المحتوى الرئيسى

مفاهيم ينبغي أن تصحح

06/01 18:35

بقلم: د. فتوح حمدي والي من يتأمل في سنن الله مع أمم الأرض جميعًا، سيرى حقيقةً ناصعةً باهرةً لم يطرأ عليها اختلاف ولم يصبها تبديل أو تغيير، وهي أن هلاك الأمم وسقوطها لا بدَّ أن يسبقه عتو عن أمر ربها ومخالفة لرسله، وخروج عن شريعته ومنهجه حتى إذا استمرأت باطلها، وآنست إليه ورضيت به؛ عاجلها الله سبحانه بعذاب من عنده، أو بيد غيرهم، أو بأيديهم مصداق ذلك قول الحق سبحانه:   (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9)) (الطلاق).   إن الله تبارك وتعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب إلا التقوى، وقد أقام كونه على نواميس محكمة وقوانين ثابتة، وجعل أكرم الناس لديه، وأقربهم إليه، أكثرهم له طاعة وأعمقهم مودة وأصدقهم حبًّا، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: من الآية 13).   ولقد ردَّ الله تبارك وتعالى على أهل الكتاب دعواهم التي تبجحوا بها، بهتانًا وزورًا عندما قالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه) (المائدة: من الآية 18)، فلقن نبيه كيفية الرد على دعواهم تلك بقوله: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (المائدة: من الآية 18).   ولم يمنعهم ما زعموه من بنوتهم له وقربهم منه من أن يصدر فيهم حكمه القاطع باللعن والطرد والخروج من رحمته: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (المائدة).   إن الله سبحانه وتعالى يتعامل مع الناس بمقتضى أفعالهم وواقع أمورهم وليس بادعائهم وأمنياتهم، وها نحن اليوم نرى السواد الأعظم من المسلمين يقعون فيما وقع فيه هؤلاء الهلكى من الأمم السابقة التي تمثل اليوم قيادة الأرض، وتمسك بزمامها وتقودها إلى الهلاك والدمار، فكثيرًا ما نقرأ قوله تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)) (الروم: من الآية 47) وقوله: (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ (173)) (الصافات).   وآيات أخرى كثيرة تؤكد أن النصر للمؤمنين والتمكين للصادقين المخلصين، ولا نفطن إلى أننا نمارس مغالطة خطيرة عندما ندرج أنفسنا ضمن هؤلاء الجند الموعودين بالنصر والتمكين دون أن نطالب أنفسنا بمدى تحقق شرط هذه الجندية فينا وانطباق هذا الوعد الكريم علينا، فلقد ضمن الله تبارك وتعالى تحقق النصر والتمكين للمجاهدين الصادقين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولم يجعلوا الدنيا أكبر همهم، ولا غاية رغبتهم، وإنما جعلوها وسيلة إلى إرضاء ربهم وإقامة منهجه في أرضه، فكانوا ممن عناهم بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)) (العنكبوت).   إن من يقرأ قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55)) (النور).   إن من يستمع إلى هذا الوعد الكريم وينتظر تحقيقه من ربه، ولا يطلب من نفسه الارتفاع إلى مستوى من يشملهم هذا الوعد الكريم هو إنسان غافل واهم جاهل، يحتاج إلى مَن يوقظه من غفلته وينهضه من سكرته حتى لا يقع تحت قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)) (الكهف).   إن الله تبارك وتعالى لا يمنح نصره وتمكينه إلا لِمَن هم أهل لهذا النصر، وهذا التمكين ممن أحسنوا العبودية وأخلصوا النية وصدقوا الله تعالى فحسن صدقهم ممن يؤتمنون على شريعة الله فلا يعطلونها وعلى سلطان الله فلا يهان وعلى منهجه في الأرض فلا يزاحم بمناهج أرضية أو تجارب بشرية.   إن من يركنون إلى فهمهم الإرجائي السلبي الخاطئ لا يقلون خطرًا عن المنفلتين من أوامر الله والمخالفين لرسله والمعطلين لشريعته، فكلا الفريقين لا تنتصر بهما دعوة ولا يعز بهما منهج ولا يقوم بهما دين، فهؤلاء المتكلون على انتسابهم إلى الإسلام وطمعهم في أن يُشمَلوا بالنصر مع من ينصر من المسلمين واختيارهم لدور المتفرج على العاملين المجاهدين، آملين أن يسوي الله بينهم وبين المجاهدين من عباده هم قوم لا يفقهون طبيعة هذا الدين، ولا يدركون حقيقة العمل به، بل إنهم يسيئون بفهمهم هذا إليه ويجرِّءون السفهاء على الطعن فيه، وإسقاط هيبته، فالله سبحانه وتعالى قد ربط الهداية وبلوغ القصد بالجهاد في سبيله، والسعي الخالص لإعلاء كلمته وإقامة منهجه بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)) (العنكبوت).   ولقد رد المصطفى صلى الله عليه وسلم دعوى أقوام اتكلوا على حسن ظنهم بالله، دون رصيد من الجدية والإخلاص في العمل بقوله صلوات الله عليه: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي؛ ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قومًا قالوا نحسن الظن بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل"(1).   إن أصحاب هذا الظن يظلمون أنفسهم كثيرًا بهذا الفهم الخاطئ وهذا الجهل الفاضح، ويا لسوء موقفهم بين يدي الله سبحانه عندما يأتي الناس بإيمان عميق وعمل دقيق وجهاد متواصل، ويأتي هؤلاء بأوهام وأمنيات وظنون لا تغني عنهم من الله شيئًا.   إن الجهد المطلوب مع هذا الصنف من الناس ينحصر في ضرورة تصحيح الفهم الخاطئ لمعنى الإيمان بالله، وتوضيح طبيعة هذا الدين وتعريفهم بمهمتهم التي لها خُلِقوا ومن أجلها وجدوا، وهذه المهمة هي "تعبيد الناس لله تبارك وتعالى أفرادًا وجماعات، وذلك بالعمل لإقامة المجتمع الإسلامي الذي يستمد تعاليمه وأحكامه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي بعث بها وورثها للصالحين من أمته: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (108)) (يوسف).   وإذا كان تصحيح الفهم لهذا الصنف هو العلاج، فإن هناك صنفًا آخر في هذه الأمة لا يجدي معه مجرد التصحيح؛ لأنهم لا يؤتون من جهلهم وسوء فهمهم، وإنما من جحودهم وإنكارهم وغلبة أهوائهم وشهواتهم، هذا الصنف هم الدنيويون أو اللا دينيون أو هم بالمصطلح الحديث "العلمانيون"، وهؤلاء هم رأس البلاء في هذه الأمة، فمن بينهم خرج كبار رءوس الشر من تلامذة الاستعمار من المفكرين والمنظرين والساسة والعسكريين وصناع القرار، وهم الذين رباهم الاستعمار على عينه وأغدق عليهم الألقاب والأموال، وآلت إليهم المناصب الكبرى، وأصبحت الأمة تحكم بطائفة لا تستشعر للدين رهبة، ولا تفسح له في حياة الناس مكانًا، وشاعت على ألسنة هؤلاء مقولة لا تنتسب لديننا ولا تنتمي إلى عقيدتنا وتراثنا، وهي قولهم: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وهكذا أصبح قيصر شريكًا لله في الأرض، بل إن المؤسف أن قيصر لم يترك لله شيئًا.   وشاعت على ألسنة هؤلاء العلمانيين مقولة أخرى أشد وقاحةً وجهلاً وهي قولهم: "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، ويعلم الجميع أن المقولة الأولى قد ابتدعها الملك "قسطنطين" إمبراطور الروم عندما عرض عليه الدخول في النصرانية، فاشترط أن يكون للبابا السلطان الروحي على أن يظل للإمبراطور السلطان الدنيوي، ومن هنا نشأت فكرة الفصل بين الدين والسياسة أو الدين والدولة، فهي كما تلاحظ فكرة غربية شاذة ليست من دين الإسلام في شيء، أما المقولة الثانية فقد أعلنها الفاجر المرتد "كمال أتاتورك" وجعلها مثالاً يُحتذَى لكل تلامذته في طول البلاد الإسلامية وعرضها، وهي فكرة ابتدعها اليهود وروجوا لانتشارها عن طريق رموزهم الفكرية، أمثال كارل ماركس وإنجلز في الاقتصاد، ودارون في التطور وعلوم الحياة، ودور كايم في الاجتماع، وفرويد في نظريات علم النفس، وغيرهم في مجالات الحياة المختلفة، ولهؤلاء العلمانيين من أبناء أمة الإسلام نقول: "إذا كان الاستعمار الغربي قد استطاع التغرير بكم صغارًا عندما كانت مقاليد الأمور كلها بيديه، فإنكم اليوم لا عذر لكم بعد أن سقطت الشيوعية الملحدة وكشرت اليهودية عن أنيابها الحاقدة، وافتضح البعد الديني للمسيحية الصهيونية التي يعتنقها سبعة من رؤساء أمريكا السابقين، ومنهم الرئيس جورج بوش".   "وقادة الحركة المسيحية الأصولية يؤمنون بأن لليهود حقًّا تاريخيًّا ولاهوتيًّا وقانونيًّا في الأرض المسماة "إسرائيل"، وأن الله يتعامل مع الأمم حسبما تتعامل هذه الأمم مع إسرائيل.. وأن الوقوف ضد إسرائيل هو وقوف ضد الله".    وقد تحدث الرئيس الأمريكي "كارتر" أمام الكنيست الإسرائيلي في مارس سنة 1979م، فقال: "لقد آمن سبعة رؤساء أمريكيين وجسدوا هذا الإيمان، بأن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل هي أكثر من علاقة خاصة، بل هي علاقة فريدة؛ لأنها متجذِّرة في ضمير وأخلاق ودين ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه.. لقد شكلت "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية مهاجرون طبيعيون ونحن نتقاسم تراث التوراة".. فهل بقى بعد ذلك عذر لأحد ليكرر من خلفهم مقولاتهم المجرمة الفاجرة ويعلن بأنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، إنني لا أجد ما أقوله لأبناء جلدتنا الساقطين في وحل العلمانية النجس إلا أن أقرأ عليهم قول ربي سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (101))  (آل عمران). -------------- (1) ابن عدي 6/ 229. (2) انظر: البعد الديني في السياسة الأمريكية د. يوسف الحسن، الطبعة الثانية ص 75.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل