المحتوى الرئيسى

مجلس التعاون والتحديات المستمرة

06/02 06:32

عامر ذياب التميمي كيف يمكن أن نقوّم مسيرة مجلس التعاون الخليجي بعد مرور 30 سنة على تأسيسه؟ يظل السؤال كبيراً عند النظر في الأهمية السياسية والاقتصادية التي أصبح هذا المجلس يتبوأها بعدما فشلت محاولات المجالس العربية الأخرى مثل الاتحاد المغاربي ومجلس التعاون العربي. تأسس «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» عام 1981 في ظل حرب طاحنة بين العراق وإيران، لذلك طغت المعطيات الأمنية والسياسية على النشأة والاهتمامات. لكن المجلس تعاطى مع القضايا الاقتصادية بأهمية بالغة، فوُقعت اتفاقات الوحدة الاقتصادية والاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة والوحدة النقدية. وربما يمكن للمرء أن يزعم بأن تطورات إيجابية ومهمة تحققت على صعيد مختلف هذه الاتفاقات وإن لم تكن بالمستوى المنشود من شعوب بلدان المنطقة أو حتى من قياداتها السياسية الأساسية. صحيح أن هناك تفاوتاً في مفاهيم هذه الاتفاقات بين حكومات بلدان المنطقة، وربما تعرقل التنفيذ لأسباب تتصل بالبيروقراطيات المتحكمة في هذه البلدان أو لأسباب تتعلق بطبيعة الهياكل الاقتصادية القائمة فيها، إلا أن التوجهات التي دفعت إلى التوقيع واعتماد تلك الاتفاقات المهمة تؤكد أن مسيرة المجلس لا بد من أن تؤدي إلى إيجاد كيان اقتصادي مهم لدى تذليل المصاعب والعقبات كلها التي سبق الإشارة إليها. يُقدّر عدد سكان بلدان الخليج الستة بـ 39 مليون نسمة، وغني عن البيان أن نسبة مهمة من السكان تتمثل بالوافدين من خارج المنطقة، سواء كانوا عرباً أم من بلدان آسيوية وغيرها، كما يُتوقع أن يصل الناتج الإجمالي لبلدان المنطقة إلى نحو تريليون دولار. ولا شك في أن أهم التحديات التي تواجه منظومة مجلس التعاون، هي المعضلة السكانية المتمثلة بارتفاع نسبة الوافدين، وذلك بسبب الاعتماد الهيكلي على العمال الأجانب وانخفاض دور العمال المحليين في سوق العمل، بينما يتزايد أعداد المواطنين باضطراد غير مسبوق وترتفع أعداد صغار السن والشباب في الهيكل السكاني للمواطنين في بلدان المنطقة. يُقدّر معدل النمو الطبيعي للسكان المواطنين في دول المنطقة بـ 2.5 في المئة سنوياً، وربما يزيد هذا المعدل في بلدان قياساً ببلدان أخرى في هذه المنطقة من العالم. ويجب أن تُعتبر التنمية البشرية التحدي الأهم لهذه البلدان التي لا تملك موارد اقتصادية متنوعة وتعتمد على النفط في شكل رئيس كمورد للإيرادات السيادية. ولذلك كان يجب على الإدارات السياسية أن تواجه عملية التنمية البشرية بمعالجات جادة حتى يمكن إصلاح الاختلال الهيكلي في التركيبات السكانية في مختلف البلدان الخليجية. ومعلوم أن بلدان الخليج أنفقت أموالاً ضخمة على التعليم منذ أن اعتمدت أنظمة تعليمية مستقرة وعصرية، في ثلاثينات القرن الماضي لبعضها، مثل الكويت والبحرين. ومن أهم الاتفاقات الموقعة بين دول المجلس، اتفاق السوق الخليجية المشتركة، وهو اتفاق لو تمكنت الدول من تنفيذه، سيؤدي إلى ارتفاع درجة التشابك الاقتصادي والإداري بين الدول. ويتطرق هذا الاتفاق إلى مسائل تنقل المواطنين وإقامتهم، والتجارة البينية، وتداول الأسهم وشرائها، وتأسيس الشركات المساهمة، ومزاولة النشاطات الاقتصادية والاستثمارية والخدمية، وتملك العقارات، والمساواة في التعليم، وأنظمة الحماية التأمينية للمواطنين، والتشغيل، وكذلك المسائل المتعلقة بالمواصفات القياسية للسلع والمنتجات. ولا بد للتوافق في شأن هذه القضايا من أن يعجل من الوحدة الاقتصادية بين بلدان المنطقة ويعزز إمكانات انتقال الأموال والأشخاص من دون قيود، بيد أن المشاكل البيروقراطية لا تزال تحول دون التطبيق الفعلي لمضامين الاتفاق. وكذلك هناك كثير من الأنظمة والقوانين المحلية التي لا بد من تطويعها لتتناغم مع روح الاتفاق ومبادئه. قد يزعم مسؤولون بأن تدفقات رؤوس الأموال تظل قوية، إذ يستثمر كثيرون من رجال الأعمال أموالاً مهمة في قنوات الاستثمار التقليدية في بلدان المنطقة، بما يؤكد أهمية الاستثمارات البينية، لكن كيف وُظفت هذه الأموال، وما هي القطاعات التي انخرطت فيها، وما هي فرص العمل التي أمنها لمواطني البلدان التي وُظفت فيها؟ وُجّه معظم هذه الأموال إلى شراء العقارات والنشاطات المرتبطة به، وهي لذلك لا تزال بعيدة عن الأسس المواتية التي يمكن أن تعزز التكامل الاقتصادي الحقيقي. ويتصل تحدٍّ آخر يواجه منظومة مجلس التعاون باتفاق الوحدة النقدية. كان الاتفاق ينص على توحيد العملة مطلع عام 2010، ومر التاريخ من دون تحقيق أي نتائج. بل على العكس، قررت كل من عُمان والإمارات الانسحاب من التزاماتهما تجاه الوحدة النقدية، ولا يزال هناك أمل بأن تتمكن البلدان الأربع الأخرى، السعودية والبحرين وقطر والكويت، من تحقيق هذه الوحدة النقدية بعد الاتفاق على تأسيس مصرف مركزي خليجي مقره الرياض. ويظل هناك كثير من المشاكل الفنية والسياسات المالية والاقتصادية التي قد تعطل عملية الوحدة النقدية. يُضاف إلى ذلك، أن كثيرين من المواطنين في مختلف دول الخليج يتوجسون ريبةً من توحيد العملة خوفاً من ارتفاع معدلات التضخم أو فقدان قدرتهم الشرائية، لذلك تصبح حملة توعية بفوائد عملية التوحيد ضرورية، خصوصاً بعد المشاكل التي واجهت اليورو، ولا تزال تواجهه. ومعلوم أن الوحدة النقدية تتطلب توافقاً في السياسات المالية وسيطرة على الدَّين العام واتباع سياسات اقتصادية متوافقة بين البلدان حتى تستقر العملة الموحدة. وهكذا سيمكّن تطوير السياسات الاقتصادية والمالية وبناء أوضاع قانونية متسقة من عبور كثير من العراقيل والعقبات التي تواجه تنفيذ اتفاق الوحدة النقدية، وعندئذ يمكن حتى للإمارات وعُمان الانخراط في هذه العملية المهمة. ولا بد من التأكيد على أن المشاكل والمصاعب التي واجهت منظومة مجلس التعاون ولا تزال تواجهها، يجب ألا تحبط الآمال، بل إن المطلوب هو تكثيف الجهود وتعزيز الابتكار من أجل تحقيق الأهداف المنشودة. *نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية. * كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية - الكويت

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل