المحتوى الرئيسى

د. نادر فرجاني يكتب: ومن الحوار ما فسد

05/30 14:07

الحب عاطفة نبيلة ورائعة، ومع ذلك يقال، وبحق أحيانا، أن "من الحب ما قتل"!وكذلك الحوار، نشاط إنساني محمود يهدي، إن صلحت النوايا والقصد وأحسِن التنظيم والإنصات، إلى التفاهم والتوافق سعيا وراء المصلحة العامة لأطراف الحوار.فما بال الحوارات التي أطلقت السلطة الانتقالية في مصر، وقد تعددت، فشلت جميعا؟! في الواقع يعود التعدد إلى فشل أول حوار قام عليه، أو على إفشاله، السيد نائب رئيس الوزراء وبدأه بالمهمة المستحيلة للتصالح بين الثورة ونظام الحكم التسلطي الذي قامت لإسقاطه. وبعدها أوكِل الحوار لرئيس وزراء أسبق لم يع الدرس وتفجر حواره أيضا منذ البداية بسبب "الجمع بين القاتل والمقتول" كما قيل ببلاغة، على حين عُهد إلى السيد النائب بحوار آخر تحت مسمى مختلف، تفجر هو الآخر، مما يدل على أن السيد النائب "ما بيعيشلوش حوار!"، فلماذا الإصرار المكابر على أن يرأس حوارات وتنشأ حوارات أخرى على الشاكلة نفسها؟!ولنأخذ عبرة من الماضي القريب، لعل القارئ يتذكر أن الإساءات الدستورية الحقيرة التي أدخلها نظام الحاكم المتسلط المخلوع على دستور مصر في العام 2007، قد سبقها "حوار مجتمعي" شكلي وظاهري ومزيف لرأي الشعب، حول التعديلات الدستورية، يعترف لنا بعض من شاركوا فيه الآن، وفقط الآن (انظر مقالات عبد المنعم سعيد في الأهرام مؤخرا تحت عنوان :"لماذا فشلنا؟") بأنه كان مهزلة مفضوحة حتى لمن سُمح لهم بالمشاركة فيه.ومع الاعتراف بالفارق، أزعم أن هناك قواسم مشتركة بين حوار 2007، والحوارات التي رعت السلطةالانتقالية بعد ثورة شعب مصر الفل.وعندي أن أي حوار، حتى يكتسب صفة "الوطني" يتعين أن يتميز بمميزات ثلاث:1-  أن يكون وطني النطاق بحق، بمعنى أن يتسع، من حيث المبدأ، لمشاركة الشعب بكامله من دون إقصاء مسبق. وحيث لا يمكن أن يجتمع الشعب بكامله لنقاش أي موضوع يتعين اعتماد جميع السبل والوسائل الكفيلة بمشاركة من يريد من أبناء الشعب، شاملا توظيف وسائل الإعلام الجماهيربة و تقانات المعلوماتية والاتصالات الحديثة. وجلي أن حوارات السلطة الانتقالية لم تحقق هذه الفضيلة بل قامت على اصطفاء، غير حصيف، لبعض من ترضى عن اشتراكهم السلطة الانتقالية يتداولون فيما بينهم في حجر مغلقة، وقد يتسرب بعض من اجتماعاتها، أو نتائج مداولاتها، إلى وسائل الإعلام. وليس في هذا من المشاركة الشعبية شيئ، لو يعلمون.2-   الميزة الثانية لحوار وطني حق هي الانشغال بالقضايا الملحة على الوطن والمواطن. وليس أعلى على جدول أعمال الوطن الآن من مهام اكتمال ثورة شعب مصر الفل، والتي تقاعست السلطة الانتقالية حتى الآن عن السعي لاكتمالها بالإيقاع الثوري السريع والفعل الثوري الجذري المطلوبين، تحت دعاوى مختلفة تنضح بادعاء حسن النية، والطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة، كما يقال. وأزعم أن حوارات السلطة الانتقالية قد حاولت أن تنشغل بقضايا اكتمال الثورة ولكن من منظور محافظ يعبر عن طبيعة السلطة الانتقالية وأحيانا بصورة تلفيقية ممجوجة.3-   الميزة الثالثة لحوار وطني بحق هي في إنصات أصحاب القرار لمطالب المتحاورين. وهنا تجب التفرقة بين مجرد السماع الشكلي الذي تدخل فيه العبارات من أذن لتخرج فورا من الأخرى كما يشير المثل العامي الشهير. أما في الإنصات فتبقى العبارة ما بين الأذنين فترة تكفي لتدبرها واتخاذ قرار يضعها في الاعتبار جديا. وقد تراكمت الشواهد، وتصريحات أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة لتؤكد على أن المجلس لا ينصت لما يدور في الحوارات التي يرعاها ويشارك أعضاؤه فيها أحيانا، وإنما له مخطط ينفذه بحذافيره، بل يكاد المجلس وأعضائه يتفاخرون بالعناد المكابر على عدم الابتعاد عن مخططهم قيد أنمله ولو استجابة للرأي العام، وكأنهم القدر الذي لا راد لقضائه.على سبيل المثال، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة أمس، مرسوما بتنظيم انتخابات مجلس الشعب يتضمن نصوصا تخالف التوافق الذي كان يتبلور في "الوفاق الوطني" في الوقت نفسه.علهم لا يتساءلون لماذا لا ينجح لهم حوار؟!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل