المحتوى الرئيسى

تكاليف استكشاف وتطوير الحقول النفطية.. تعود إلى مستويات ما قبل الأزمة

06/01 07:59

نعمت أبو الصوف تركز المقالات والتقارير التي تناقش التطورات في أسواق النفط وأسعار النفط عادة على محورين رئيسيين فيما يتعلق بتذبذب وارتفاع أسعار النفط. المحور الأول هو أساسيات أسواق النفط من عرض وطلب وحالة الاقتصاد العالمي والطاقات الإنتاجية الاحتياطية والمخزون النفطي وما إلى ذلك. أما المحور الآخر الذي تتناوله هذه التقارير بالبحث والتحليل هو حركة المضاربات في أسواق النفط وأسعار تداول الدولار الأمريكي مقارنة بباقي العملات وخصوصا العملة الأوروبية ومدى تأثيرها على حركة أسعار النفط. بالطبع جميع هذه المؤشرات مهمة جدا وحاسمة في تحديد وتفسير حركة أسواق النفط صعودا أو هبوطا في المدى القصير، لكنها لا تفسر بالكامل السبب الذي جعل من سعر النفط ضمن نطاق 70 و90 دولارا للبرميل سعرا مقبولا في الأسواق وعادلا للمنتجين والمستهلكين على حد سواء، بعدما كان ضمن نطاق 20 و30 دولارا للبرميل في بداية القرن الماضي. بالتأكيد أساسيات أسواق النفط وحركة المضاربين وضعف سعر صرف الدولار لعبت دورا كبيرا في ارتفاع أسعار النفط على مدى السنوات العشر الماضية، حيث إن ارتفاع أسعار النفط بين عام 2003 حتى منتصف عام 2008 عكس حالة جيدة جدا من النمو الاقتصادي العالمي لم يشهدها العالم منذ أكثر من قرنين. حيث ازداد الطلب على النفط زيادة كبيرة وبصورة خاصة في البلدان النامية وبالتحديد في الصين والهند ودول الخليج، وفي الوقت نفسه ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية لم يشهدها العالم من قبل لعدة عوامل لا مجال للحديث عنها في هذا المقال. لكن هذه التطورات في أسواق النفط حفزت في الوقت نفسه الشركات النفطية العالمية والوطنية على زيادة الاستثمار لتطوير حقول نفطية جديدة وكذلك لإدامة الإنتاج من الحقول المنتجة حاليا، وذلك لسد حاجة السوق المتزايدة إلى النفط وتحقيق أرباح إضافية. كما بدأت الشركات بتطوير مشاريع أكثر تعقيدا وفي أماكن متطرفة وبيئة قاسية. نتيجة لهذه التطورات ازداد الطلب على مواد الإنشاء، خصوصا الحديد والأسمنت، وعلى المعدات المستخدمة في الاستكشاف وتطوير الحقول والإنتاج، وبالتحديد معدات الحفر والأنابيب والعازلات وغيرها، وكذلك على الخدمات الأخرى المواكبة لهذه العمليات جميعا. إن زيادة الطلب على النفط وارتفاع الأسعار وأمن الإمدادات حفزت كذلك الاستثمار في مصادر النفط والغاز غير التقليدية، كرمال القار الكندية والسجيل الغازي ومكامن الغاز الواطئة النفاذية، العالية التكلفة مقارنة بمصادر النفط والغاز التقليدية. جميع هذه العوامل، دفعت الشركات العالمية والوطنية إلى التنافس في تطوير وتشييد حقول جديدة من أجل إدامة وزيادة الإنتاج، ما أدى إلى نقص حاد في الطاقات والموارد المتاحة في جميع مرافق الصناعة النفطية، الاستخراجية، التحويلية، الخدمات وإنشاء المعدات وبناء المشاريع، ونتيجة لذلك، ارتفعت أجور هذه الخدمات وازدادت تكاليف المشاريع. وكانت للإجراءات التي اتخذتها الصناعة النفطية خلال فترات انخفاض الطلب على النفط وانخفاض أسعار النفط آثار سلبية كبيرة في وفرة الطاقات والموارد المتاحة ليس فقط فأقمت من الأزمة، بل كانت أحد أهم العوامل المسببة لها. إن ارتفاع تكاليف مشاريع النفط وخصوصا المشاريع الهامشية الأكثر تكلفة marginal cost projects، وضع أرضية لأسعار النفط أو حد أدنى، حيث إن هبوط الأسعار دونها سيخل بالتوازن بين العرض والطلب لصالح الطلب وتعود الأسعار للارتفاع من جديد. إن قرارات الاستثمار لأي شركة مرتبطة بالتوقعات المستقبلية للمردود الاقتصادي للمشروع، والتي بدورها تعتمد على توقعاتها لأسعار النفط في المستقبل. وهذه الأخيرة مرتبطة بتكاليف تطوير وتشغيل الحقول النفطية. على سبيل المثال إذا كانت أسعار النفط المتوقعة في حدود 80 دولارا للبرميل الواحد، الصناعة النفطية ستستثمر في مشاريع ذات تكلفة قصوى في حدود 70 دولارا برميل، بينما إذا كانت أسعار النفط في حدود 50 دولارا للبرميل الواحد، فإن الصناعة النفطية ستستثمر في مشاريع ذات تكلفة قصوى في حدود 40 دولارا برميل أو أقل وهكذا. إضافة إلى ذلك هناك فارق زمني بين توقعات أسعار النفط وتكاليف التطوير. حيث إن المشاريع النفطية عادة ما تتطلب استثمارات رأس مالية كبيرة خلال عمليات التطوير قبل أن يبدأ المشروع بتحقيق عوائد مالية. علاوة على ذلك، تكلفة التطوير الحالية والمتوقعة على المدى القصير هي الأخرى تلعب دورا رئيسا في صنع القرار، لا سيما إذا كان الانخفاض في تكاليف التطوير متوقعا، حيث ستعمد الشركات إلى إرجاء قرار الاستثمار في الوقت الحالي. بعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمعظم دول العالم، خصوصا الصناعية منها، انخفضت أسعار النفط انخفاضا حادا، نتيجة لذلك انخفضت وتيرة النمو في المشاريع النفطية بصورة كبيرة، حيث إن أكثر من خمسة ملايين برميل يوميا من الإنتاج، التي كان من المتوقع أن تكون في الأسواق بحلول عام 2013 قد أرجئت في حينها. نتيجة لإلغاء أو تأجيل بعض أكثر المشاريع تكلفة، انخفضت تكاليف المشاريع وخصوصا الهامشية الأكثر تكلفة marginal cost projects، حيث إن إلغاء بعض المشاريع وقيام الشركات النفطية بتقليص النفقات، بالذات على المشاريع الأقل ربحية والعالية التكلفة، وفر مزيدا من الموارد لمشاريع أخرى. لكن انخفاض تكلفة المشاريع لم يكن بمستوى الانخفاض الحاد في أسعار النفط، حيث تراجعت تكاليف المشاريع بنسبة أقل من 10 في المائة فقط، بينما انخفض سعر النفط أكثر من 70 في المائة خلال الأشهر الستة التي أعقبت الأزمة. بعد أن استعادت أسواق النفط عافيتها وعاد النمو على الطلب من جديد، ارتفعت وتيرة النمو في تطوير مشاريع نفطية بصورة كبيرة وعادت تكلفة المشاريع إلى مستوياتها قبل الأزمة، على الرغم من أن أسعار النفط لم تصل إلى المستويات القياسية التي كانت عليها قبل الأزمة. إن ارتفاع أسعار خام برنت وبقاءها فوق مستوى 100 دولار للبرميل وتعافي الإنفاق على مشاريع الاستكشاف والتطوير بقوة بعد الأزمة الاقتصادية، حول الانتباه مرة أخرى إلى توقع زيادة التكاليف في المستقبل في قطاع التنقيب والإنتاج. إن استعادة العمل في العديد من مشاريع الاستكشاف والإنتاج التي علقت في عامي 2008 و2009 يدل على أن ثقة الشركات في أسعار السلع الأساسية ومنها النفط قوية ضمن الإطار الزمني لمشاريعهم، من المتوقع أن يستمر ارتفاع التكاليف في الأجل القريب. بعض الضغوط التصاعدية على التكلفة، مثل تلك الموجودة على المواد الخام وتكلفة رأس المال، لا تقتصر على الصناعة النفطية وحدها بل ستؤثر في تكاليف جميع الصناعات الأخرى. أما مصادر التكاليف الأخرى بما في ذلك تكاليف قطاع الخدمات الهندسة والعاملين والتكنولوجيا، فإنها تخضع للتنافس على الطاقات المتاحة في قطاع التنقيب والإنتاج بصورة خاصة. وثمة عامل آخر سيؤثر في جميع أنواع التكلفة يتمثل بتغيير وتشديد الأطر التنظيمية المتعلقة بالبيئة والسلامة ومنح التراخيص. إن أسعار النفط لها تأثير كبير على الهامش الربحي المتاح لمعظم المنتجين، ومن العوامل الأخرى التي لها تأثير مباشر في الكلف الحالية والمستقبلية لمشاريع الاستكشاف والتطوير والإنتاج هي تكلفة المواد الأولية، أجور العاملين وقطاع الخدمات. في الواقع لم تتراجع أسعار منصات الحفر ذات المواصفات العالية بصورة كبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية، وفي الوقت الحاضر عادت إلى مستويات ما قبل الأزمة مباشرة. نظرا لطبيعة عقود التفاوض لمنصات الحفر التي تمتد لعدة سنوات، فإنه من الصعب جدا التأكد من المعدلات التي يجري التفاوض عليها حاليا، لكن لا توجد دلائل واضحة على تراجع التكلفة استئجار المنصات، حيث إن مع توقع استمرار المستويات العالية لأنشطة الحفر في السنوات المقبلة، في كل من المياه العميقة والمياه العميقة جدا ومصادر النفط والغاز الغير تقليدية، فإن التوقعات لا تزال مستقرة عند مستوياتها بخصوص تكاليف منصات الحفر. في الولايات المتحدة، متوسط أسعار منصات الحفر على الشواطئ في ارتفاع مستمر مدفوعة بزيادة نشاط الحفر والتنقيب عن النفط بصورة كبيرة جدا هناك. نتيجة تحول التركيز من الغاز إلى الموارد غير التقليدية الغنية بالسوائل الهيدروكاربونية، ارتفع الطلب على منصات الحفر القادرة على العمل في مصادر النفط غير التقليدية وخصوصا من الطبقات (المكامن النفطية) الواطئة النفاذية أو ما يعرف Tight Oil. حيث ارتفع عدد الحفارات النفطية العاملة في الولايات المتحدة من نحو 180 في حزيران (يونيو) 2009 إلى أكثر من 925 في نيسان (أبريل) 2011، ولأول مرة منذ عام 1995 تجاوزت عدد الحفارات النفطية العاملة عدد منصات الحفر العاملة في الموارد الغازية. نتيجة لذلك ارتفعت أسعار منصات الحفر الأفقي على الشواطئ العالية المواصفات في الولايات المتحدة إلى مستويات عام 2008، في حين أن أسعار منصات الحفر الأقل تطورا تعافت بصورة جزئية فقط. في الجزء الثاني سيتم التطرق إلى باقي المؤشرات على الضغوط التصاعدية على تكاليف الحفر والتنقيب والعمليات المصاحبة، وإلقاء الضوء على بعض تكاليف المشاريع الهامشية الأكثر تكلفة marginal cost projects. *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل