المحتوى الرئيسى

الدوري.. شيخ المؤرخين العرب

05/31 12:41

حسين نشوانيذهب التدوين الكلاسيكي في التاريخ إلى وقائع الماضي وأحداثه، غير أن المؤرخ العراقي الراحل عبد العزيز الدوري (1919-2010)، نسخ ذلك المفهوم بجعل التاريخ علم المستقبل عبر "استقراء الظروف والتطورات التي أدت إلى ما حصل وربما للتطلع إلى المستقبل"، وهو ما نبهه إلى دعوة "إعادة كتابة التاريخ من منظور قومي".ويعرّف الدوري التاريخ، بأنه موضوع حي يقوم بدور بليغ في الثقافة، وفي التكوين الاجتماعي والخلقي، وله أثره في فهم الأوضاع القائمة وفي تقدير بعض الاتجاهات والتطورات المقبلة، وهو يتأثر بالتيارات الفكرية وبالتطورات العامة، ويعيب على المؤرخين العرب القدامى تفاسيرهم العديدة للتاريخ العربي وللتاريخ البشري كله، ومنهم ابن خلدون الذي فسر التاريخ تفسيرا حضاريا اجتماعيا.وصف أستاذ التاريخ د. علي محافظة الراحل الدوري بأنه صاحب مدرسة خاصة به في التاريخ العربي الإسلامي تعتمد المنهج الاقتصادي، تخرجت على يديه أجيال من المؤرخين العرب المنتشرين في مختلف بقاع الوطن العربي. حجاب المعاصرةورغم معايشته للتاريخ قراءة وتحليلاً وتدويناً، وما شاهد من تحولات وأحداث عاصفة وحروب فلسطين والعراق وانقلابات وتقلبات بين الحكم الملكي والجمهوري إلا أن الدوري ظل مقتنعاً أن "المعاصرة حجاب"، فبقي صامتاً نائياً بنفسه إزاء الراهن، مغلقاً على نفسه غرفة الدرس، مترهبناً في صومعة البحث تاركاً أمر الحاضر لتلاميذه.لم يعرف عن الدوري الحاصل على بكالوريوس شرف في التاريخ عام 1940 وعلى الدكتوراه عام 1942 من جامعة لندن أي ميول سياسية إلى جهة أو حزب طوال فترة حياته.غير أنه وقف موقف المؤيد لحلف بغداد منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وكتب في الصحف البغدادية وقتها بأن العراق بحاجة إلى هذا الحلف لأنه يقوي العراق ويحميه من أي اعتداء، واعتقل متهماً بمساندته للحلف والدعاية له وأحيل إلى محكمة الشعب وسجن ثلاث سنوات ثم عفا عنه عبد الكريم قاسم.أصبح رئيساً لجامعة بغداد في عهد عبد السلام محمد عارف 1964، ثم غادر العراق عام 1968 إلى لبنان، ودرس في الجامعة الأميركية وعدد من الجامعات الغربية، قبل أن يستقر في الأردن مدرساً بالجامعة الأردنية ومقيماً حتى وفاته.ويأتي فكر الدوري وقراءته القومية للتاريخ في سياق الانقسامات والثنائيات التي عاشها الوطن العربي بعد أفول الاستعمار للبحث عن هويته بين "التأصيلي والتوفيقي" ليجد نفسه في منطقة المزاوجة بين التراث والمعاصرة. "يجيء فكر الدوري وقراءته القومية للتاريخ في سياق الانقسامات والثنائيات التي عاشها الوطن العربي بعد أفول الاستعمار للبحث عن هويته بين التأصيلي والتوفيقي"عقل الأمةضمن منهجه التحليلي المختلط بين "المادي والتاريخي" أو الشامل، راهن الدوري على حيوية عقل الأمة في النهضة والتقدم الحضاري ودورها الحضاري، وليس على أعمال الأفراد وجهودهم، رابطاً ذلك بما يتجلى في النشاط الاقتصادي "إذا لم تتوفر بدايات حركة ونهوض، لا يمكن لفرد أن يغير كثيراً"، ويمنح العوامل الداخلية أهمية وأولوية في التأثير والتحولات. ظل وجعه مقيماً لفراق بغداد التي ولد فيها ومات غريباً عنها ودفن في العاصمة الأردنية عمان، متألماً لمصاب العراق، غير أنه لم يفقد تفاؤل الفيلسوف وصبر الحكيم وعمق الباحث البصير الذي يراهن على التغيير "أحوال لا يمكن أن تستمر، ولا يمكن أن تفضي إلى التفكك والتحلل، في تاريخ العراق وتكوينه وفي شعبه من المقومات التي تحفظ التماسك".مالت قراءات الدوري الذي لقب بـ"شيخ المؤرخين العرب" إلى "التنظير"، وربما ما يفسر ابتعاده عن تقلبات الواقع بسبب الأذى السياسي، ولمعاناة عاشها في بلده بعيد ثورة العام 1958، فركز على الحقب التأسيسية والمحطات الفاصلة في تاريخ بناء المجتمع والدولة.وقفت دراساته عند حقبة صدر الإسلام والعصر الأموي، والثورة العباسية، وبحوثه في التاريخ الاقتصادي وظاهرة "الشعوبية"، ولم يعتن بالمراحل المتأخرة والعصر العثماني، مكتفياً برصد تبلور الفكرة القومية في الوعي والواقع الأوروبي منذ مطلع القرن التاسع عشر. كما تناول الدوري الذي يجيد الإنجليزية والفرنسية، وله علاقات وثيقة وصداقة مع كبار المؤرخين في مقدمة في تاريخ صدر الإسلام "مسائل العصبية"، و"الدولة والمؤسسة"، و"الأمة والدين والفتوح" و"العروبة والإسلام التكوين التاريخي للأمة العربية"، و"الدولة القُطرية، و"عروبة الثورة والدولة العباسية". ويعود إليه الفضل في التفرقة بين "الجزية والخراج"، والتمييز بين "الإقطاعين الإسلامي والأوروبي، فالإسلامي يركز الأرض والثروة بيد الدولة، بينما يفكك الإقطاع الأوروبي الوسيط الدولة الكلاسيكية لصالح لامركزية واسعة" وفق رضوان السيد. فلسفة التاريختعرضت كتابات الدوري للنقد، وتحديداً حول مقدمة في تاريخ صدر الإسلام بأنه "لا يتضمن نظرية في فلسفة التاريخ العربي ومفهومه، بل تحقيباً وترتيباً". بينما ينطوي كتابه التكوين التاريخي للأمة العربية، وفق رضوان السيد على رسائله في القومية والشعوبية وجغرافية الانتشار العربي، وردود العروبيين على الشعوبيين.ولا يحبذ  الدوري الالتزام بـ "فلسفة تاريخية معينة وتطبيقها على التاريخ"، فالفلسفات التاريخية، برأيه، رهينة بظروف نشأتها، ويأخذ باحثون، ومنهم د. وليد نويهض، على الدوري وضعه العروبة أو "القومية العربية"، في مواجهة الإسلام على الرغم من محاولته مراراً ربط الإسلام بالعرب والعروبة بالمسلمين.ويرى أن تحليله في المسألة، هو أقرب إلى"المؤامراتية" منه إلى العلمية، كما يؤخذ عليه نزعته التأويلية، غير أن قراءاته للشروط التي أنتجت المجتمعات الإسلامية تمثل مؤشراً مهماً لفهم الحاضر. التاريخ الاقتصادي "ينتمي  الدوري إلى جيل من المثقفين يكاد يكون نموذجياً في توافره على الجمع بين رصانة العلم والتواضع"مي مظفروكان يتفاعل ويبحث ويحفر في التاريخ ويبحث ويشارك في المؤتمرات والحوارات، ويناقش التيارات الجديدة في كتابة التاريخ الإسلامي مع طلبته بروح الأب والصديق والعالم والمفكر، ويرد على مناهج الدارسين الغربيين والمستشرقين.وتؤكد  الكاتبة العراقية مي مظفر أنه "ينتمي إلى جيل من المثقفين يكاد يكون نموذجياً في توافره على الجمع بين رصانة العلم والتواضع، نشأ من قلب الثقافة العربية وذهب إلى أقصى تخوم المعرفة الحديثة ليقيم جسراً بين ثقافة أصيلة وثقافة مكتسبة أوجدت مراحل من التطور والبناء الفكري".من جهته يقول الباحث إبراهيم غرايبة إنه "أسس لخط جديد في كتابة التاريخ يقوم على المنهج الاقتصادي"، ووفق د. مهند مبيضين فقد استطاع الدوري أن "يؤسس لمنهج تاريخي وفتح حقول معرفية جديدة، وهو لم يكن موثقاً أو جامعاً أو محققاً، فحسب، بل كان مؤولاً ومفسرا للتاريخ". ومن أبرز مؤلفاته "نشأة علم التاريخ عند العرب" سنة 2005 و"التكوين التاريخي للأمة العربية.. دراسة في الهوية والوعي" بيروت، 1984 و"الجذور التاريخية للقومية العربية" بيروت، 1960 و"مقدمة في تاريخ صدر الإسلام"، 1950" وغيرها.شكل الدوري مع أبناء جيله محطة في الفكر التأريخي العربي، وقد مثل رحيله أفول "الجيل الثالث"، وهو الجيل الذي كان هو وابن موطنه د. صالح أحمد العلي أبرز شخصياته، وفق المفكر اللبناني رضوان السيد.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل