المحتوى الرئيسى

العلاقة بين ربيع العرب وربيع أوروبا

06/02 01:18

جميل مطر أتجول بين يوم وآخر في صفحات عدد لا بأس به من الصحف الأوروبية . في الأيام الأخيرة تكثف التجوال تحت ضغط أحداث بالغة الأهمية تجري هنا، وأحداث تجري هناك، وتزداد مع الأيام أهميتها . هنا، في مصر وعدد من الدول العربية نتحدث عن ثورات ناشبة بالفعل . وهناك في اليونان وعدد من الدول الأوروبية يتحدثون عن “أوضاع حبلى بالثورة” . ولما كنا في عالم متواصل ومتشابك صار الغاضبون في كل المجتمعات يستعيرون من بعضهم بعضاً مفاهيم وممارسات ولافتات وشعارات، يؤقلمون منها ما تحتاجه الظروف المحلية ويتركون أخرى على حالها إلهاماً ودروساً . هكذا خرج محتجون في ولاية ويسكونسن الأمريكية يرددون شعارات سبق أن أطلقها تيار من تيارات الثورة المصرية، وشاهدنا جماهير المتظاهرين في إسبانيا ينقلون عن ثوار التحرير في مصر استراتيجيات الحشد والتظاهر والاعتصام وتكتيكات التعامل مع الحصار الأمني . يبدو أن الربيع لم يعد عربياً صافياً، أراه أمتد طولاً وعرضاً بعد أن أينعت باسمه زهور في أوروبا فسبقت غيرها . سبقت ربما لأنها الأقرب وهو السبب الذي يردده بعض كبار الكتّاب الغربيين، وربما لكونها القارة التي تحملت أكثر من غيرها عبء الأزمة المالية العالمية منذ عام ،2008 وربما لأنها مهد الثورات الأعظم في التاريخ، هذه الثورات التي من دونها ما تقدم الإنسان أو تحضّر، وما ارتقت الثقافات وازدهرت، وما عاشت المجتمعات مراحل طويلة من الاستقرار والسلام في أعقاب مراحل ساد فيها القمع والاستبداد والظلام، من دونها ما ظهرت العقائد والإيديولوجيات . أتخيل مؤرخاً يظهر بعد قرن من الزمن . أتخيله وقد أقدم على كتابة سيرة أوروبا مطلع القرن الحادي والعشرين . أتخيله صورة إربك هوبسباوم المؤرخ البريطاني الذي أعاد كتابة تاريخ أوروبا مطلع القرن العشرين، وأتخيله معتمداً على كتابات نيال فيرجسون المؤرخ البريطاني المقيم في الولايات المتحدة، وعلى مؤلفات المؤرخ الشعبي الأمريكي الراحل هوارد زين وعلى كثير من التحليلات والكتابات الأكاديمية الجيدة، وإن متسارعة، التي تحاول منذ شهور تفسير ظاهرة الربيع العربي . بعضها يناقش آثار ربيع العرب المباشرة وغير المباشرة على التطور السياسي والسكاني والاجتماعي في المجتمعات الأوروبية . أتخيله أيضاً في الصورة التي تخيلت فيها كل المؤرخين الذين سجلوا مراحل ثورة 1848 التي شبت في معظم أنحاء أوروبا في آن واحد، وكان لها فضل كبير على كثير من التطورات العظمى التي شهدتها القارة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي صدارتها التوسع الإمبريالي الهائل في إفريقيا خاصة وفي الصين وآسيا بشكل عام . يرفض معلقون وسياسيون إطلاق صفة الثورة على أعمال الغضب المنتشرة في أوروبا، بعض هؤلاء يرفض كذلك إطلاق هذه الصفة على “الأحداث الكبرى” الناشبة في العالم العربي . يستندون جميعاً إلى حجة تقليدية وهي أن للثورة شروطاً ومواصفات غير متوفرة في الأحداث الراهنة عربية كانت أم أوروبية . يرى آخرون في هذا الرأي تعسفاً في تعريف الثورة لأنه يضع للثورة شروطاً مثالية لم تتوفر في الواقع إلا في القليل جداً من الثورات العظمى . نعرف ونقدر أن “ثورات” العصر لابد أن تختلف عن ثورات التاريخ القديم منها والوسيط وربما أيضاً الحديث . نعرف مثلاً بالملاحظة والمقارنة أن بعض الثورات المعاصرة تجري في حضور الدولة حضوراً شبه كامل وفي الغالب غير متقطع . يختلف الأمر بطبيعة الحال بين مجتمع استقرت فيه كثير من معالم الدولة العصرية مثل تونس أو مصر ومجتمع لم تستقر فيه معظم معالمها . ففي حالات بعينها لم يؤثر رحيل رأس النظام على استمرار الدولة في تأدية معظم وظائفها، بينما في حالات أخرى نلاحظ تردداً دولياً وعربياً شديداً في اتخاذ موقف حاسم مؤيد لمطلب تنحي أو رحيل الرئيس خشية عواقب كارثية تنتج عن اختفائه باعتباره الرئيس الأعلى لطائفة أو مذهب أو لدوره كموازن بين القبائل والعشائر . لاحظنا مثلاً أن التفهم الأوروبي للثورتين التونسية والمصرية كان، وربما لايزال، مستنداً للاعتقاد بأن الثورة في الحالتين ظاهرة تستحق الاهتمام والرعاية ليس بسبب النماذج التي قدمتاها كإضافات لفكر وممارسات ظواهر اجتماعية بالغة الأهمية مثل الغضب والاحتجاج والثورة، ولكن أيضاً لأنهما تبدوان “أوروبيتين” في جوانب كثيرة . يتظاهر الثوار في الميادين ثم يعود بعضهم إلى المنازل والأعمال والملاهي ويعتصم البعض الآخر . يحدث هذا في تونس وفي مصر، ولكنه لا يحدث في المدن التونسية كافة في آن واحد، لا يحدث في سوسة وبنزرت والقيروان والمهدية في الوقت نفسه الذي يحدث فيه في تونس العاصمة، وهو لا يحدث في قنا وأسيوط وبني سويف وكفر الشيخ ودمنهور في الوقت نفسه الذي يحدث فيه في القاهرة والإسكندرية . يحدث أيضاً في مدريد وبرشلونة ويحدث في أثينا وحدث في لندن وباريس، ولكنه لا يحدث في كل مدن إسبانيا واليونان والمملكة المتحدة وفرنسا . المؤكد، وأياً كانت الصفة التي تلصق بهذه الأحداث، ثورة أم اضطرابات أم تمرداً أم تدخلاً أجنبياً، هو أنها تجري بينما الدولة تعمل وعجلة الإنتاج تدور وشوارع المدن تكتظ بالسيارات والقطارات والطائرات تلتزم مواعيدها والاتصالات متواصلة ومنتظمة والأمن “القومي” مستتب . من هذه الكوة التي ننظر منها إلى حاضرنا المثقل بالتطورات الجسام والتفاصيل المرهقة وأحياناً المتناقضة، لن نفلح في وضع تعريف شامل وكاف للثورة العربية، أو في وضع حدود زمنية وجغرافية لها، ولن يفلح الأوروبيون في وضع تصور كامل لحال “الثورة” الناشبة فيها . قد يأتي مؤرخ بعد قرن من الزمان أو أكثر يقرأنا ثم يصف لأجيال من بعدنا حالنا التي نمر بها ويرتب أولوياتها وأهدافها ويحقق في ثمارها وعواقبها . أكانت ثورة؟ وإذا كانت ثورة، فكيف حدث أن تشابهت ممارساتها في أوروبا مع ممارساتها في بعض أنحاء العالم العربي؟ ثم ما هي الأسباب التي جعلت عالم العقد الثاني من القرن العشرين يغلي بأعمال الاحتجاج والغضب والثورة رغم أنه يعيش مرحلة تتسم بقدر عال من السياسات التعاونية وليست الصراعية بين الدول العظمى . لن يجيبنا عن أي من هذه الأسئلة خبير معاصر، سواء كان عالماً في السياسة أو أستاذ تاريخ أو عالم اجتماع . ولن نجد الإجابة في تحركات قوى سياسية وتيارات اجتماعية تحرز اليوم نصراً وتفقده غداً، ولن نجدها في قرارات قمة الثماني ولا قمة العشرين ولا حلف الملوك ولا فلول العهد القديم . لن نعرف الإجابة الآن، ولكننا، ومع كل يوم يمر علينا والناس غاضبون في الميادين وفي الوقت نفسه مجتهدون في مصانعهم ومزارعهم ومكاتبهم، نصنع التفاصيل اللازمة للإجابة الصحيحة التي سيتوصل إليها مؤرخون عظام . نقلا عن (الخليج) الإماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل