المحتوى الرئيسى

الإقصائيون الصيادون

05/31 17:01

بقلم: د. حلمي محمد القاعود لعل أصعب مرحلة في حياة الطفل، هي مرحلة الفطام، فهي من القسوة بمكان؛ حيث كان متعودًا على حضن الأم والاستمتاع بالحنان، وامتصاص الغذاء دون جهدٍ في التناول والمضغ، وتزداد القسوة إذا كان الفطام يتم بعد سنوات أكثر من السنوات المعتادة، فالطفل الذي يستمر في الرضاع سنتين مثلاً يختلف عن الذي يبقى إلى أربع سنوات، فالحالة الأخيرة تبدو شديدة القسوة على المفطوم، وتسبب له كثيرًا من المتاعب، وتحكمه بالعديد من التصرفات غير المتوقعة.   ويبدو أن هناك وجه شبه بين فطام الطفل بعد وقت طويل، وفطام النخب السياسية والفكرية التي عاشت في أحضان النظام المستبد الفاشي أو على حجره سنوات طويلة تصل إلى ستين عامًا، ولعل هذا ما يفسر تخبط تلك النخب وعنف خطابها الإرهابي ضد التحول إلى الديمقراطية وصندوق الانتخابات!   لقد منَّ الله على شعبنا بثورة عظيمة فريدة في التاريخ، توجت كفاحه وتضحياته على مدى ستة عقود، وأسقطت الكابوس الثقيل الذي صنعه الاستبداد المتوحش، والإجرام الذي لم يسبق له مثيل؛ وضخمته قوى الإرهاب البوليسي الفاشي ضد الشعب المظلوم، في أحط خسة، وأبشع نذالة.   لقد أكرم الله المصريين ليقدموا للعالم نموذجًا للثورة السلمية التي حرصت على تحقيق أهداف عامة لا يختلف عليها اثنان.. وفجأةً رأينا النخب الفكرية والسياسية التي عاشت في ظل النظام القديم البائد، تنقلب على ما اتفق عليه الشعب، وتسعى بكل وسائل الدهاء والمكر والمراوغة لتطيل الفترة الانتقالية، وتلتف على الإرادة الشعبية، ويسعى بعضها إلى تسمية وزير الدفاع رئيسًا للجمهورية، ووضع العجلة أمام الحصان بإقرار الدستور قبل انتخاب ممثلي الشعب، وانتخاب مجلس رئاسي مدني، وأشياء أخرى تتعلق بهوية الدولة ومستقبلها وظروف الناس فيها.   وخلاصة الأمر في هذا الالتفاف، هو إقصاء الإسلام والإسلاميين عن الدولة تمامًا.. كان مفهومًا في النظام البائد منذ ستين عامًا أنه يقصي الإسلام والمسلمين لصالح العدو النازي اليهودي، وسيده الاستعماري الصليبي، وكان الدافع إلى ذلك هو بقاء النظام في سدة الحكم بمعاونة الغرب والصهيونية، أما وقد سقط النظام وذهب إلى غير رجعة- إن شاء الله- فلماذا الإصرار على إقصاء الإسلام والمسلمين؟   إن الغريب بل العجيب أن تفرض الأقليات المحدودة التي لا وجودَ لها في الشارع، وتضم بعض المثقفين الحظائريين وكُتَّاب الأمن وصنائع الرائد موافي، والأحزاب الكرتونية، وعملاء النظام البائد، والمتمردين الطائفيين، إرادتها على الأغلبية الساحقة، وترتكب في سبيل ذلك جريمة نكراء أو خطيئة كبرى هي حرمان الشعب المصري، الذي قدَّم تضحيات جليلة في سبيل الحرية والكرامة والشرف من التعبير عن هويته الإسلامية، وإرادته الإنسانية، وحلمه المشروع في تداول السلطة ومقاومة الاستبداد، وتطهير البلاد من الفساد، وبناء الوطن على أسس من الإيمان والعلم والمعرفة والإدارة الناجحة.   للأسف فإن هذه النخب التي تمثل الأقليات الثقافية الحظائرية والسياسية الكرتونية والطائفية المتمردة، تسيطر على الإعلام والتعليم والثقافة والصحافة والنشاط الحواري في المنتديات والمؤتمرات، وتفرض نفسها بقوة الهيمنة على الجماهير، فلا يرى الناس غيرها، ولا يسمعون سواها.   والأخطر في الموضوع أن الهدف الرئيس الذي يجمع هذه الأقليات هو إقصاء الإسلام، بل التشهير به، ووضعه في خانة العدو الأخطر الذي يجب أن تحتشد له الأمة لتحاربه وتستأصله؛ لأنه في مفهومها ضد الحياة والإنسانية، وضد الحرية والديمقراطية والمواطنة والآخر غير المسلم، وهو يمثل الظلام والتخلف والتعصب والدموية وبقية الصفات الشريرة التي ترفضها البشرية والفطرة السوية.   تأمل تلك الحملات الضارية التي تتعرض لها الحركة الإسلامية بصفة دورية، فإذا أشبعت هذه النخب الإخوان المسلمين هجاءً وتشويهًا وتحريضًا عليهم، انتقلت إلى السلفيين وتحدثت عنهم ووصفتهم بكل النقائص، وإذا فرغت منهم انتقلت إلى الجهاديين، وهكذا..   لقد تصور الناس أن الثورة ستقضي على هذا الإقصاء، وتوقف التشويه والتشهير، وتتيح قدرًا من التسامح يتيح المشاركة والتآلف والتوافق، لخدمة الوطن المظلوم، ولكن يبدو أن الفطام بعد ستة عقود صعب أو مستحيل، ويحتاج إلى كثير من العناء والشدة.   في الإعلام والصحافة مثلاً لا تستطيع أن تنشر رأيك أو تعبر عنه إذا كان التصور الإسلامي هو منطقك وأسلوبك، فإذا جاءوا بطرف إسلامي في أحد البرامج، تجد أمامه العشرات من غير الإسلاميين، وعندما يقول جملة أو عبارة لم تأتِ على هواهم، اصطادوها وراحوا يفسرونها على هواهم، بعد اقتطاعها من السياق..   أما الأكاذيب التي تلصق بالإسلاميين، فحدث ولا حرج بدْءًا من أُذن القبطي الذي قالوا عنه كذبًا إن السلفيين أقاموا عليه الحد بسبب سلوكه الذي لم يعجبهم، ونشرت الكذبة في صدر أكبر الصحف الحكومية على مساحة ثمانية أعمدة، في سقطة مهنية مريعة لم يعتذروا عنها أبدًا، إلى هدم الأضرحة، وإقامة إمارة إسلامية في الإسكندرية لا يدخلها غير السلفيين.. إلخ.   وكل ذلك يتم في صياغة هجائية وضيعة تسبّ الإسلاميين، وتصمهم بأقذع صفات الشر والوحشية والتخلف، مع أن منهم المهندس والطبيب والصيدلي والصحفي والأستاذ الجامعي، والمعلم والصيرفي والموظف المرموق، فضلاً عن بقية أبناء الشعب المسلم الطيب المظلوم.   إن من يتأمل في الصحافة، يجد حفاوة غريبة بالكتاب الذين يخاصمون الإسلام ويعادونه لأسباب شتى، ونادرًا ما يكون هناك مقال أو موضوع يعبر صاحبه من خلال تصور إسلامي، بل إن الصحف الحكومية والخاصة تتعاقد مع خصوم الإسلام ليكتبوا بصفة منتظمة. وما كتاباتهم إلا تشهير بالإسلام وتشويه له وتخويف منه.. ومن المفارقات أن إحدى الصحف الخاصة الموالية للغرب اختارت لها الجهات الأجنبية المعنية الكتاب الرئيسيين الذين يكتبون فيها بصفة منتظمة منذ إنشائها حتى الآن، ومن الطرائف التي ليست طرائف أنها اختارت كاتبها الإسلامي الأول (؟!) من الكوادر الشيوعية الماوية التي كان لآرائها وقع الصدمة على جمهور المسلمين!   باستثناء الموضوعات الإنشائية التي توصف بالإسلامية، لا تجد حضورًا حقيقّيًّا لكاتب إسلامي بصفة دائمة، فعندما يتم اكتشاف كاتب من هذه النوعية يتم إقصاؤه على الفور أو تطفيشه بطريقة وأخرى، مع أنه لا يتقاضى مقابلاً مثل الماركسيين والليبراليين واللادينيين والطائفيين الذين تسخو عليهم الصحف وتجود بمبالغ طائلة، وكأنها تنفق لمحاربة الإسلام في حرب عدوانية مقدسة!!   ما يمكن أن تستنتجه من الواقع الصحفي في مصر، هو العمل الدءوب لإقصاء الإسلام والمسلمين، واستغلال كل مناسبة للهجوم الشرس على الثوابت أو التصورات أو الدعاة أو الحركات الإسلامية، بما يشيع في الوجدان العام أن الإسلام يمثل كارثة اجتماعية وإنسانية تجب مواجهتها ومقاومتها، وقد عشنا حتى رأينا الأطفال حين يشاهدون شخصًا ملتحيًا يشيرون إليه: هذا هو الإرهابي!   فأي ظلم يقع على الإسلام والمسلمين، نتيجة الكتابات الصحفية، والأحاديث الإعلامية، والحوارات الثقافية، وخاصة إذا انتقل الكلام المكتوب أو المقروء إلى شاشة التلفزيون، وشاشة السينما، ودراما الإذاعة؟   كانت مصر مشغولة بقضاياها الكبرى، وتبحث عن مستقبلها، وأحد الكتاب المغمورين يلح في مقالاته اليومية على أن مدرسًا في أعماق الريف يكفر نجيب محفوظ في المدرسة التي يعمل بها، ويقيم المذكور الدنيا ويقعدها دون دليل أو برهان اللهم إلا رسالة يزعم أن هناك من أرسلها إليه، وإذا ترك صاحبنا موضوع التكفير الممل الذي لا دليل عليه، ينتقل إلى مهاجمة النقاب والمنتقبات، وإذا فرغ من ذلك ذهب إلى الحديث عن الختان، والزواج المبكر، وهكذا ينتقل من موضوع هامشي إلى موضوع هامشي آخر، بينما الوطن يواجه بصدره العاري سادته المستبدين الفاشيين، ويدفع الضريبة غالية من دمه وقوته وحريته.   إن الإقصائيين الصيادين لا تعنيهم قضايا الوطن الحقيقية، ولا تهمهم الديمقراطية، ولا تؤرقهم مشكلات الحرية.. الذي يعنيهم أمر واحد: هو إقصاء الإسلام والمسلمين، حرصًا على مصالحهم، ووجودهم في صدارة المشهد الإعلامي مهما كانت النتائج.   لكن القوم تناسوا شيئـًا مهمًّا، وهو: مدى قبول الشعب المصري المسلم بإقصاء الإسلام.. هل سيرضى بذلك؟ وهل سيسلم بمحو هويته الإسلامية ليكون شعبًا طيبًا في نظر خصوم الإسلام وأعدائه؟   أعتقد أن الشعب المصري المسلم، عقيدة وحضارة، لن يفرط في إسلامه لترضى عنه نخب الأقليات الثقافية والسياسية والطائفية. فهو يعلم أن الإسلام يعطي الإنسان أفضل تشريع وأكمل تصور وأوفى منهج.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل