصر.. صنع مجداً لا يضاهيه مجد فى ثورة 25 يناير. فمنذ 25 يناير وحتى كتابة هذه السطور صنع هذا المجلس من الأحداث ما يصلح لأن يكون قصصاً أسطورية حقيقية.. من رحيل مبارك إلى محاكمات الفساد إلى استعادة «المواطن» المصرى.. إلى فتح معبر رفح.. إلى.. إلى.. ولو لم يكفه إلا أن صنع «الأمل» فى نفوس الناس لكفى.. المجلس العسكرى لديه رصيد لتسويقه يكفى لأن يجعل منه بطلاً لمدة 500 عام.. رصيد يحمله الناس على الأعناق بصدق.. لكن للأسف لا يجيد عسكر هذه الأيام المخلصون فكرة التسويق الإعلامى.. رغم أن الإعلام هو إحدى الأذرع الكبيرة لمعرفة الإنجاز. المجلس العسكرى يحتاج إلى إعلام قوى وحقيقى يذكر الناس بما فعله لا أن يمارى هذا.. ويراضى ذلك.. ان يعرف أن من صنعوا الثورة عادوا إلى بيوتهم ولم يظهروا مرة أخرى منذ الحادى عشر من فبراير الماضى.. فلا تظنن أن هؤلاء هم الثوار.. الثوار الحقيقيون هم الشارع.. هم الأغلبية الصامتة.. هم الطحين.. أما أولئك فهم الضجيج.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل