المحتوى الرئيسى

إلى جنات الخلد شيخنا الرباني.. فيصل مولوي

06/01 20:46

بقلم: صلاح الدين سلطان بسم الله الرحمن الرحيم أكتب هذه الكلمات من قلب يفيض حبًّا وحنانًا إلى شيخي العالِم الرباني- أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدًا- المستشار القاضي الداعية الشيخ (فيصل مولوي), أبدأ في الكتابة من السيارة في طريقي من بيروت إلى طرابلس مسقط رأس الشيخ؛ لنصل إلى مسجد المنصوري؛ حيث ستقام الصلاة عليه، ويُقبل العزاء في فقيد الأمة الشيخ فيصل مولوي.   وعندما أضع شيخنا الفقيد في مكانه الصحيح فإنه يتميز باجتماع خصائص وسمات تفرقت في أفراد فلم تعطهم النبوغ والشموخ،, لكنها لما اجتمعت فيه صارت مثل الجداول الصغيرة التي اجتمعت، فكونت نهرًا عذبًا زلالاً فكان أمة في رجل.   وفيما يلي أحاول أن أكتب أهم جوانب شموخه التي اجتمعت فيه فجعلته أمة في رجل وهي:   أولاً- الشيخ فيصل الرجل الرباني: فلا تحتاج أن تستمع إليه طويلاً حتى تكتشف أنك أمام رجل موصول بالله تعالى, إلى قلب مخبتٍّ, وعين دامعة من خشية الله, ولسان ذاكر لله تعالى, و"الصب تفضحه عيونه"، كما تقول العرب, وكان وجه الشيخ مليئًا بالنور، تراه من بعيد فيشدك إليه, وتقترب فتستحي منه, فلا تستطيع إدامة النظر في وجهه طويلاً من بهاء النور الذي يملأ وجهه، ويشير إلى أن مركز الإشعاع من قلبه المفعم بنور الله تعالى, وهذه علاقة فارقة تجعل ما بعده من تمام فضل الله وتوفيقه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: من الآية11), وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾(العنكبوت:69).   ثانيًا- الشيخ فيصل العالم الرباني: هناك ربانيون بلا علم راسخ أصيل دقيق, بل هم أشبه بالدراويش فارغي العقول، لكن شيخنا الجليل كان بحقٍّ صاحب علم بفقه النص وفقه الواقع، أما الثالثة وهي هبة من الله تعالى فقه إنزال النص على الواقع, يقول الشاطبي: "الفقه ثلاثة أنواع: فقه النص، وفقه الواقع وهما مكتسبان, وفقه إنزال النص على الواقع وتلك موهبة يؤتيها الله من يشاء من عباده", فقاعدة الربانية قادته مع اجتهاده في طلب العلم إلى التوفيق الرباني في إنزال النص على الواقع.   وقد ظلَّ شامخًا في أعيننا في المجلس الأوروبي للإفتاء عندما كان يحرر أية قضية كاتبًا أو مناقشًا أو مصنِّفًا أو معلقًا، كنتَ تشعر أنك أمام رجل فيه صفات الراسخين في العلم الذين يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: من الآية 7)، وهكذا كنا نرى رجل الفقه بتفاصيل الأحكام عندما يسند اجتهاده إلى القرآن والسُّنة واجتهادات علماء الأمة, لكن عندما يتحول إلى فقه المقاصد والمآلات والأولويات فهو الفارس بحق، وصاحب الوعي الدقيق بكلِّ آلام الواقع وهمومه وآماله، وحُسن انتقاء الأحكام المناسبة لكلِّ حادثة، وكنت أستمع إليه وهو يحرر ويعرض رأيه في قوة وإحكام وثقة واطمئنان، كأنك في البحث الفقهي تجلس في محكمة قد حرر القاضي الحكم مشفوعًا بحيثياته بقوة مقنعة دامغة.   ولعل من أهم المشاريع الواجبة وفاء لحق الشيخ العالم الرباني فيصل مولوي هو أن تخرج الأعمال الكاملة للشيخ فيصل مولوي, وهو مشروع يحتاج إلى تضافر طلابه وأبنائه القريبين منه, المحتفظين بفتاواه ومقالاته وكتبه وأبحاثه، ثم تجمّع كلها وتصنّف في أبواب، ثم تكتب دراسة عن المنهج الفكري والفقهي للشيخ فيصل مولوي.   ثالثًا- العالم الداعية الرباني: لم يملَّ الشيخ فيصل مولوي الحركة الدءوب بدعوة الله حتى أقعده المرض تمامًا، وكان يوصي كلَّ من زاره في مرضه بدعوة الله خيرًا, أما في عافيته فقد طاف بلاد الله تعالى شرقها وغربها، شمالها وجنوبها, حاملاً دعوته التي آمن بها، ناشرًا رسالته التي أحبها أكثر من حبه لنفسه وأهله وولده, وما يسكن في مكان حتى يتحول إلى المحور والمرجع في الفقه والدعوة معًا؛ لأن كثيرًا من الدعاة ليسوا فقهاء، وكثير من الفقهاء ليسوا دعاة, لكن الشيخ رحمه الله تعالى جمع الله له مع الفقه الدعوة, ومع البحث الحركة, ومع الوعي الانتشار, ومع الحكمة غرسها في كلِّ مكان, وهو في دعوته لا يكلُّ ولا يملُّ, ففي فترات مرضه الأخيرة كانت نفسه تنازعه ويخرج مخالفًا أمر الطبيب كي يطيِّب قلبه، ويرطِّب صدره بلقاء إخوانه في بقاع الأرض.   وكان في دعوته صاحب قلب يشعر، وعقل يفكر، فيُقنع ويُمتع ويُسمع كلَّ مَن حوله الجديد الغزير في حبٍّ متدفق ورغبة في التعلم والتتلمذ على يديه.   ولقد عاش الشيخ وفيًّا لدعوته التي ترعرع في ظلالها، وهي دعوة الإخوان المسلمين، واستطاع أن يوازن بين جذوره وأصوله في الانتماء لهذه الجماعة المباركة, ودوره نحو أمته وعالميته, فلم يغرق في بئر الجماعة وينسى نهر الأمة كما حدث للكثير, كما لم يتنكر لبئر الجماعة ومعينها الصافي ليقول الآن وقت السباحة في نهر الأمة, وهو ما ارتضاه بعض مشاهير الدعاة كانوا صغارًا يتغنون بالولاء للجماعة، فلما تدربوا وتربوا في أحضانها وصارت هذه الأمومة سببًا في شهرتهم وانتشار وذيوع صيتهم تنكروا لأمهم الحنون المربية الرائعة, وصار يشدوا بملكاته الرائعة التي أوصلته إلى الشهرة الساطعة.   ولذا عاش الشيخ بدعوته جزءًا من كيانه الذي لا ينفك عنه، وصار أمينًا عامًّا، وأميرًا للجماعة الإسلامية بلبنان, وعضوًا في مكتب إرشاد جماعة الإخوان، ومرشحًا للمرشد العام عدة مرات لولا بعده عن مركز الجماعة في مصر ومرضه الذي أثقله في آخر أيامه.   وإن كان والله جديرًا بمكانة المرشد العام للإخوان المسلمين ولقد كان له في قلوب الإخوان في العالم كله مكانة المرشد المعلم، والموجِّه المربي.   رابعًا- الشيخ فيصل القائد العالم الداعية الرباني: القيادة هي هبة الرحمن, تزكو إذا نزلت على قلب عالم رباني مثل الشيخ فيصل مولوي لتمثّل صورة القائد الرباني الذي يتسم بالقوة القلبية والعقلية والإدارية في آن واحد, ولم يكن ينبوع الشيخ العلمي والدعوي والإيماني ليقل عن ينبوعه القيادي, فهو الشيخ الذي تجتمع حوله القلوب، ودون أن يكون ذلك واجبًا إداريًّا بل قلبه المحب, وروحه المتوثبة، وآراؤه الثاقبة لأبنائه, جعلت منه كالبلورة التي تجمّع شعاع الشمس حولها, فصارت إشارات عينيه لأبنائه وإخوانه أقوى من القرارات الإدارية، أما لو صارت كلمة فهي نافذة كأنها كالسيف البتار، ويبدو أن عمله كقاضٍ ومستشار قد أكسبه هيبة لدى إخوان معه, تجعلهم يبادرون إلى تنفيذ كلمته كأنه حكم قضائي، غير أنه مع هذا كان أوسع الناس استشارة ومشورة, منهاجه: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32)﴾ (النمل).   ومن آثاره القيادية ما يلي: 1- لقد عكس جانبه الرباني التزامه بالجماعة الإسلامية, واختير أمينًا عامًّا للجماعة، وظلَّ كذلك حتى داهمه المرض الشديد، وهو الذي طلب ألا تزيد إمامته عن فترتين، وأدار الجماعة بتأسيس آليات الشورى وفق أصولها الصحيحة.   2- ولقد عكس جانبه العلمي بتأسيس معهد العلوم الإنسانية في فرنسا، والذي صارت له فروع في بريطانيا وغيرها, وصار هو المعهد الأول الذي يُخرِّج علماء ودعاة لأوروبا كلها, وصارت قوائم الانتظار من المراكز الإسلامية في أوروبا تهفو إلى خريجي هذا المعهد، ولم يتقدم متخرج للمعادلة والدراسة في جامعة السربون بفرنسا أو غيرها إلا تمّت المعادلة وذلك من المستوى العلمي المميز الذي أسسه العلامة الشيخ مولوي رحمه الله مع إخوانه العلماء.   3- ولقد عكس اهتمامه الدعوي بتأسيس بيت الدعوة والإدارة في لبنان الذي يضم خيرة علماء لبنان كي يتلقوا فيه الدراسات والدورات التي تضاعف كفاءاتهم، وتزكي قدراتهم كما يجتمعون في الأحداث الكبرى للاتفاق على أولويات الخطاب الإسلامي، وطرائق العمل الدعوي, كما أسس مع علامة العصر وفقيه الأمة الشيخ القرضاوي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وكان دوره رائدًا قويًّا ومؤثرًا بل كان ملاذًا لعلماء الاتحاد إذا لم يستطيعوا أن يجدوا سبيلاً لحلِّ بعض المعضلات, وكنا نجد من حنان القلب, وسماء النفس، وحكمة الرأي ما يستل كل الضيق والألم من جوانب القصور الإداري.   4- ولقد عكس اهتمامه بالقضية الفلسطينية عن طريق المشاركة العملية في تأسيس المقاومة السنية، وهي المقاومة البكر في لبنان ضد الصهاينة المعتدين، ثم أضاف بمشاركته البناءة القوية لتأسيس ورئاسة مؤسسة القدس الدولية التي صارت المؤسسة الأولى عالميًّا التي تخدم القضية الفلسطينية خارج الأرض الفلسطينية, وقد أدارها الشيخ ببراعة وجعل لها صوتًا عالميًّا، وأثرًا قويًّا في عولمة قضية القدس, وصار يتحرك لها ويحاضر في مؤتمراتها مثل جورج جالاوي وغيره من المسلمين وغير المسلمين, ومن العرب القوميين والشيوعيين والعلمانيين، وصارت المؤسسة مظلةً لكلِّ أحرار العالم الذين يؤمنون بعدالة القضية الفلسطينية.   5- ولقد عكس فهمه وحكمته في خطاب وسطي جامع لبلورة المقف المعتدل من تيارات وفتن ومشاحنات لبنان، فعكس دورًا وطنيًّا يسعى للسلام الاجتماعي داخل لبنان، لا أبالغ إذا قلت إنه كان الوقف الأعدل والأقوم في لبنان، ولقد حظي بجماعته تقديرًا كبيرًا في الداخل والخارج لكلِّ المراقبين لتقلب القوى في لبنان، أما هذا الرسوخ في الثوابت الوطنية في بيئة هي الأكثر حساسية وفاعلية في المنطقة العربية، وهذا بُعدٌ قيادي لا أقول قليل ما هم في لبنان بل هم النادرون كالألماظ.   هذه ليست كل المؤسسات والرؤى التي ساهم الشيخ بقوة في إنشائها وإدارتها وتوجيهها وتطويرها, بل هذه أمثلة لا تفيد الحصر تجعل مكانة الشيخ عاليًا في سماء الدعاة المتميزين والقادة الربانيين, والحق أن هذا البعد الإداري القيادي يكاد يكون صفرًا أو قريبًا منه لدى كثير جدًا من الدعاة النابهين, وهذا ليس عيبًا فيهم إلا إذا اعتقدوا أن نبوغهم وشهرتهم الدعوية يلازمها التفوق الإداري, لكن قليلاً بل نادرًا ممن منحهم الله هذا التفوق الإداري القيادي, ولقد كان شيخنا رحمه الله من هؤلاء البارعين في القيادة الراشدة الربانية.   خامسًا- الشيخ فيصل العالم الداعية والقائد الرباني والأب الحاني: كل الخصائص السابقة التي اجتمعت في شيخنا العلامة فيصل مولوي, لا يدانيها مثل شعورك الدافئ أنه الأب الحاني, تشعر في كلماته ونظراته نحوك أنه يأسرك بأبوته وشفقته وسؤاله عن صحتك وأهلك وولدك ودخلك واستقرارك وهمومك, ففي جلسات قصيرة تشعر أنك في عمق وجدانه, وغاية اهتمامه وخالص حبه وصادق حنانه, وهذا هو الذي جعل قيادته لإخوانه تسير بسلاسة نادرة, فلا تشعر أن الشيخ يسبقك ويبقيك تلهث وراءه بل يضمك إلى صدره ورحابه، ويفرك يدك لتكون بجواره لا خلفه على منهج: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ (الصافات: من الآية 102) وليس "بلغ وراءه السعي"، وهذا هو الذي- ويشهد الله- جعلني أبكيه كأب ووالد حنون، وشيخ وقور، وقائد فذ، وعالم جهبذ، وداعية مؤثر.   ومن الأمثلة التي أذكرها أنني في عام 2008م، كلمني ولدي أن الشيخ وجدي غنيم تمَّ إخراجه من البحرين، وكنت في تركيا لحضور فعاليات مؤتمر القدس العالمي، وكان رئيسه العلامة الشيخ مولوي ومع عشرات الآلاف من الحضور ومئات الضيوف من الشخصيات العامة، لكني عندما همست في أذنه بالخبر أسف جدًّا، وقلت له: أريد أن نجلس قليلاً نفكر في حلٍّ للشيخ وجدي غنيم، فكان أن طلبني بعد أول جلسه، وتركنا زحام المؤتمر وضيَّفَني على الغداء، واتفقنا على حلٍّ كامل لمشكلة الشيخ، وعاد للبنان، وأمر بتجهيز بيته الخاص، وإعادة فرشه للشيخ وأسرته من جيبه الخاص، وذهبنا معًا للشيخ في مكتبه ليسلمه مفتاح بيته الخاص الجديد الذي كان يبنيه لنفسه، ورتب المحامي للسعي في الأوراق الرسمية، ووعد أن يكلم مكتب رئاسة الوزراء، ولكن الشيخ وجدي ارتضى أرضًا أخرى في جنوب إفريقيا ثم استقرَّ إلى حين في اليمن.   أما يوم وفاته فلا يشبه أيامًا في حياتي مثل يوم وفاة والدي رحمه الله تعالى، فقد رجعت يوم وفاة الشيخ فيصل من عملي سعيدًا بإنجازات عدة، وفجأة في الثانية ظهرًا حلَّ بي ضيق وحزن عميق, وسألتني زوجتي الكريمة: ماذا بك؟! قلت: لا أدري دخلني حزن شديد بدون مقدمات وأسباب مفهومة!!!، وما مرت ساعة حتى جاءني خبران من لبنان على رسائل التليفون فيها معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43)﴾ (النجم:43)، وأنه سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: من الآية2)، هذان الخبران أحدهما لأسرة ربانية منتظمة معي- زوجًا وزوجة- في برنامج القادة الربانيين بلبنان أنهما رزقا بمولود في بيروت، والخبر الثاني وفاة شيخنا العلامة فيصل مولوي، فلم أجدني أبكي منذ وفاة والدي منذ خمس سنوات، كما بكيت شيخي فيصل مولوي.   وبدأت أتصل بالإخوة في لبنان، ولا يسمع الناس صوتي من الإجهاش في البكاء، وتواصلت لحجز تذكرة للسفر ولم أجد إلا أن أسافر لقطر أولاً ومنها للبنان ذهابًا وإيابًا، وبعد ترتيب التذكرة جاءت زوجتي- بعد المغرب- لتذكرني: هل نسيت أن جواز سفرك بالسفارة السعودية؟! فحزنت وقلت إذن سأُحرم من شهود جنازة شيخي بذنبي، واشتد بكائي، ولكني قلت: سوف أتوكل على الله وأطرق الأبواب، فكلمت أحد الشيوخ الكرام فكلم القنصل السعودي بالبحرين فكان كريمًا إذ ذهب في منتصف الليل وأخرج جوازي من السفارة فأخذته وطلعت المطار، وما إن وصلت لبيروت حتى ذهبنا للمقرِّ العام للجماعة الإسلامية ببيروت، ثم توجهنا لطرابلس، وهناك كانت وفود من كلِّ بلاد الأرض من أوروبا، والأردن، والسعودية، والعراق، والسودان، وجماعة الإخوان بمصر، وحماس، وممثلين عن سعد الحريري رئيس الوزراء المؤقت، ووزراء ومندوبين عن الرئاسة، وحضر بنفسه مفتي لبنان الشيخ القباني، ورئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي.    صلاح الدين سلطان يدعو للشيخ فيصل مولوي  وكان شباب الجماعة الإسلامية من أبناء وتلاميذ الشيخ فيصل من أعضاء الجماعة الإسلامية يلبسون لُبس المقاومة في منظر مهيب، وقلتُ كلمة لقناة (الأقصى) وقناة (حياتنا) و(الفجر)، ونقلت قناة (الجزيرة مباشر) وقنوات عديدة الصلاة، وقد ألهمني الله له دعاء ربما لم يتكرر مع غيره، وخرجتُ في جنازته المهيبة المشهودة المنظمة، وكان الترتيب أن يتقدم الشيوخ على الجنازة فقلت: هذا خلاف السنة، وأريد أن يظلَّ شيخي أمامي دومًا، فامتثلوا وظللتُ في ظلِّ نعشه الذي يحمل جسده الطاهر، بين شوارع طرابلس العتيقة الأصيلة، والشباب والرجال والنساء يطلون من شرفاتهم يتابعون بانبهار هذه الجنازة الفريدة، وكان الموعد عند القبر الذي سيضم إلى يوم البعث والنشور حياة أخرى لشيخنا أرجو أن تكون روضة من رياض الجنة، وهناك وقفتُ على حافة القبر وكنت آخر ثلاثة حملوا جسده مباشرة، وقبَّلته مرارًا قبل أن نضعه- رحمه الله- في لحده، ونزل شيخ وقور لكي يكشف وجهه لولديه، وكنت ضمن أولاده القلائل الذين رأوا وجهه يمتلأ بالنور والحضور كأنه ما زال حيًّا، ولكنه نائم ليصحو على النعيم المقيم بإذن الله تعالى.   وهنا بدأ أخ يدعو دعاء نديًّا قويًّا معبرًا مؤثرًا وطلبوا مني تكرار الدعاء له كما دعوتُ بعد صلاة الجنازة، ففعلت، ثم أخذوني بجوار أولاده نتلقى العزاء في ساحة المقبرة وسلّمنا على خلق كثير من كلِّ الأعمار والمستويات بل الشعوب.   وانتهت الجنازة لأبدأ في التفكير في أمرين اثنين هما: كيف نبني من أبناء لبنان فيصل مولوي جديدًا؟!، إنه مشوار طويل إن لم يكن في شخص واحد فليكن في أمة من العلماء، والأمر الثاني: كيف نُخرج إلى النور موسوعة بعنوان: "الأعمال الكاملة للشيخ فيصل مولوي" ليبقى الشيخ حيًّا ونموذجًا يُحتذى ليس في لبنان وحدها بل في العالم كله، وهما مهمتان صعبتان لكن واجب الوقت والوفاء يقضي المضي فيهما بإخلاص وعزيمة وهمة تكون صدقات جاريات في موازين فقيدنا الشيخ فيصل مولوي- رحمه الله تعالى- وأسكنه جنات الخلد مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجمعنا به في أعلى عليين، وأقر عينه في قبره بتحرير الأسرى والأقصى والقدس وفلسطين.   وآخر دعوانا: إنا لفراقك يا شيخنا لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل