المحتوى الرئيسى

ملازم "التيك أواي".. التعليم خارج الخدمة!

06/01 10:46

- الطلاب: الكتب تحولت لطلاسم على الطالب فكها - أصحاب المكتبات: "الملازم" حل لتراجع دور الأساتذة - الأساتذة: الأزمة في إدارة منظومة التعليم وليس الكتب   تحقيق: محمد يحيى بدأ العدُّ التنازلي لامتحانات الجامعات، وبدأ معه سباق "ملازم التيك أواي" بين المكتبات التي تحيط أسوار الجامعات منذ بداية العام الدراسي، ويتضاعف نشاطها إلى حدِّ الاشتعال مع اقتراب موعد الامتحانات، ويتم إعلان قائمة الأسعار.   وتتباين فيما بينها حسب نوع الملزمة؛ فبعضها يكون ملخصًا لمحاضرات عن كل مادة خلال الفصل الدراسي، "وهي الأقل سعرًا"، ومنها ما هو مخصص للمراجعة النهائية للمادة الواحدة بما يقرب 200 جنيه، أما ملزمة ليلة الامتحان فلها نصيب "الأسد" من قائمة أسعار تلك المكتبات.   ولا تكمن الأزمة الحقيقية للملازم في ارتفاع أسعارها، وإنما في تفريغها من محتواها التعليمي بشكل ينعكس بالسلب على العملية التعليمية؛ ليفاجأ الطلاب ليلة الامتحان بملزمة لا تزيد عن 10 ورقات على الأكثر تحمل بعض معلومات لكتاب يزيد عن 400 صفحة، ويسهر الطالب ليالي المراجعة النهائية يحفظ عناوين تلك "الملزمة" وتكون المحصلة العلمية النهائية للطالب "تلخيص الملخص".   فطلابنا تتلمذوا طوال حياتهم الدراسية على ما يسمى "التيك أواي" أو ورق المراجعات والملخصات، وهي طريقة سهلة وبسيطة؛ حيث يقوم الطالب وبكل سهولة ويسر بحفظ ملخص أُعدَّ خصيصًا لتأهيله لدخول الامتحان، وبمجرد خروجه من لجنة الامتحان لا يتذكر شيئًا، وتستمر هذه العادة مع الطلاب حتى وصولهم إلى المرحلة الجامعية، وفي الجامعة يجد الطلاب من يستقبلهم بورق المحاضرات والملخصات لما يقوم الأستاذ الجامعي بتدريسه، وتحول الثالوث الذي تقوم عليه الدراسة الجامعية "الأستاذ والطالب والكتاب" إلى أستاذ وطالب وملخصات.   (إخوان أون لاين) التقى بعض الطلاب وأصحاب مكتبات ملازم "التيك أواي" في اللحظات الأخيرة؛ للاستعداد لموسم جمع وحصاد "غلة" بيع ملازم "التيك أواي"، خاصةً مراجعات ليلة الامتحانات؛ للوقوف على أسباب تراجع دور الكتاب الجامعي، وصعود تلك الملازم وإقبال الطلاب عليها بشراهة، كما وضع الظاهرة أمام الأساتذة لعرض الرأي والرأي الآخر.   كتب الطلاسم بداية الرحلة كانت مع الطلاب؛ حيث يقول الطالب محمود فضل إنه يذاكر من الكتب والملازم معًا؛ لأن كتاب الدكتور "كبير"، وطريقة شرح المادة العلمية به أصبحت شبه معقدة وغير ناجحة بالمرة في توصيل المادة العلمية، وأصبح لدينا نوعان من الكتب الآن.. نوع يتم المذاكرة منه بشرط وجود الملازم الخارجية التي تيسر الشرح وتقوم بتبسيطه، والنوع الثاني من الكتب هو الذي لا بد من شراء المذكرات بدلاً منه لفهم المادة العلمية.   ورغم كل ذلك يؤكد فضل أن الطالب الذي يعتمد على الملازم فقط هو الذي يريد النجاح ولا يريد الحصول على تقدير؛ لأن الملزمة الجامعية- رغم سهولتها وبساطة لغتها وتوصيل المعلومة بشكل سلس للطلاب- لا تحتوى على أية مادة علمية كالكتاب.   ويضيف أن سوء وأخطاء العملية التعليمية والتي تعوَّد فيها الطالب طيلة حياته الدراسية على أسلوب "التيك أواي" جعل الطالب لا يسعى للبحث عن المعلومة، خاصةً في المرحلة الجامعية التي تتطلب من الطالب أن يكون باحثًا من الدرجة الأولى في دراسة المناهج العلمية.   ويوضح الطالب حسين إبراهيم أنه اعتاد المذاكرة من الملازم منذ كان في الثانوية العامة، فكانت الملازم هي الملاذ الأول والأخير له، أما الكتب فلم يكن أحد يلتفت إليها، وفي الجامعة نفس الحال، فالكتاب الجامعي كـ"الطلاسم" التي تبحث عن حل شفرتها، فضلاً عن أن الملازم مفيدة وشاملة لجميع نقاط المنهج، إلى أن أصبحت مكانتها كبيرة الآن، لدرجة يصعب معها منع دخولها وتداولها في الجامعة.   تراجع المهام أصحاب المكتبات بدورهم لهم مبرراتهم، يقول محمد الضو، صاحب مكتبة، إن الطلاب الآن يتجهون للمذكرات والملازم؛ لأن العلاقة بين الأستاذ والطالب تغيرت، فلم يعد الطالب باحثًا ولم يكن الأستاذ مساعدًا للطلاب في أبحاثهم، بل أصبح شرح الدكتور الجامعي قاصرًا، وأصبح كتابه مقدسًا لحد ما، هذه العلاقة المتوترة جعلت الطالب يلجأ إلى شراء المذكرات التي بها شرح المنهج المقرر في الكتاب والمحاضرات بشكل أسهل، ولا يوجد أي لوم على الطالب فهذا التحول شيء طبيعي حينما تفسد العلاقة بين الأستاذ والطالب.   أما عبد الرحمن سعيد، صاحب مكتبة، فيبرر الظاهرة بأن الطلاب يتجهون للمكتبات؛ نظرًا لانشغالهم طوال العام بالعمل، ليأتوا في نهاية الفصل الدراسي وينكبُّوا على المذكرات والملخصات التي لا يستطيع الكتاب الجامعي أن يقوم بها.   ويشير سعيد أنه تخرج في نفس الكلية التي يقوم بعمل ملخصات لمادتها العلمية، وأن المكتبة ربحها يتوقف على المراجعات النهائية، أما الملازم فثمنها في الأيام العادية غير أوقات الامتحانات، ويكون غير مربح بالقدر الكافي؛ حيث تعمل المكتبة طوال العام على نشر كلام الدكتور الذي ألقاه في المحاضرات، أما في آخر الفصل الدراسي فتقوم المكتبات بعمل المذكرات والملخصات وبعض المكتبات تقوم بعمل "سكاشن" للطلبة.   أزمة إدارة ويرى الدكتور محمد أبو الغار، عضو حركة 9 مارس، أن المشكلة الحقيقية هي أزمة التعليم في مصر؛ لأن النظام التعليمي أصبح مكدسًا بالأعداد الضخمة، فضلاً عن طرق التلقين التي ينتهجها الأساتذة، مع عدم وجود دخل كاف لأعضاء هيئة التدريس؛ ما أدى إلى اضطرار الأساتذه لنشر الكتب وعرضها للبيع والقيام بعمل الملازم وبيعها أيضًا.   ويستدرك مؤكدًا أنه في الوقت ذاته لا تؤدي "الملازم" إلى تعليم متقدم ومحترم، مُرجعًا ذلك إلى افتقاد المكتبة الجامعية دورها كما كان قديمًا؛ حيث كانت مكتبات الجامعة موفورةً بالكتب وأعداد الطلبة كانت قليلة ما كان يسهم في إقبال الطلاب على تعويض المادة العلمية للأساتذة من المراجع بالمكتبات، على عكس الأيام الحالية التي ازداد فيها عدد الطلاب وقلَّت المكتبات وقل الإقبال عليها.   ويشيد أبو الغار بالنموذج الهندي في التصدي لمثل تلك الظاهرة، مؤكدًا أنه الحل الآن؛ لأن الجامعة ذات الأعداد الغفيرة ليس منها فائدة، واقترح إنشاء العديد من الجامعات الصغيرة المزودة بالأساتذة المتميزين مع توفير رواتب محترمة تعينهم على التفرغ للعلم، ولا يدخل هذه الجامعة سوى الطلاب المتميزين لإنتاج أبحاث تساعد على تقدم مصر.   أمر واقع من جانبه، يعتبر الدكتور أحمد عبد المقصود، أستاذ اللغات الشرقية بكلية الآداب، الملزمة الجامعية ليست فكرة مستحدثة وإنما هي فكرة قديمة، فالطلاب تعودوا على الملخصات بشكل دائم ومستمر طيلة سنواتهم الدراسية الماضية فيما قبل الدراسة الجامعية؛ لذلك لم يستطع الطالب مفارقة ما تعود عليه طوال حياته الدراسية.   ومن ناحية أخرى فالأمر أيضًا متعلق برغبة الطالب نحو التفوق وإيجاد فرص للعمل، فالطالب الجامعي أصبح متأكدًا من عدم وجود أية فرص عمل بما يدرسه في المرحلة الجامعية؛ لذلك لم يأبه الطالب بالمبدأ الذي يقول إن الطالب الجامعي "طالب باحث"، هذا المبدأ من المفترض أن يكون مطبقًا داخل الحرم الجامعي، فعلى الأستاذ أن يدل طلابه على عدد من المراجع في بداية العام الدراسي ليبحثوا جيدًا حتى يصل بهم أستاذهم لما يريد، لكن ما حدث تسبَّب في عزوف الطلاب عن التفوق والبحث، واكتفى الطالب بالملازم والملخصات.   ويطرح د. عبد المقصود مجموعةً من الحلول للقاء على تلك الظاهرة؛ أولها وأهمها مرتبط بإصلاح التعليم، وهو حل يحتاج لفترة زمنية كافية، بجانب إيجاد فرص عمل بديلة للعاملين في تلك المكتبات لبيع الملخصات؛ حتى لا يضطروا للكسب من ورائها على حساب المستوى التعليمي.   كما يشدد أنه على الجامعة المطالبة بسن قوانين تحمي الملكية الفكرية لمدرسيها؛ حتى تحميهم من عمل ملخصات لكتبهم التعليمية وبيعها في السوق.   تكدس الطلاب ويرى الدكتور عماد عبد اللطيف، أستاذ البلاغة، أن هناك أسبابًا أدَّت إلى ما يمكن تسميته بمأساة الملخصات تبدأ بوجود أعداد ضخمة من الطلاب في المحاضرات تحول دون إجراء نقاش حر معهم من ناحية، وصعوبة تحقيق مبدأ جوهري من مبادئ الجامعة؛ هو مبدأ الحضور والغياب من ناحية أخرى.   ويضيف قائلاً: "لأن الجامعة لا تعبأ بمن يحضر من الطلاب فقد اختار أغلبية الطلاب أن يجلسوا في بيوتهم، أو أي أماكن أخرى، ويكتفوا بتصوير المذكرات في نهاية الفصل الدراسي، ويقترح تقليل أعداد الطلاب في كل وحدة جامعية، مع تطبيق حازم للوائح الحضور والغياب؛ حتى لا يركن الطالب إلى شيء غير المحاضرات، فضلاً عن تطبيق نسبة درجات "أعمال السنة" والتي تعكس اهتمام الطالب بدراسته الأكاديمية.   ويؤكد د.عبد اللطيف أن ذلك يُعدُّ شكلاً من أشكال تدهور الجامعة المصرية ويتمثل في تحول التعليم الجامعي من عملية نقاش وتفاعل بين الأستاذ والطالب إلى عملية تلقين؛ ليحل الكتاب الجامعي محل النقاش الأكاديمي داخل المحاضرات وقاعات الدرس بالجامعة، ثم حدث تدهور لاحق نتيجة دخول بعض المؤسسات والأشخاص الذين حاولوا الانتفاع والتربح؛ نتيجة الوضع المتدهور للجامعة، من خلال إعادة إنتاج الكتاب أو المحاضرات في شكل "مذكرات"، وهذا الوضع لا يمكن تخيله في أي جامعة محترمة.   ويوضح أن ما يُثير الحزن أن إدارة الجامعة على مدار سنوات طوال لم تتخذ أية إجراءات صارمة تجاه تغلغل تلك المكتبات في العملية التعليمية، وكل ما تمثله من قيم سلبية، وكل ما تحدثه من تدمير للتعليم الجامعي، ومن ناحية أخرى فإن إدارات الجامعة على مدار سنوات لم تتخذ أي إجراء صارم تجاه عدد كبير من الأساتذة الذين يتعاملون مع تلك المكتبات، ووصف ذلك بأنه سلوك ضد كل الأخلاقيات.   ويتابع قائلاً: "لقد تركت الجامعة هؤلاء الأساتذة يمارسون سياسات أكثر سلبيةً، بدايةً من بيع الكتب، أو كتابة المذكرات، فبعض الأساتذة للأسف الشديد يقومون بإعداد مراجعات قبل الامتحان، وتحضير إجابات للأسئلة المتوقعة، وهو أمر من المخجل أن نتحدث عنه، وإذا كنا راغبين حقيقةً في جامعة محترمة، فعلينا أن نواجه هذه السلوكيات الفاسدة المفسدة بحزم وصرامة؛ حتى يكون المفسد عبرةً لغيره".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل