المحتوى الرئيسى

الشورى.. ملزمة أم مُعْلِمة؟!

05/30 17:23

بقلم: د. عثمان علي عطا حاول بعض المغرضين والحاقدين على النظام السياسي الإسلامي قديمًا من المستشرقين ومن تبعهم من بعض تلامذتهم من العرب طمس بعض الحقائق والمبادئ الإسلامية، أو تشويهها وإظهارها على أنها لا تصلح للتطبيق في الحياة المعاصرة، ويحاول أذيالهم في هذه الأيام خاصة إعادة هذه الافتراءات ، وما تشهده مصرنا الحبيبة حاليًّا من تحول ديمقراطي، مما أثار فزعهم من إمكانية وصول الإسلاميين إلى مركز صنع القرار وإمكانية تطبيق المبادئ الإسلامية في النظام السياسي، وهذا ما يخشونه! لأنهم لو كانوا على يقين مما يدَّعونه لساعدوا الإسلاميين على الوصول للحكم، أو على الأقل عدم مهاجمتهم، ويتركونهم يصلون إليه ليفشلوا في تطبيق هذه المبادئ، كما يقال في المثل الشعبي (المياه تكذب الغطاس)، وحينئذٍ تصبح حجتهم قوية وناصعة، ولكنهم يعلمون أن ذلك لن يتحقق خاصة أن أمامهم النموذج الإسلامي التركي الذي استطاع النهوض بالبلاد بعد أن دمرته العلمانية والعلمانيون.   ومن الافتراءات التي يرددها هؤلاء المغرضون أن الشورى في الإسلام ليست ملزمة، بما يعني أنه لا قيمة للمجالس النيابية في النظام السياسي الإسلامي، وهذا افتراء محض، فهم كعادتهم يحاولون اصطياد بعض الآراء الفقهية واجتزاءها عن سياقها حتى يشوهوا هذا النظام، وفي السطور التالية سنعرض لدحض هذا الافتراء ومناقشة هذا الرأي الفقهي.   يقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38)﴾  (الشورى: من الآية 38).   يقول د. محمد ضياء الدين الريس: "إن اللَّه سبحانه وتعالى قد بين الصفات الأساسية التي تميز المؤمنين، ومن هذه الصفات أن ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وقد ذكرت عقب الصلاة وقبل الزكاة، مما يدل على بالغ أهميتها، فهذه من الصفات الأساسية الكبرى التي بها يتميز مجتمع المؤمنين". وقد قرر الفقهاء والمفسرون أن الشورى من عزائم الأحكام التي لا بد من نفاذها ورتبوا على ذلك أن من ترك الشورى من الحكام فعزله واجب دون خلاف، ولقد طبق الرسول- صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ في سيرته المليئة بالشواهد العملية التي تدل على كراهيته للاستبداد بالرأي وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده.   ولذا فإن الشورى ملزمة في حالة العرض على أهل الشورى باعتبار أن الإلزام ورد في قوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159). أي: إلزام الحاكم بعرض الأمر على أهل الشورى، ويجمع الفقهاء والعلماء على ذلك.   ولكن هل يلتزم الحاكم بالقرار الصادر من أهل الشورى وينفذه؟ لقد اختلف الفقهاء والعلماء في الإجابة عن هذا السؤال، ففريق يرى: أن من حق الحاكم أن يأخذ برأي أهل الشورى ويستمع إلى آرائهم وينتفع بها، ولا يلزمه تنفيذها، والفريق الآخر يرى: ضرورة التزام الحاكم برأي أهل الشورى وتنفيذ ما اتفقوا عليه.   ونرى الباحثين المعاصرين قد اختلفوا- أيضًا- في هذه القضية، فبعضهم يرى أن القرار الناتج عن الشورى ليس ملزمًا للحاكم كالدكتور محمد سعيد رمضان والشيخ محمد متولي الشعراوي، والبعض الآخر يرى أن القرار الناتج عن الشورى ملزم للحاكم كمحمد سعاد جلال والدكتور أحمد كمال أبو المجد.   ويرجع الدكتور توفيق الشاوي هذا الخلاف إلى تجاهل الطرفين لاتساع نطاق المشورة الإسلامية وشمولها أنواعًا تختلف أحكامها، وأن الشورى الملزمة ليست إلا نوعًا واحدًا منها، يتميز بأنه واجب ابتداءً، وملزم انتهاءً مثل الشورى من أجل قرار سياسي؛ مثل: اختيار الحاكم، أو وضع نظام دستوري أو اجتماعي، أو سن قوانين... إلخ، أو قرار المجتهدين، وأهل العلم باستنباط حكم شرعي فيما لم يرد فيه نص إذا صدر بالإجماع وأقرته الأمة.   أما الشورى غير الملزمة فهي الاستشارة أو المشورة الاختيارية (الشخصية)، مثل طلب أحد الناس مشورة غيره للاستنارة بها في أمر يخصه هو ويعود عليه فقط بالنفع أو الضر، أو طلب مسئول متخصص في مهنته رأي الخبراء والمختصين ليستعين به في اتخاذ القرار المناسب، أو طلب القاضي من العلماء أو المجتهدين رأيهم في حكم شرعي ليستنير به.   وهكذا يتضح: أن الشورى ملزمة للحاكم في الأمور التي تقوم عليها الدولة، وتكون بمثابة العمود الفقري لها، كاختيار الحاكم أو وضع النظام الجوهري للدولة، أو أي قرارات تخص الشعب، وتكون غير ملزمة إذا كانت استشارة في أمور خاصة بالحاكم فقط ولا تمس نظام الدولة.   أما عن كيفية أداء الشورى وطريقة اختيار أعضائها ونظمها، فإن الشارع، سبحانه وتعالى، قد أوجب مبدأ الشورى دون أن يحدد شكلاً معينًا لها، ومن هنا اكتفت الشريعة بتقرير الشورى كمبدأ عام، وتركت لأولياء الأمور وضع القواعد اللازمة لتنفيذه تبعًا لاختلاف الأمكنة والجماعات والأوقات. والتطور الحضاري للبشر.   وقد ترك الرسول، صلى الله عليه وسلم، مبدأ الشورى دون أن يحدد له قواعد يسير عليها المسلمون من بعده، وذلك لأن الشورى من الأمور التي يتعذر وضع قواعد مفصلة لها تصلح لكل زمان ومكان، بل ينبغي تجديد وسائلها وأساليبها لملاءمة التطور الدائم وملاحقة عجلة الزمن، والرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يعلم بما ستئول إليه الدولة الإسلامية من اتساع وفتوحات، ومن استيعاب لأجناس وشعوب متباينة ومتفاوتة في الطبيعة والتكوين.   ولذا فإن وسائل تطبيق مبدأ الشورى قابلة للتجديد والتطوير الدائم تبعًا للتقدم الحضاري والظروف المناسبة للتطبيق بما يعود بالنفع على البشر.   ----------- * دكتوراه في التاريخ الإسلامي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل