المحتوى الرئيسى

ديمقراطية أم ملوخية؟!

05/31 14:43

بقلم: د. محمد القاضي أعجب ما نراه في الواقع السياسي العالمي، والواقع العربي على وجه الخصوص هو الاختلاف حول فهم حقيقة الديمقراطية وكيفية تطبيقها.   إننا لو سألنا أي إنسان بسيط عن فهمه للديمقراطية لأجاب بكل بساطة: الديمقراطية أن تأخذ رأي الناس في أمر ما، ثم تلتزم برأي الأغلبية.   وليسمح لي القارئ أن أعطي مثلاً ساذجًا: "فلو أن أسرة تتكون من سبعة أفراد وتشاورت في أمر ما، فوافق أربعة ورفض ثلاثة، وجب أن نأخذ برأي الأربعة"، إذن أمر تطبيق الديمقراطية سهل وبسيط.   ولكننا إذا نظرنا إلى الواقع السياسي العالمي لوجدنا الاستثناءات من الخضوع لرأي الأغلبية كثيرة؛ ففي مجلس الأمن والأمم المتحدة يوجد ما يسمى بحق الفيتو، وهو أن تعترض دول معينة على قرار ما، مهما كان رأي الأغلبية؛ فيصبح رأي الأغلبية كأن لم يكن، ولا قيمة له، ولا يترتب عليه أي أثر! (وليتذكر معي القارئ كم مرة وقف الفيتو حجر عثرة في وجه أي قرار يدين "إسرائيل" وجرائمها في فلسطين).   وهنا أعود مرةً ثانيةً إلى المثال الساذج الذي ذكرته من قبل، فلو أن ثلاثة من سبعة أفراد في أسرة واحدة رفضوا أمرًا معينًا، وكان من هؤلاء الثلاثة الرافضين رب الأسرة، فقال للجميع: ما دمت رفضت فلا بد أن تنفذوا رأيي.. كيف تقف دولة واحدة أمام إجماع العالم كله على رأي واحد، ثم تزعم بعد ذلك أن هذه الدولة تمثل قمة الديمقراطية في العالم؟!   ومن عجائب الديمقراطية كذلك أن بعض الجهات تعتبر صوت المسئول أو المدير أو الرئيس بصوتين، وخاصة في حالة تساوي الأصوات.مهما كان المنصب ومن يشغله لا يمكن أن يستوعب أحد أن يكون لإنسان صوتان، ولبقية خلق الله صوت واحد، هل هذا الذي له صوتان على رأسه ريشه، أم عنده مخان وبقية الناس عندهم مخ واحد، يبدو أننا نحتاج إلى التأكد من هذا الافتراض، ومن ثم يجب أن نكسر دماغ أي رئيس، ونبحث عن مخ آخر إلى جوار مخه الطبيعي، وليس ببعيد أن نجد ثلاثة أمخاخ أو أربعة..   وعلى سبيل الطرافة نتذكر من قال: أشكر الذين قالوا لا، وأشكر الذين قالوا نعم، وأخص بالذكر (أمه نعيمة) لأنها قالت: نعمين.   وفي بعض الممارسات التي تسمى بالديمقراطية تجد التزوير يسيطر على العملية الانتخابية من أولها إلى آخرها، بدءًا من كشوف الناخبين إلى منع الناخبين بشتى الطرق عن التصويت حتى لو وصل الأمر إلى الضرب والمنع أو الاعتقال، ومع ذلك توصف العملية الانتخابية بعد كل ذلك بقمة الديمقراطية.   وربما يذكر التاريخ قصةً طريفةً لنوع من الديمقراطية، كان في مصر في فترة ما قبل الخمسينيات عندما ترشح النقراشي باشا لانتخابات مجلس النواب، واعتمادًا على أمية عدد كبير من الناخبين وجهلهم بالقراءة والكتابة، كان يقف في اللجنة شخص تابع للنقراشي باشا، ويسأل كل من يدخل إلى اللجنة قائلاً: (تقرا ولا ما تقراش يا حاج) فيرد الرجل: (منقراشي يا بيه)، فيقول هذا الشخص لرئيس اللجنة: بيقول لك هو اختار النقراشي).   وفي عالمنا العربي ربما تكفيك الفئة الحاكمة العملية الانتخابية برمتها، وتقوم بتسويد البطاقات لصالح مرشح معين، ووضعها في الصناديق وهكذا.   وأعجب صور الديمقراطية في عصرنا أن يحصل مرشح ما في سباق الانتخابات على 25 ألف صوت، ويحصل مرشح آخر على 5 آلاف صوت، فيعلن رئيس اللجنة فوز المرشح الذي حصل على خمسة، فالخمسة في عرف هذا النوع من الديمقراطية أكبر من خمسة وعشرين.   إنها بحق صور متعددة ومتنوعة لديمقراطية العصر التي من الممكن أن نسميها ديمقراطية بالملوخية.   وهنا نسوق هذا المثال العظيم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، عندما استشار المسلمين في أمر الخروج لملاقاة كفار قريش خارج حدود المدينة في غزوة أحد، وكان الرسول ومعه عدد من كبار الصحابة يرون عدم الخروج، والبقاء بالمدينة للتحصن فيها، فيصعب على كفار قريش اختراقها، ولكنَّ عددًا كبيرًا من شباب الصحابة، وممن لم يحضروا بدرًا تحمَّسوا للخروج لملاقاة قريش، وكان رأيهم هو رأيي الأغلبية؛ فنزل الرسول عن رأيه، وأخذ برأي الأغلبية، ولم يقل يومها صوتي بصوتين، أو رأيي هو الغالب فأنا رسول الله، وخاصة أن معه كبار الصحابة..وخرج الرسول لملاقاة قريش خارج المدينة عند أحد، وهزم المسلمون في أُحد ومع ذلك لم يلقِ الرسول باللائمة على من أشاروا بضرورة الخروج لملاقاة كفار قريش.. هذه هي ديمقراطية الإسلام الحقيقية، وهذا هو الإسلام في عظمة تطبيقه لمبدأ للشورى.   واليوم في مصر على الرغم من قول قطاع كبير من الشعب (نعم) في الاستفتاء على الدستور، خرج علينا من يقول: إن الناس وقعوا تحت ضغط فئات معينة لها أجندتها الخاصة، أو إن الناس لا يفهمون ما يصوتون عليه، أو إن الناس قالوا نعم لشيء آخر غير الموافقة على الدستور، وقال بعضهم: إن الواحد من الذين قالوا (لا) يعدل مائةً أو ألفًا من الذين قالوا نعم.. (جايز علشان عنده مائة مخ)،ة وهكذا رأينا أنفسنا نعود مرةً ثانيةً إلى الديمقراطية بالملوخية التي يعشقها العالم العربي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل