المحتوى الرئيسى

الجامعة والاشتباك المحمود بقلم:د. خالــــد الخاجـــة

06/01 11:49

من يدرك الهدف الحقيقي من وجود الجامعة ويعرف الأدوار المنوطة بها، يعلم أن اقتصار وظائفها على الجانب التعليمي أو الدفع في اتجاه ترقية البحث العلمي وتطويره، لن يكون ذا بال، بل لا مردود له في الأساس إذا لم تكن هناك حالة من الاشتباك المحمود بين الجامعة والمجتمع، هذا الاشتباك الذي يجعل التعليم العالي جزءاً أساسياً من أمن المجتمع. ففي تقديري، إن أمن المجتمع لا يتحقق فقط من خلال القوة الخشنة، ولكن يسبقها ويتزاوج معها فتح الموصلات بين المؤسسات التعليمية وبين كافة القطاعات المجتمعية، باعتبارها مراكز للإشعاع الفكري المستنير، ولكي تقف بالكلمة والرأي في طليعة الصفوف وفي الجبهات الأمامية للتوعية بالأخطار المحدقة بالمجتمع، خاصة انها تحتضن بين جدرانها خيرة أبناء الوطن وأصحاب الفكر، وينبغي أن تكون لهم إسهامات في البناء والتصدي، كل على قدر طاقته. ولأن الجامعة ترعى بيدها الحانية أبناءها وتنمي قدراتهم وتصقل مهاراتهم، للولوج إلى سوق العمل بقدرات تنافسية في ظل سوق تخطى الحدود المحلية، فهناك يد أخرى تربت على كتف الذين يقدمون لمجتمعاتهم صنيع الخير، وفي ذلك لا تتفضل عليه، بل تقوم برد الجميل للمجتمع الذي أعطاها الشرعية من خلال ائتمانها على عقول أبنائه، في الوقت الذي ينتظر منها أن تكون معه في نفس الخندق حين المواجهة، وتحلق به في آفاق المستقبل برؤى حالمة مبنية على أسس علمية لصنع مستقبل ننعم به جميعا. ولقد حرصت القيادة الرشيدة على حفر ذلك المفهوم في قلوب وعقول أبناء الوطن، حين أكدت غير مرة أن «الاستثمار في قطاع التعليم هو استثمار بالبشر، وهو استثمار مربح على المدى القصير والبعيد، ولا مجال للخسارة في هذا القطاع الاستراتيجي بالنسبة لبلدنا وشعبنا». ويأتي هذا انطلاقاً من رؤية استراتيجية ترى أن التعليم هو الركن الركين الذي يقوم عليه بنيان دولتنا، وأن أبناء الوطن هم الفرسان الذين يمتطون صهوة جوادهم للعبور بقضايا الوطن إلى واحة الأمان. أقول إن رؤية القيادة للتعليم ودوره في المسيرة الحضارية لدولتنا، أنعِمْ بها من رؤية وما أغلاه من توجيه، يتطلب من كل مخلص لهذا الوطن الذي يحتضننا ـ كما تحتضن الأم الرؤوم أبناءها ـ أن يضع آليات تحقيقه دون تراخٍ أو تهاون. وفي تقديري أن رغبة مؤسسات الدولة، بمختلف أشكالها، للتفاعل مع المجتمع الجامعي، لا تقل بأي حال من الأحوال عن رغبة الجامعة في زيادة هذا التعاون رحابة واستيعاباً وتوثيقاً للروابط في ما بينها، لما فيه مصلحة الوطن وأبنائه. وما دفعني إلى ذلك، هو ذلك اللقاء الذي تم في رحاب جامعة عجمان، بين الدكتور سعيد محمد الغفلي المدير التنفيذي لشؤون المجلس الوطني الاتحادي وبين طلبة الجامعة، والذي خرج عن شكله التقليدي وفتح من خلاله باب الحوار لمعرفة ماذا يدور في عقولهم من تساؤلات تبحث عن إجابات، وأعتقد أن هذا الحوار قد أزال الكثير من الالتباس حول قضايا قد لا يدرك الشباب مختلف أبعادها، كما أو ضح أهمية الاستماع إلى آرائهم التي لا تخلو من قيمة تحتاج إلى من يضعها موضع الاعتبار. وعلى نفس الدرب ولذات الغاية، اجتمعت نخبة من أصحاب الفكر والمهتمين والمهمومين بمصلحة الوطن، على طاولة الحوار في أروقة الجامعة، بمبادرة من الدكتور سعيد سلمان، لأخذ زمام المبادرة في الدور الذي يجب أن تقوم به الجامعات في تنمية العمل التطوعي والمشاركة، ولو بسهم أو قبضة يد، مع الجهات الرسمية المسؤولة، لينفض الفرد عن نفسه غبار السلبية وانتظار الفعل ويكون هو جزءاً من الفعل. وزاد يقيني بصدق إرادة مختلف مؤسسات الدولة لتحقيق هذا التلاحم، حين شاركت إدارة الدفاع المدني في إمارة عجمان، بتشكيل كبير وبمعدات ضخمة، طلبة كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية في الجامعة، في إطار دراستهم لمساق «إدارة الأزمات». نموذج أروع ما يكون في إدارة الأزمات وعمليات الإخلاء الوهمي، مسخرة كافة الإمكانيات لإنجاح هذا التدريب. وما سمعته من أحد المسؤولين عما تنوي الإدارة القيام به من تنظيم أيام مفتوحة للجماهير، لزيارة الإدارة والتحدث إلى منتسبيها وارتداء الأطفال لملابس تشبه ملابسهم، وفقاً لما هو معمول به في أحدث المؤسسات الدولية، زاد من سعادتي، لأن هذه المبادرات وتلك المشاركات هي صمام الأمان للمحافظة على لحمة هذا المجتمع، والحفاظ على مكتسباته عبر سنوات من العمل جعلت منه محط أنظار العالم، وجعلت من شعبة الأكثر سعادة متصدراً المشهد العربي ومحتلا الترتيب 16 عالمياً من بين 120 دولة، بشهادة المؤسسات الدولية ومن خلال قياسات علمية لا تعرف العواطف، وما زلنا نتطلع للمزيد ـ وسيكون بإذن الله ـ لأن وطننا يستحق، فالآمال الطيبة والطموحات هي المحرك للحفاظ والبذل لتسير السفينة بالقياد الرشيدة، قادرة على توجيه الدفة واجتياز كل الصعاب. ولأن الطموحات كبيرة والآمال لا حد لها والتحديات ماثلة أمامنا، فينبغي على كافة المؤسسات والجامعات أن تعيد تحديد أولويات أهدافها من جديد تجاه المجتمع. فكما أن طبيعة العلوم المعرفية وأهميتها تتغير من حيث الكمية والنوعية وطرق تدريسها، فمن المنطقي كذلك أن يتطور الدور المجتمعي للجامعة، وإلا أصبح هناك ما يمكن أن نسميه بالمارد الأكاديمي والقزم المجتمعي، وهو دور أعتقد أن الجامعات تأباه. ويتضمن هذا التحول فتح حالة من الحوار المجتمعي تنطلق من الجامعات، وكذلك تجسير العلاقة بين ما هو أكاديمي وغير أكاديمي، وأن تصبح الجامعة بحق بلا أسوار تحول بينها وبين قضايا أمتها. بالإضافة إلى ذلك، استخدام لغة جديدة تثق في أبناء الوطن وقدراتهم، وتفتح لهم آفاقا يستطيعون من خلالها أن يساهموا في رسم مستقبلهم. هنا يكون الاشتباك في أجمل صوره، وأستميح القارئ عذرا لاستخدام لفظ الاشتباك على ما فيه من تدافع وصراع، إلا أن هذا الاشتباك حين يكون لمصلحة الوطن وتحقيق أهدافه العليا، لا شك أنه مطلوب ومحمود ينادي به كل محب لتراب وطنه. د. خالــــد الخاجـــة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل