المحتوى الرئيسى

الأمر بعلو الهمة في القرآن الكريم بقلم:المحامي الدكتور مسلم اليوسف

05/31 00:20

الأمـر بعـلو الهـمة في القرآن الكريم تأليف المحامي الدكتور مسلم اليوسف بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا ِِإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله..... { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ( سورة آل عمران: 102) { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} ( سورة النساء: 1) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ( 70 ) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } ( سورة الأحزاب:70،71 ) أما بعد: يقول ابن القيم : ( علو الهمة ألا تقف النفس دون الله -  - ، و ألا تتعوض عنه بشيء سواه ، و لا ترضى بغيره بدلا منه ، و لا تبيع حظها من الله و قربه ، و الأنس به و الفرح و السرور ، و الابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية ، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور ، لا يرضى بمساقطهم ، و لا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم ، فإن الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها ، وكلما نزلت قصدتها الآفات ) ( ). لذلك كان الله -- في آياته الكريمة يحرص أشد الحرص على شحذ همم العباد ؛ و الأمر بذلك ، و الرقي بهم للوصول إلى المبتغى الأسمى ، و من ذلك قوله تعالى : ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ، و الخيرات هنا جمع : خيرة ، و هي الفاضلة من كل شيء ، و الخطاب للمؤمنين ، أي : بادروا أيها المؤمنون إلى ما به السعادة في الدارين من استقبال القبلة ، و لا تنازعوا من خالفكم ، إذ لا سبيل إلى الاجتماع على قبلة واحدة لجري العادة على تولية كل قوم قبلة يستقبلها ، أما أمر المؤمنين بطلب التسابق فيما بينهم دلالة على طلب سبق غيرهم بطريق الأولى ، و قيل : يحتمل أن يراد بها الصلوات الفاضلات ، و المراد بالاستسباق : السرعة فيها ، و القيام بها من أول أوقاتها ( ). يقول السعدي - رحمه الله - في تفسير هذه الآية : ( الأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات ، فإن الاستباق إليها يتضمن فعلها ، وتكميلها ، و إيقاعها على أكمل الأحوال ، و المبادرة إليها ، و من سبق في الدنيا إلى الخيرات ، فهو السابق في الآخرة إلى الخيرات ، فالسابقون أعلى الخلق درجة ) ( ). و لهذا نجد أن الله - تبارك و تعالى - من خلال الآية السابقة ، و الكثير من الآيات الكريمة قد أكثر من استخدام أسلوب الأمر ، و أسلوب شحذ همم العباد ، فكان كثيراً ما يحض المؤمنين على عمل الطاعات ، و سلك طريق النجاة ، فأمر جل وعلا هذا الأمر ، فلابد أن يستجيب العبد ، و انشغل بهمته للوصول إلى مرضاة الله تعالى ، فأصبح العبد ؛ و أمسى ؛ و ليس همه إلا الله وحده ( ). فالله تعالى دائماً ما يحث المؤمنين على علو الهمة ، و يحرص على تربية المسلمين ، و زرع الخير في نفوسهم ، فيأمرهم بالتسابق في الخيرات ، فما الإسلام إلا إيمان وعمل ، و هما مقترنان ، و العمل هو الدليل المادي لعلو الهمة ؛ و سموها ؛ و رفعتها . و ها هو أمر الله تعالى يتجلى بطاعة نبيه ، و رسوله -  - فمن أحب الله تعالى أطاعه ، و أطاع نبيه -  - ، و من أطاعهما اجتهد و تعب ، ولم يركن بل استنفذ كل طاقاته ليستجيب لأمر الله ، فالله تعالى عليم أن المؤمن لا يطلب إلا الحق ، و لا يسعى إلا للوصول إليه . يقول تعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ) . فقد بين الله تعالى في هذه الآية أن هنالك أمة من الناس آمنوا ، و قالوا : ربنا الله ، و استقاموا على ذلك العمل ، و قد ارتفعت همتهم إلى دعوة غيرهم ، و هم أحسن قولاً بلا شك ( ) . و هنا يخبر الله تعالى أن التفاضل بين البشر لا يكون إلا بالإيمان ، و العمل الصالح ، و الهمة الوقادة التي تقودنا إلى طريق الله ، فكأنه يقول لنا : إن أردنا أن نفوز فما لنا إلا طريق الإسلام ؛ و الفلاح ، فقد استخدم الله تعالى في هذه الآية أسلوب التلميح بالأمر ، فهو لم يأمرنا بشكل مباشر ، و لكنه أخبرنا إن أردنا أن نكون من أتباعه ، فما علينا إلا أن نحرك هممنا ، و نشحذها ، و أن لا نقف دون الله تعالى . و من ذلك قوله تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) . قال ابن عاشور- رحمه الله – في تفسير هذه الآية : ( الخبر في قوله مستعمل في الإلهاب ، و تحريك الهمم لمراعاة الإيمان ، و كراهة الكفر ؛ و الفسوق ؛ و العصيان ) ( ). و يقول الله تعالى : ( وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) . ، أي : أن الله تعالى أمر العلماء أن يتكلفوا الفقاهة فيه ، و يتجشموا ( ) المشاق في أخذها ، و تحصيلها ، ليجعلوا غرضهم ، ومرمى همتهم في التفقة ، و إنذار قومهم ، وإرشادهم ؛ و النصيحة لهم ( ). فالله -  - أمر عباده المؤمنين بالتفقة ، و أن يتعلموا العلم الشرعي ، ويفقهوا أسراره ، و ليعلموا غيرهم ، و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ، فالله سبحانه أمر ، و حث على علو الهمة في طلب العلم ، و التفقة ؛ و إنه من أهم الأمور ، و أن من تعلم علما ، فعليه نشره ؛ و بثه في العباد ، و نصيحتهم فيه ؛ فإن انتشار العلم عن العالم ، من بركته ؛ و أجره الذي ينمى له ( ) . إن الله تعالى استخدم أسلوب الأمر المباشر في خطاب المؤمنين ، و خص العلماء منهم ، و دعاهم إلى أن يحسنوا استغلال هممهم ، و يعلموا أن غاية الله من أمرهم هو أن يكرسوا علمهم ، و يستثمروا هممهم في إبلاغ هذا الدين للبشرية جمعاء ، و هذا أمر صريح من الله لعباده المؤمنين أن يشمروا عن أيديهم لدخول ميدان التنافس ، و التسابق ؛ و رفع الهمم . يقول الله تعالى : ( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ ) . إشارة إلى الرحيق المختوم الوجود في الجنة ، و ليتنافس ؛ و ليرغب فيه المؤمن ، لا في خمور الدنيا ، و المتنافسون هم : الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله تعالى ، وقيل : إي ليعمل لأجله ، أي : لأجل تحصيله خاصة ، و الفوز به من العاملين به ، و ذلك من خلال قوله تعالى : ( لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) . ، أي فليستبق في تحصيل ذلك المتسابقون ، و أصل التنافس : التغالب في الشيء النفيس ، و أصله من النفيس لعزتها ، و هو الذي تحرص عليه نفوس الناس ، و يريده كل واحد لنفسه ، و المنافسة : مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل ، و اللحوق بهم ، و هي بهذا المعنى من شرف النفس ، و علو الهمة ، و هذا الأمر أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفاس ، و أحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال ، فهو مطلب يستحق المنافسة ، و هو أفق يستحق السباق ( ). فالله تعالى دائماً ما يشحذ عباده ، و يبعث فيهم روح التنافس ، و يأمرهم بالتسارع و التنافس ، فما كان منهم إلا أن تشتعل في نفوسهم شرارة العزم ، فتحرق مخزون الكسل . و من ذلك قوله تعالى : ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِينَ ) يقول ابن كثير – رحمه الله - في تفسير هذه الآية : ( نَدبهم الله تعالى إلى المبادرة إلى فعل الخيرات ، و المسارعة إلى نيل القُرُبات ) ( ). فانظر كيف أن الله تعالى ، قال في كثير من الآيات ، و أمر بالمسارعة ، والمسابقة إلى الخيرات ، و ما ذاك إلا دعوة إلى علو الهمة ، و العزيمة لتحقيق رضا الله تعالى . 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل