المحتوى الرئيسى

ظلال اللحظة الرمادية بقلم:د.حسين ابو النجا

05/30 22:35

قصة:د.حسين ابو النجا المهم الآن أن تلف بالورق المقوى امرأة ناضجة تستطيع أن تملأ الأعماق الفارغة التي تحملها في صدرك وأنت الرجل الأسمر ذو التقاطيع العادية ،وابتسم الرجل الجالس إلى طاولة منزوية بأحد المقاهي العامة التي يكثر فيها هذا النوع من النساء، وعندما تدق الساعة المعلقة بالحائط المواجه للباب ست دقات بعد منتصف النهار يبدأ في الزحف إلى عروق الرجل نشاط ملحوظ، ويضع الآن سيجارة أمريكية في فمه ثم ينادي النادل: -يا سيد. يجيء النادل. -نعم يا سيدي. يقول بفرنسية هامسة : -فونتا برتقال. يقف عند رأس الشارع رجل كان أخاديده تمتلئ بنحو من خمس وثلاثين سنة، وكان صدره عاريا وينفخ في تدافع، يقف متأهبا كأنه مصارع ثيران ثم يرفع يده اليمنى (التي كانت بجانبه) بسرعة فائقة إلى نطاقة، يخرج مسدسا ويصوبه نحو المارة وهو يصرخ في انتصار ويقهقه باستمرار. يتجمع المارة في الزاوية اليمنى من رأس الشارع المنحني قليلا إلى اليسار، وتفزع بعض النسوة من منظر الرجل المرعب كمصاص الدماء ويلتصقن بالحائط فزعات، ولم يحتمل المنظر بعض رجال الشرطة فأسرعوا إلى الرجل وحملوه من ذراعه ، ولكن بعض المارة ظلوا واقفين في أمكنتهم مشدودين إليها بمسامير، وقال شاب بلهجة أسيفة: -هذا ما جنيناه من الأفلام الأمريكية. وتدافعت بعض الأصوات : -كان يشبه رينجو. -بل سرتانا. -بل ترينيتا. وكان الرجل الأسمر ينفث دخان سيجارته الأمريكية بتباه أكثر منه بتلذذ، وفي الخارج كانت الوجوه تكتسي باحساسات متباينة، نظر الرجل الأسمر في ساعته كانت تسير إلى السادسة والنصف مساء...عندما احتجت إليك يا جميلة لم تأتي، وإذا كان لي أن أقول شيئا فإنكن تافهات إلى حد التفاهة، وليس ثمة تناقض لكن جسدي نار متأججة والغرفة باردة كالثلج فتعالي يا جميلة وابعثي في الجدران والليل دفء الأنامل ،ولا تظني أني أرضيك في الفراش ففي عضلاتي ما يؤجج في أعماقك ألف شبق وشبق. -للأسف ابتدأ المجتمع يفسد. واكمل آخر : وقد كان صالحا. وكان القائل عجوزا في السبعين، وسرعان ما تلقفت الآذان انته الذبيحة فود بعض الشباب من ذوي الشعور الطويلة أن يطرحوا القضية على خارطة الغضب لولا أنهم وجدوه يبتعد دون أن يلتفت إلى أحد، وأخذ شاب يقلل من فورة الانفعال : -هؤلاء الشيوخ خبيثون عاشوا حيواتهم بكاملها وها هم الآن يريدون حياتنا أيضا. وأضاف شاب آخر : -إنه جيل من المهابيل. واختلط صوته بصدى ضحكة عالية انطلقت من شاب طويل ونحيف كان يميل بجذعه على شاب قصير وممتلئ، وعلى بعد عشرة أمتار كانت تلتفت عند محطة النزول امرأة لا يستطاع تخمين عمرها فقد كانت تلتف بحائك أبيض وتغطي وجهها "بعجار" أبيض، وبمجرد أن تململت في وقفتها ابتدأ رجل في الثلاثين يهمس إليها بكلمات خفيفة وسريعة كطلقات الرصاص، وكانت المرأة تستدير من جانب إلى جانب آخر وتلقي على الرجل نظرات نارية، وحين لم يعد بإمكانها المزيد من الاحتمال صرخت في وجهه : -ألا تحشم أيها الرجل! ثم أضافت بأسى : -إني في مثل عمر أمك . لم يتحرك الرجل قيد أنملة لم يفعل شيئا، فقط استدار بوجهه إلى اليمين واخذ يتمتم : -هكذا ضاعت فرصة. وكان الرجل الأسمر بالمقهى يواصل تدخين السيجارة الأمريكية وهو يعبث بعينيه إلى المدخل. -هو الوقت يمر بسرعة. ثم ينظر إلى الساعة التي تؤطر معصمه الأيمن والتي تشير إلى السابعة والربع. -هذا هو الوقت والذي أخشاه أن أصطلي ليلة باردة. ثم أخذت تتضارب في رأسه في رأسه أفكار مشوشة ومتناقضة وأحس بنوع من الورطة ففكر : -ثم؟ -ثم ماذا؟ -هل أظل أنتظر؟ ـ 2 ـ بعد مضي عشر دقائق على ذهاب الرجل الرينجو بصحبة البوليس ابتدأ رواد المقهى الجالسون في الخارج باسترداد أنفاسهم والتفكير جديا في المفاجأة التي أربكتهم وجعلت عيونهم تتقافز بين السماء والأرض، ولم يلبث أن قال أحدهم : -لقد كان كل شيء هادئا ولكنه سرعان ما حدث الصخب. وامتطت شفتيه ابتسامة مبهورة، أنت أيها الإنسان بحر زاخر بالأعاجيب والألغاز، ثم أخذ يهز رأسه من اليمين إلى اليسار في حركات رتيبة : لقد كان ثابتا كالطود وكأنه شمشون الجبار. -لقد كان فمه يتابع حركة يده بسرعة وكان يعمل كصوت الطلقة. وحدث أن بهت الجميع. هذا الرجل النحيل العاري الصدر استطاع في لحظة تجل واحدة أن يوقف دبابة وأن يفجر معسكرا كاملا للالمان. -وكان حدثا لم يدر مثله في الخيال. يضع النادل زجاجة بيبسي كولا باردة جدا أمام الرجل الأسمر الذي يقبع في الركن بالداخل ،والذي يرتسم على تقاطيعه الان قلق حافل ، والذي ابتدأ وجهه يعكس متوترا متأهبا للانفجار : -لماذا لم تأت واحدة. -أي واحدة. قال شاب في نحو من العشرين : -لابد أنهم يحققون معه الآن. تساءل آخر : -لعلهم يفعلون به شيئا. تبرع ثالث بالتوضيح : -سيضعونه في الحجز. فقال آخر : -لا أظن . -إذن .. -سيتركونه بعد قليل. -خاصة وانه سكران. -سيخرج ليسكر من جديد. -وسيفعل مثلما حدث. -سيكون الأمر آنذاك تسلية طريفة. -بل سيكون مأساة. وقال شاب متدفق بالحرارة : -ليس من العدل أن يعيش الإنسان هكذا. فقال رجل عجوز: - هذا هو المكتوب يا ولدي. ـ 3 ـ ابتدأ الآن الرجل الأسمر بداخل المقهى يتململ في تبرم ساخط. الثامنة إلا ربعا وأنا لم أجد امرأة فيا اللعنة. يكز على أسنانه في غيظ. هو ذا الوقت يجري بصخب وأنا انتظر بلا فائدة، الآن يكون الأمر قد انتهى او يكاد ، التي شبكت سنارتها تتجه الان إلى أحد المطاعم مع صيدها ، والتي فرغ صبرها تتجه الآن إلى البيت قبل أن يفوت الوقت ، ونفخ في حدة ثم أخذ يغلق المعطف من أسفل إلى أعلى. يبتعد عن المقهى في تثاقل ويواصل الجالسون حديثهم عن الرجل العاري الصدر، ومن الممكن الآن ملاحظة الحرارة في أصواتهم، وقال رجل كان يجلس قريبا من مكان المعركة : -إن الحياة تصنع العجب. فقال الشاب الأول : -لم يبق شيء يبعث على الدهشة. وفجر آخر قنبلة : -لعله متزوج. عاد الرجل يتمتم بأسف : -وربما كان عنده أولاد أيضا. فقال الشاب : -سيكون الأمر عند ذاك فظيعا. -ويبعث على الهول. -فيا للأسف. وندبت الرؤوس لحظة بيضاء تحولت بقدرة الرجل العاري إلى لحظة رمادية، ثم أخذوا يتململون في تدافع ، وسرعان ما كان الدرب يلفهم ، ومن بعيد يظهر الرجل الأسمر وهو يوصل البحث عن امرأة تمنح الدفء لحجرته الصغيرة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل