المحتوى الرئيسى

بناء الدولة يبدأ بتشخيص الحالة المصرية

06/01 00:32

عاطف الغمري مصر تحتاج بالتوازي مع الإعداد لدستور جديد وانتخابات رئاسية وبرلمانية، إلى تحرير العقل الإنساني من عملية سطو منظمة ظل مستهدفاً بها سنوات طويلة، استكمالاً لعملية السطو على الدولة، فإن بناء الدولة، وفق استراتيجية حقيقية، يبدأ بتشخيص حالة البلد . وكان ذلك يجري بتفشي موجات من ترديد مزمن لمسميات لأوضاع وكيانات وسلوكيات وممارسات، لا علاقة حقيقية لها بمضمون ومحتوى هذه المسميات، وكان نشر هذا الزيف لمعاني الكلمات، هو ترويج لثقافة يراد لها أن تصير مستساغة ومقنعة، هذه الازدواجية للمعنى اللفظي وللحقيقة الفعلية هي بث مباشر للتشويش على حرية إعمال العقل ودفعه قسراً، إلى صياغة أفكاره وعلاقاته وفق الزيف الموجه وتعطيل التوافق العام حول هدف مجتمعي، يتقدم بالدولة ويحمي المجتمع من التشرذم الفردي والفئوي والطائفي . كان ما يجري شيئاً أشبه بالدراما الإغريقية، التي لا تقدم الواقع للناس، لكنها تقوم بمحاكاة الواقع، في قالب يضفي عليه المؤلف من خياله . وظلت اللغة اليومية لخطاب النظام السابق إلى المصريين، تلتزم اللفظ من دون المضمون الذي بقي مجرد لافتة، لكن ما وراءها شيء آخر . النماذج لا تعد ولا تحصى، منها على سبيل المثال: 1 الحزب الحاكم يرفق باسمه صفة الديمقراطية، والنظام يصف أداءه بالديمقراطية ويتباهى أحياناً بالقول إنها في أزهي عصورها(!)، بينما الدولة تدار بحكم استبدادي مطلق، قبضت فيه يد الرئيس على جميع السلطات، ومؤسسات يتصدرها مجلس الشعب، الذي يأتي بالتزوير، وقهر الإرادة الحرة للناخبين ولا تكفي آلة التشويش على العقل، يحق القول إنها الديمقراطية . 2 نظام يكابر في تكرار جمل بأن التعليم مجاني، والعلاج مجاني وحق للجميع، بينما التعليم في تراجع وتخلف، وأهالي التلاميذ الذين استعصى عليهم التعليم في المدارس، يضطرون لدفع فاتورة باهظة يتحصلون عليه في مراكز الدروس الخصوصية، ثم إن ما يجري في الكثير من المستشفيات الحكومية، أبلغ دليل على زيف لافتة العلاج المجاني . 3 التفاخر الكاذب بمعدل مرتفع شكلاً للتنمية، في حين أنه معدل رقمي أصم، لأن الدليل على أن هناك تنمية، تشهد عليه عدالة توزيع ناتجها، بين فئات الشعب، بصورة متوازنة . 4 ويتحدثون عن حماية الدستور الذي ينتهك جهاراً نهاراً على يد من يفترض أنه حاميه، فإلي أي سند دستوري يقول الرئيس السابق إن ابني يساعدني في تسيير شؤون الدولة؟ ثم يتواصل التمادي في انتهاك الدستور بعد أن نقل قبل عشر سنوات إلى ابنه إدارة شؤون الدولة، وليفعل بها ما فعله، وهو الذي ليست له أي صفة دستورية تخوله تقلد هذا الدور . إن التخلص من بقايا عملية السطو على العقل الإنساني، يحتاج إلى الكثير من خطوات تحصين الحياة السياسية في مصر، وهي متعددة ويمكن أن يكون من بينها: * أولاً: الحاجة الماسة إلى تعزيز استقلالية التفكير، فالمجتمعات تتقدم بإطلاق سراح عقول أبنائها، ليبدعوا ويبتكروا، ويصنعوا تقدم وعظمة بلادهم . * ثانياً: تعريف واضح للثوابت التي لاخروج عليها في تحديد هوية الدولة ومرجعياتها . * ثالثاً: الاهتمام الواجب بمفهوم الأمن الإنساني والذي جرى في السنوات الأخيرة تقنينه في مواثيق دولية، وفي أفكار المهتمين بالفكر السياسي المعاصر وحقوق الإنسان في العالم كمبدأ له خصوصيته . * رابعاً: ضمانات مقررة بقوة تحول دون انفراد المسؤول التنفيذي بالقرار، في عصر صارت فيه المشكلات أشد تعقيداً، ومثقلة بندرة متزايدة في الموارد، وزيادة وتعدد مصادر التهديد للأمن القومي، منها ماهو قادم من الخارج، ومنها ما هو كامن داخل الوطن وهو ما يعني أن القرار صار يحتاج إلى إطلاق الخيال من المسؤول، وبالرجوع إلى أهل الخبرة والتخصص، وفي هذا تعزيز لمفهوم دولة المؤسسات عملاً وليس لفظاً . * خامساً: إنهاء استمرارية العمل وفق أنماط ثابتة من الدفع إلى مجلس الشعب، بمن لا يملك العلم الذي يجعل لديه الإحاطة بالشأن العام أو من يفتقد أهلية التشريع ويجب أن تتغير مقاييس السماح بمن يحق له أن يترشح . باشتراط حد أدني من التعليم، أو على الأقل الخبرة العملية للفلاح الحقيقي مثلاً صاحب الخبرة الميدانية والتاريخية بالزراعة . * سادساً: لم تعد الحدود التقليدية تفصل الدول عن بعضها، بل انزاحت هذه الحدود بفعل ثورة المعلومات، ولم تعد السياسات بنظرياتها ومسمياتها القديمة، صالحة لزمن، طرأت فيه تغييرات هائلة على النظريات السياسية والاقتصادية التي كان مسلماً بها لعشرات السنين، وكثير منها سقط، أو صدئت قدراته على الفعل، لتحل محلها أفكار واقعية منتجة حديثاً تستجيب للتحولات الجارية في العالم، وللتطورات في المزاج النفسي للمواطن وهذه أمور تفرض قيوداً على حق من يعهد إليهم تنفيذ السياسات، ومراعاة أن يكون لديهم المعرفة بما يجري في العالم، وما يدور داخل بلدهم، ما ظهر، وما خفي تحت السطح . وبصفة عامة من المهم للغاية أن يكون الدستور الجديد، معبراً عن عصر لم يعد كسابقه، وعن مجتمع اختلف عما كان، ولا تقل أهمية عن ذلك، خطوة تحرير العقل الإنساني من السطو الذي استهدفه طويلاً، في عملية تشويش على قدراته في التفكير والاختيار، والتأثير الحر في مصير وطنه . قد يأتي إطار مبادئ الدستور متسعاً مستوعباً ذلك كله، وقد يستقر الرأي على أن يكون إطار مبادئه محدوداً، عندئذ قد يكون من الأهمية بمكان أن يتوازى معه إعلان مبادئ ملزم، تدرج فيه كل هذه الضمانات نقلا عن (الخليج) الإماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل