المحتوى الرئيسى

التباين في الدخل والضرائب وتوسع مجلس التعاون

06/01 07:59

سعود بن هاشم جليدان تتجه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى توسيع تكتلها السياسي والاقتصادي من خلال دعوة كل من الأردن والمغرب لبدء مفاوضات الانضمام إلى المنظومة الخليجية. ومع تقدم العديد من البلدان العربية للانضمام إلى المجلس إلا أن اختلاف أنظمتها السياسية عن دول المجلس وعدم استقرارها يحول دون انضمامها إلى منظومة مجلس التعاون. وتميزت الأنظمة الخليجية خلال معظم القرن العشرين وبداية القرن الحالي بدرجة كبيرة من الاستقرار السياسي والأمني. ومرت تجربة مجلس التعاون بثلاثين عاماً من المباحثات والمشاورات على الأصعدة كافة حتى أنجزت العديد من الاتفاقيات المهمة في جميع المجالات، وفي مقدمتها العديد من الاتفاقيات الاقتصادية. وتحقق بموجب هذه الاتفاقيات منجزات مهمة أبرزها الاتحاد الجمركي الخليجي والمعاملة الوطنية في طيف واسع من الأنشطة الاقتصادية. وإزالة الاتفاقيات المبرمة بين دول مجلس التعاون الحواجز القانونية أمام تدفق السلع والمنتجات والمواطنين ورؤوس الأموال الخليجية، إضافة إلى تحقيق توافق كبير في المواقف السياسية والأهداف الاستراتيجية. وتأمل دول المجلس في زيادة الثقل السياسي والاقتصادي للمنظومة الخليجية، من خلال ضم كل من الأردن والمغرب. وتواجه دول المجلس والدول العربية تحديات استراتيجية كبيرة، لعل أبرزها التهديد المتعاظم للنفوذ الإيراني في منطقة الخليج والدول العربية بشكل عام. وسيسهم انضمام نحو 40 مليون أردني ومغربي في إيجاد توازن سكاني واستراتيجي مع إيران، كما سيعزز من اقتصاديات الحجم ويرفع حجم التجارة بين الدول المنظمة تحت لوائه. وعلى الرغم من بعد المغرب عن منطقة الخليج العربي إلا أن علاقاتها السياسية مع دوله اتسمت على الدوام بالقوة، ما سيسهل من إجراءات انضمامها إلى المنظومة الخليجية. وسيحد بعدها الجغرافي إلى درجة كبيرة من تواصلها الاستراتيجي والاقتصادي وتكاملها مع اقتصادات دول المجلس، من ناحيةٍ أخرى سيسهل تواصل الأردن الجغرافي وصغر حجم سكانها من عملية اندماجها مع دول المجلس. وسعد الكثير من سكان الأردن والمغرب بإعلان نية مجلس التعاون البدء في مباحثات انضمام بلديهما، ما سيدعم قرار حكومتي البلدين في مساعيهما للانضمام. ومع هذا فإن مسيرة انضمام المغرب والأردن لن تكون سهلة وسريعة، بل ستمر بمرحلة مفاوضات طويلة وشاقة وبفترة انتقالية قد تصل إلى عشر سنوات أو أكثر، وذلك بسبب التباين الكبير بين هياكل الاقتصادات الخليجية واقتصادي المغرب والأردن. وتمثل الفروق الكبيرة بين متوسطات دخول الأفراد وهياكل الإيرادات والإنفاق الحكومي أهم العوائق الاقتصادية التي ينبغي التغلب عليها لدمج البلدين في المنظومة الخليجية. فمتوسط الناتج المحلي للفرد في الأردن وفي المغرب يبلغ نحو ربع وخمس نظيرهما في المملكة. وقد يحتج البعض بأن وجود تباين بين دخول الأفراد في دول المجلس الست لم يحل دون إكمال مسيرة التعاون بين هذه الدول، وهذا صحيح، لكن مستويات المعيشة بشكل عام تعتبر جيدة في دول المجلس الست، بينما يواجه كثير من مواطني الأردن والمغرب معاناة معيشية بسبب قلة إيرادات حكومتي البلدين وانخفاض مستويات الخدمات العامة وارتفاع مستويات الضرائب. وتقدم دول المجلس دعماً كبيراً لرفع رفاهية سكانها، كما يتمتع سكانها بمستوى خدمات حكومية ودعم اقتصادي مرتفع مقارنةً بالأردن والمغرب. وفي حالة السماح بحرية انتقال الأشخاص بين دول الخليج والمغرب والأردن فمن شبه المؤكد أن يترتب على التباين الكبير في معدلات الدخل الفردي والأجور والضرائب هجرة كبيرة للأيدي العاملة والأسر من الأردن، وسيحد بعد المغرب الجغرافي من هجرة العمالة المغربية والأسر إلى دول مجلس التعاون الخليجية، لكن سترتفع بقوة معدلات نمو العمالة المغربية في منطقة الحليج. وسيؤدي التدفق الكبير للعمالة في حالة إقراره إلى ضغوط كبيرة على أسواق العمل لمواطني دول المجلس إذا طبقت المعاملة الوطنية للعمالة المغربية والأردنية. وليس من المحتمل أن تسمح دول المجلس بحرية حركة العمالة إلا بعد المرور بفترة انتقالية تتقلص فيها فروقات الناتج المحلي للفرد بين دول المجلس وكل من المغرب والأردن. وسيتطلب تقليص الفارق بين معدلات الناتج للفرد جهود مضنية وقوية، ما قد يطيل الفترة الانتقالية لضم البلدين. أما بالنسبة للإيرادات الحكومية فتعتمد كل من المغرب والأردن على الإيرادات الضريبية المفروضة على المواطنين والشركات والتجارة الخارجية والخدمات الحكومية بدرجة كبيرة، وشكلت الضرائب مثلاً نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة المغربية في عام 2009، بينما تعتمد دول المجلس بالدرجة الأولى على الإيرادات النفطية وتنخفض فيها أهمية الضرائب والرسوم، حيث تشكل في المملكة أقل من 10 في المائة من إجمالي الإيرادات الحكومية. وستواجه حكومتا المغرب والأردن صعوبات حقيقية في حالة انضمامهما إلى مجلس التعاون وتشكيل اتحاد جمركي مع دوله، حيث ستنخفض من الوهلة الأولى إيرادات الرسوم الجمركية. ومن المرجح السماح للبلدين بحرية فرض رسوم أخرى أو رفع معدلات رسوم القيمة المضافة لتعويض خسائرهما من تراجع الإيرادات الجمركية. وعند السماح بحرية حركة السلع ورؤوس الأموال والأفراد ستؤدي الفروقات الكبيرة بين مستويات الضرائب والرسوم بين دول المجلس الخليجية من جهة والمغرب والأردن من جهةٍ أخرى إلى هجرة كبيرة للصناعات والأفراد إلى المناطق المنخفضة ضريبيا. ومن المرجح، أن تعاني الأردن بشكل أكبر من هذه الهجرة بسبب قربها الجغرافي، ما سيخفض معدلات النمو الاقتصادي الأردني، ويقلل من فرص الأردن لردم الهوة الكبيرة بين الناتج المحلي للفرد في دول المجلس والأردن. وسيحد بعد المغرب الجغرافي من هجرة الصناعات المغربية والأفراد ورؤوس الأموال، التي تتكامل مع الاقتصادات الأوروبية بالدرجة الأولى. ولا تقتصر العقبات التي ستمر بها تجربة انضمام المغرب والأردن إلى دول المجلس على التباين بين معدلات الناتج المحلي للفرد ومستويات الضرائب، بل يوجد العديد من المصاعب على الأصعدة كافة التي ستواجه المفاوضين. ومهما كان حجم العقبات أو صعبت وتعقدت فمن الممكن التغلب عليها إذا توافرت النية الصادقة والإرادة والعمل الجاد والمنطقي والاستعداد للتضحية من كل الأطراف. وسيؤدي نجاح مجلس التعاون الخليجي في ضم المغرب والأردن إلى إمكانية توسعه مجدداً لضم دول عربية أخرى أو قيام عدد من الدول العربية الأخرى بتأسيس منظومات تعاونية مشابهة. *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل