المحتوى الرئيسى

> عم صلاح الكبير

06/01 21:13

كتب - ضياء أبو اليزيدنعرف جميعاً أن لله في خلقه شئوناً، لذا فقد شاء ربنا سبحانه أن يبتليني ببطء شديد في ردة أفعالي، لم أعرف كيف أتخلص منه حتي- وربما خاصة - في الملمات والحوادث، فأنا اليوم أكتب عن صديق وأخ أكبر فقدته منذ شهور، أي بعد الثورة بأيام هو الفنان صلاح مرعي الذي باركني الله بالعمل معه لبعض الوقت منذ سنوات بعيدة. كانت وفاته صدمة حقيقية لي، رغم أنني من النوع الذي يستقبل الموت بهدوء من يدرك أنها حقيقة كونية فقد كنت قد انقطعت عن السؤال عنه منذ فترة ليست بالقليلة في إطار عزلة اخترتها لنفسي، فلم أعرف بمرضه، وكنت خارج مصر عندما علمت بوفاته، فلم أتمكن حتي من تقديم العزاء الواجب لأسرته. لكن الأهم من كل هذا والمؤلم جداً هو أن تفقد شخصاً قبل أن تجد الفرصة لتخبره كم تحبه، وأن يدفعك العناد والغباء والتردد أن تحكم علي نفسك وعلي من تحب بقطع الوصال، وأنت تتوهم أن الأيام سوف تجمعكم قصر الوقت أوطال. المفارقة هنا أن المفاجأة الغاشمة التي تقع وتحكم بالفراق حكماً نهائياً لا رجعة فيه، هي مفاجأة بديهية الحدوث ومحتملة في أية لحظة. كيف ستفكر أنت إذا قلت لك أنك ربما تموت اليوم بعد أن تقرأ هذا المقال بساعات ؟ لا أشك في أنك تفكر الآن أن هذا الكلام موجه لقارئ آخر وليس لك أنت، ولا أشك في أن كل قارئ سيفكر أيضاً هكذا، رغم أنه من المحتمل جداً أن هناك من بين الآلاف - وأنا منهم - ممن يقرءون هذه السطور من سوف يموت اليوم فعلاً، علم الإحصاء يخبرنا بهذا. كيف إذن تتوه عن أذهاننا هذه الفكرة البسيطة وكيف نستطيع أن نستبعدها إلي حد التجاهل؟ هل هذا هو الحل الذي توصل إليه الإنسان لتصبح الحياة ممكنة؟ يري بعض الناس الموت خيراً. ربما كان كذلك، فلا بد أن نعترف بأننا لا نعرف سوي القليل والقليل جداً. أما الحقيقة في عيني فهي شديدة القسوة: إن ذلك الكائن المخيف الذي نسميه الموت يربض طوال الوقت متخفياً علي جانبي الطريق، ينقض كلما شاء في حركة خاطفة علي واحد من القطعان السائرة بين الضفتين، فيسحبه بعيداً إلي أرضه المجهو لة ويفترسه علي مهل، ولا يملك القطيع لهذا المسكين شيئاً، ولا حتي التوقف لإلقاء نظرة أخيرة عليه. فلسبب مجهول، كتب علي القطيع أن تكون مسيرته الأبدية في اتجاه واحد لا يتغير مهما حدث. ليست بكائية لصلاح مرعي، وإنما فقط لحظة أقفها لأتعلم من موته كما علمني في حياته أنني أستطيع أن أجد لذة حقيقية في إنجاز عمل دون حتي أن أهتم بأن يقول الناس أني صاحبه، ربما لأنه كان يثق في أن عمله سوف يسير في طريقه، ويزداد قيمة مع الوقت تحدث عنه من شاء وجهله من جهل. أفتقدك الآن كثيراً كثيراً يا عم صلاح. كم كنت حانياً وصبوراً وحليماً ومنكراً لعملك، شديد الإخلاص له، غير مبال بكل الصغائر والصغار حولك، لأنك كنت الوحيد بينهم الذي يري بوضوح ويعرف أن مكانه بين الكبار. - لا أحب فكرة النصيحة، ومع ذلك فسوف أستعملها هذه المرة فقط: لا تكتم في صدرك ما تريد أن تبوح به، فربما لا يغادر هذا الصدر أبداً، ولا تنتظر اللحظة المناسبة لتخبر من تحب أنك تحبه، أخبره الآن فوراً، ولتذهب اللحظة المناسبة إلي الجحيم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل