المحتوى الرئيسى

رؤيتي للقرن العشرين

05/31 01:26

في مفتتح عام‏1900‏ صدر كتاب يمكن أن يقال عنه إنه فاتحة القرن العشرين‏,‏ عنوانه بحوث في المنطق لفيلسوف اسمه ادموند هوسرل‏.‏ ولد في نفس العام الذي ولد فيه فرويد وهو عام‏1859. وفي نفس المقاطعة واسمها مورافيا من أقاليم الامبراطورية النمساوية, وكان مثله يهوديا. ومع ذلك فثمة تناقض بينهما, فقد كان فرويد مهموما بالكشف عن خبايا اللاوعي في حين أن هوسرل كان متفرغا للكشف عن مسار الوعي. والسؤال اذن: ما هو مسار هذا الوعي؟ جواب هوسرل أن الوعي اذا أراد أن يكون علي وعي بذاته فان عليه أن يسير متجها نحو الأشياء الموجودة في العالم الخارجي. وقد أطلق علي هذه الأشياء لفظ الظواهر لأنها تظهر لنا دون أن تخفي شيئا. ومعني ذلك أن الوعي علي علاقة عضوية بـالظواهر. والباء هنا مهمة للغاية لأنها تمنع انفصال الوعي عن الظاهرة. ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار: كيف نشأت فكرة الوعي بـ الظواهر عند هوسرل؟ نشأت عندما كان هوسرل يقرأ مؤلفات الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت(1596-1650) ولقبه أبو الفلسفة الحديثة, لأنه هو الذي أخرج أوروبا من العصور الوسطي المظلمة إلي العصور الحديثة وذلك بتحرير الانسان من طغيان السلطة الدينية. والسؤال اذن: كيف حرر ديكارت الانسان من ذلك الطغيان؟ تشكك في أدوات المعرفة من حواس وعقل لأنها من الممكن أن تخدع, وتشكك في كل ما ورثه من السلف لأنه مملوء بكل ما هو غامض, ولم يبق له بعد ذلك سوي وعي لاعلاقة له بأي شئ. واستمر الحال علي هذا النحو إلي أن جاء هوسرل فانتقد ديكارت وأعلن أن الوعي هو وعي بـالظواهر والباء هنا هي همزة الوصل. ومن هنا يمكن القول إن ثورة هوسرل, في القرن العشرين, تكمن في الباء. والسؤال اذن: ماذا يفعل الوعي بـ هذه الظواهر؟ يقوم بتطهيرها من الموروث حتي يمكنه وصف الظواهر علي نحو ما نراها في الحياة اليومية, أي تطهيرها من المعتقدات. ولكن ليس معني التطهير نفي المعتقدات. وقد يبدو هنا أن ثمة تناقضا, إذ لدينا معتقدات, ولدينا في الوقت نفسه قدرةعلي نفيها. كيف؟ عندما تكون لدي معتقدات فانني أكون منخرطا فيها, ومن ثم أكون متوحدا معها. ولكن عندما أريد تحليلها فأنا أعزل الوعي عن هذا الانخراط, وفي هذه الحالة أكون مؤهلا لنقد هذه المعتقدات إلي حد نفيها. ومهمة الوعي, هنا, تكمن في وضع المعتقدات بين قوسين حتي يمكن تحليلها ونقدها. ومن شأن الشك أن يدخلك في أزمة. وقد شعر هوسرل بهذه الأزمة, ومن ثم ألف كتابا عنوانه أزمة العلوم الأوروبيةفيما بين عامي1935 و1936, أي بعد استيلاء هتلر علي السلطة في ألمانيا في عام1933 والسؤال اذن: هل ثمة علاقة بين عنوان الكتاب ودكتاتورية هتلر؟ إن هوسرل, في ذلك الكتاب, ينشد أن تكون الفلسفة كلية وشاملة, أي تضم كل العلوم سواء كانت انسانية أو طبيعية, أي أن تكون الفلسفة موحدة لكل العلوم. وحيث إن العقل كامن في الفلسفة فتكون العقلانية هي الأساس. ولكن اللافت للانتباه أن العلوم, في زمن هوسرل, كانت متفرقة لأنها كانت منفصلة عن بعضها البعض, ومن ثم فان كون الانسان عاقلا يجعل العقل موضع تساؤل لأنه لا يقبل انفصال العلوم بل ينشد توحيدها. واذا كانت معرفتنا بالله مؤسسة علي العقل فان الله, في هذه الحالة, يصبح موضع تساؤل ومن هنا شاع القول بأن فلسفة هوسرل قد هيمنت علي الفلسفة الألمانية فيما بين الحربين العالميتين, ثم تبنتها السلطة الكاثوليكية التي كانت متشككة في ديكارت لأنه تشكك في التراث فأذاعت أن هوسرل أفضل منه. ومع ذلك لم يتوقف القول بأن ديكارت هو أبو الفلسفة الحديثة. والسؤال بعد ذلك: هل نقد التراث ممتنع دينيا ؟ المزيد من مقالات مراد وهبة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل