المحتوى الرئيسى

الحالمة

06/02 08:03

مازلت أذكر هذه السيدة العجوز التى جاءتنى منذ سنوات بعيدة فى العيادة. ودود، راضية، قوية الشخصية. تجلس فى ثبات وثقة، وتعرض تاريخها المرضى فى شجاعة، وتبدى استعداداً واضحاً للصبر والرضا بالمقادير. كانت ليلة من ليالى الربيع الساحر. الشتاء قد رحل ولكنّ الصيف لم يأت بعد. والهواء اللطيف المنعش يتسرب من النافذة المفتوحة ومعه سحر الليل وغموضه وروعته. ومن المذياع فى الصالة تسربت أغنية بديعة من أغانى عبدالحليم. كان الصوت واضحاً ونقياً، تظاهرت بالإصغاء إلى حديثها وأنا أنصت بكل كيانى للأغنية الساحرة: «جانا الهوى جانا، ورمانا الهوى رمانا/ ورمش الأسمرانى شبكنا بالهوى» وفجأة وجدتها قد أغمضت عينيها فى هدوء حالم، وتوقفت تماماً عن الحديث. سألتها فجأة «هل تحبين عبدالحليم؟»، فأمالت رأسها فى دلال قديم وقالت: «ومن لا يحبه!». ابتسمت وقلتُ فى إشراق مفاجئ: «يبدو أن هذه الأغنية لها عندك ذكريات». وهزّت رأسها كالذاهلة. وساد الصمت بيننا. كنت قد انتهيت تقريباً من مناظرة حالتها وكتابة الوصفة الطبية. والعيادة قد خلت من المرضى، والليل الربيعى يغرى بالسهر واستعادة الذكريات. وعبدالحليم يصدح: «يا رامينى بسحر عينيك الاتنين/ ما تقوللى واخدنى ورايح فين؟». شرعت أتأملها. كانت على مشارف السبعين. وجهها مازال يحتفظ بآثار جمال غابر، وشعرها سبائك من الفضة النقية. ابتسمت لها مشجعاً كى تتكلم، ولم تكن بحاجة إلى تشجيع! عبدالحليم يطوّحه الهوى ويطوحنا معه. هذه الأغنيات التى سمعتُها طفلاً وجعلتنى أحبُ الحبّ قبل أوانه. أما هى فلعلها كانت وقتها فى الخامسة والعشرين. وبدأت تتكلم، وما كان ممكنا ألا تتكلم. والذكريات تجرّ الذكريات. قالت لى: «أُذيعت هذه الأغنية لأول مرة فى أواخر الستينيات. كنتُ وقتها شابة فى مقتبل العمر، أحيا قصة الحب الناجحة فى حياتى التى تُوّجت بعد ذلك بالزواج. كانت الدنيا حلوة وكنت أؤمن بالحب وقدرته على التغيير! وكنت أنا وحبيبى ننتظر أغانى عبدالحليم التى كانت تملأ سماء القاهرة فرحاً، كان زماناً طيباً لا يُقارن بزمانكم الحزين. تزوجنا، وكانت الفرحة تملأ قلوبنا بأبسط الأشياء. كانت بيوتنا بسيطة ولكنها عامرة بالحب. كنا نبدأ من حيث بدأ آباؤنا، وليس من حيث انتهوا كما تطلب أجيالكم العجيبة. كان التليفزيون أبيض وأسود ولكن حياتنا كانت مُلوّنة بالكامل. وكنت أنتظر زوجى وأتزين له، وقد صففت شعرى ونثرت عطرى ونتناول العشاء تحت أضواء الشموع. بعدها نفتح الشبابيك - وكل نوافذ القلب - ونرقص فى ليل القاهرة على أنغام عبدالحليم». قلت وقد سحرنى حديثها: «ولكن مشاغل الحياة..»، فقاطعتنى فى حزم: «حجج فارغة. يقولها رجال عصركم ليبرروا جفاف قلوبهم. المرأة زهرة إذا لم تروها بالاهتمام ذبلت كما تذبل الزهور. وكان زوجى (جناينى) عاشقاً زرعنى زهرته الوحيدة، وروانى بالمحبة والعناية. الله يرحمه». قلت وقد اعتصرنى الحزن على تقلبات الحياة: «مات الجناينى!». قالت فى استنكار: «كم من حىّ ميت! وكم من ميت حىّ! طالما لى قلب ينبض، فزوجى وحبيبى لن يموت». aymanguindy@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل