المحتوى الرئيسى

خيال المآتة

05/31 08:10

تبدأ بعض الدعوات المتعلقة بتغيير أسس نظام الحكم فى البلاد خافتة هادئة مع أحقيتها فى تصدر صورة المشهد السياسى، ثم مع توالى دعمها من قبل المتخصصين من أساتذة القانون والعلوم السياسية تبدأ فى تبوأ مكانها فى صدارة المشهد، وكانت من تلك الدعوات فكرة أن يسبق الدستور الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بدأت الفكرة هادئة كأحد المطالب الأساسية للثورة ثم انقلبت إلى هادرة خلال الأسابيع والأيام القليلة الماضية عندما بدا واضحاً أنه لا استجابة ولا تقدير لها، بدعوى أن الشعب اختار عكس هذا الطريق فى التعديلات الدستورية الماضية، ونحن نعلم جميعاً كيف جاءت هذه النسبة بالموافقة التى اختلط فيها الصدق بالكذب والحقيقة بالادعاء والدين بالسياسة. المهم وإلى حين انتهاء هذا الجدل الدائر الآن فيما يتعلق بسبق الدستور أو تأخيره، فإن هناك فكرة أخرى بدأت ولن أمل من طرحها– مع غيرى- لخطورتها ولعظم تأثيرها على كيان وتوجهات وأداء البرلمان المقبل ألا وهى فكرة التمسك بالإبقاء على نسبة الخمسين فى المائة على الأقل من العمال والفلاحين فى تشكيل مجلسى الشعب والشورى القادمين، ذلك أنها وببساطة كفيلة بأن تفقد البرلمان قوته وفاعليته فى الرقابة وفى التشريع فى الوقت الذى ننتظر فيه مع مصر الثورة برلمانياً يساوى وزنها الجديد، ويعيد إقناعنا بأن فى بلدنا هيئة تشريعية حقيقية ونواباً حقيقيين. وليس خافياً على أحد أن فرض تلك النسبة الغالبة فى مجلس الشعب المصرى، وبعده مجلس الشورى قد جاءت بمبادرة من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى بداية الستينيات عندما اقترحها تعويضاً للعمال والفلاحين عن سنوات طويلة ماضية من إهدار مطالبهم وحقوقهم، ودفعاً لهم للانخراط فى مجال العمل السياسى الذى يخوضونه للمرة الأولى، وكان ذلك أيضاً اتفاقاً مع ميول مصر الاشتراكية فى تلك الفترة- وكما قيل– كانت لدى عبدالناصر النية فى إلغاء تلك النسبة مع دورتين تشريعيتين لاحقتين فقط، لكنها بقيت واستتبت وتمسكت بالأرض ومازالت لمدة تقرب الآن من خمسين سنة، وضمنت بها أنظمة الحكم السابقة برلماناً مستأنسا خاملاً خانعاً لايعرف إلا «موافقة.. موافقة» على أعظم شؤون الأمة وسلطاتها وهى سلطة التشريع وإقرار السياسة العامة للدولة والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والموازنة العامة والرقابة على السلطة التنفيذية وترشيح رئيس الجمهورية ...إلخ. الآن وبعد نصف قرن لم تعد تلك النسبة لها وجود فى برلمانات العالم إلا فى مصر، خاصة مع زوال الأنظمة الشيوعية، ولم يعد لها وجود فى المجالس المحلية وإن بقيت عندنا أيضاً واكتسب العامل والفلاح ميزة دستورية ليست لمواطن غيره كالطبيب والمهندس والمدرس، ميزة يكتسح معها مقاعد البرلمان ببساطة وسهولة ثم سرقها منه لواءات ورجال أعمال وسفراء ببطاقات مزورة ومدفوعة الثمن فأصبحت نسبة الخمسين فى المائة على الأقل للعمال والفلاحين وللمزورين يدعمها شرط عدم اشتراط أكثر من معرفة القراءة والكتابة لعضو البرلمان وتؤكد عليها الآن تعديلات دستورية على دستور مات جاءت (نعم) لتمنحه قبلة الحياة من جديد. الآن يتشكل مستقبل مصر ونضع لبناته لنا ولأجيال بعدنا ولن ترحمنا محكمة التاريخ إذا ما رأينا الخطأ وتجاهلناه، وإذا ما وضعنا يدنا على موضع الداء وتركناه يستفحل لتضيع سنوات وسنوات أخرى مع برلمان كخيال المآتة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل