المحتوى الرئيسى

القبطان رياض

06/01 08:09

كان القبطان رياض يسكن فى الطابق الأسفل من عمارتنا. غامضاً، أعزب، صارم العينين، جامد الملامح. وكنا نهابه بشدة نحن أطفال البناية. ونتهامس فيما بيننا أنه قرصان يهاجم السفن، ويستولى على بضاعتها الثمينة بعد أن يصرع البحّارة. بعدها يجوب البحار النائية ليدفن الكنز فى جزيرة مهجورة. وكثيراً ما استخدمنا اسمه فى ألعابنا، وكنا - بنزق الطفولة - نتشاجر من فينا القبطان رياض! لكنه بمجرد أن يظهر نجرى ونتفرق بسرعة. ■ ■ ■ طويل القامة، رياضى القوام، أحمر الوجه قد لوحته الشمس وملوحة البحر. يميل بطبعه إلى العزلة والغموض. كنا نراقبه ونتهامس عن جولاته الليلية، حين يتسلل فى هدوء ويذهب ليخنق المارة! أحدنا أقسم بأنه شاهده يحفر قبراً فى الحديقة الخلفية. وكان الواحد منا إذا عاد إلى بيته متأخرا يحبس أنفاسه حتى يصعد السلالم المخيفة ركضاً، وفى كل مرة نتنهد فرحاً بالنجاة من موت مؤكد. ■ ■ ■ ومرت الأيام بنا وبه. كبر أطفال العمارة وكبر القبطان رياض. أصبحت طبيباً فى مقتبل العمر وبدأت أبتسم فى تسامح كلما تذكرت حكاياتنا القديمة عن القبطان رياض. لكن - بينى وبينكم - ظلت للرجل عندى مهابة. ويبدو أننا ندخل القبر دون أن نتخفف تماما من مخاوف الطفولة. كان يمكن أن يستمر هذا الحال إلى الأبد. لا نتبادل كلمة واحدة إلا فيما ندر، لولا أننى لاحظت بغريزة غامضة أنه لم يغادر منزله منذ يومين، وبدأت أفكر - كطبيب - فى الأشياء السيئة التى يمكن أن تحدث لرجل عجوز وحيد. كان هذا دليلاً على أننى منشغل به فى أعماقى دون أن أدرى. وبالفعل استجمعت شجاعتى وطرقت الباب. لبرهة ظننت أنها لن تنتهى ساد الصمت المُترقب، ثم سمعتُ خطوات خفيفة مترددة، ثم وارب الباب قليلا، وبدت على وجهه الدهشة لرؤياى، ولم أكن قد زرته من قبل أبداً، وهو على كل حال لا يرحب بزيارة أحد. استجمعت شجاعتى، وسألته إن كان مريضاً أو يحتاج إلى مساعدة، فتردد قليلا ثم سمح لى بالدخول. كان وجهه شاحبا والعرق يتصبب منه. شرعت أتأمله وهو راقد على السرير، عجوزاً، مسكيناً، شاحباً، ضامراً، ليس طويل القامة كما كنت أتوهم، بل متوسط الطول أقرب إلى القصر. وبالتأكيد ليس مهيبا شامخاً، بل ضامراً مُتداعياً. غموضه وقسوته وتباعده، لم تكن أكثر من أوهام صوّرها خيال طفولتى الجامح. ■ ■ ■ وكما يحدث فى تلك الأمور، انعقدت الصداقة بينى وبينه، أصبح القبطان رياض (أبا هول) بلا أسرار، بل الأعجب أننى عرفت أنه لم يكن قبطاناً أبداً، بل لم يركب السفن فى حياته، هو مجرد محاسب فى شركة بحرية. منذ ذلك الحين صرنا أصدقاء رغم فارق العمر بينى وبينه. لكننى - أحيانا- فى أعماق نفسى كنتُ أشعر بالحنين إلى خيالات طفولتى القديمة: القبطان رياض، شامخاً، قاسياً، عملاقاً، قرصان أعالى البحار يستولى على كنوز السفن، بعد أن جندل البحّارة، توطئة لأن يدفن الكنز فى الجزيرة المنعزلة. aymanguindy@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل