المحتوى الرئيسى

في رحاب الوطن بين نهاية الانقسام وذكرى النكبة بقلم:قيس مراد قدري

05/30 23:02

في رحاب الوطن بين نهاية الانقسام وذكرى النكبة صباح الرابع من شهر النكبة الفلسطينية حطت الطائرة التي أقلتني من العاصمة السويدية في مطار اللد؛ تقدمت نحو شباك تفحص الجوزات وكنت لحظتها مستعدا لكل شيء بما في ذلك العودة من حيث أتيت، لكن؛ حدث ما لم يكن في حساباتي فقد ختم جواز سفري رغم أنه يشير بوضوح لا يقبل الشك أني فلسطيني ومكان وتاريخ الولادة مدينة حيفا التي هجرت منها بعد مولدي بعام ونصف. ختم جواز سفري وأرسل الى رجل أمن على بعد ثلاثة أمتار من شباك الجوازات؛ تفحص الجواز سريعا وأعاده لي بكل أدب واحترام متمنيا لي وقتا طيبا... أنا لم أصدق ما سمعت، سألته مجددا: هل هذا كل شيء؟ أجاب: نعم يمكنك الآن الذهاب لأخذ حقائبك!!!. في حياتي مررت في هذا المطار أربع مرات وفي كل مرة كنت أتعرض لتفتيش شخصي دقيق ومساءلة عن سبب الزيارة وكان الأمر يستغرق في أقله 45 دقيقة أو ما يزيد عنها بعض الوقت بالرغم من أن جواز سفري هو هو لم يتغير. على عجل توجهت لاحضار حقائبي ، ثم خرجت من المطار بحثا عن عربة سرفيس تقلني الى مدينة القدس. استوقفني المسؤول عن الحافلات الصغيرة: قال لي الى أين؟ قلت: باب العمود. قال : الحافلة رقم اثنين. الحافلة تتسع لتسعة ركاب؛ كنت العربي الوحيد فيها أما الباقون فكلهم طلاب موشاف متدينون قادمون من نيويورك ويرتدون ملابسهم السوداء وقبعاتهم الكبيرة التي تدل على تدينهم الشديد؛ وكان بينهم امرأة واحدة تجلس أمامي بجوار واحد منهم وعلى يميني ثلاثة بمقاعد فردية وعلى يساري واحد وخلفي ثلاثة آخرين. وبيننا جميعا تكدست الحقائب ما جعل الجلوس غير مريح . الصمت كان سيد الموقف من جانبي خلال الساعة الأولى تقريبا في حين كان الجميع يتكلمون فيما بينهم باللغة العبرية وما كان لبعض الكلمات العبرية التي تعلمتها على يد صديقي عبد الحفيظ محارب عام 1981 في مركز الأبحاث في بيروت لتسعفني لفهم ما الذي يدور حولي من حديث. طيلة ذلك الوقت كنت متماسكا وحذرا قدر المستطاع؛ ثم فجأة سألني أحدهم عن وجهتي في اسرائيل؛ قلت بانجليزية واضحة: انا متوجه للأراضي الفلسطينية. عندها عرف الجميع أني أتكلم لغة موطنهم الأمريكي بطلاقة فسارع أحدهم بسؤالي: أين تعلمت اللغة الانجليزية؟ في الجامعة في بلادكم أمريكا. آخر سأل: أين ستقيم؟ في رام الله طبعا. سؤال آخر : كيف هي رام الله؟ قلت وسط صمت الآخرين، هي مثل كل المدن الفلسطينية الأخرى...ثم استطردت قائلا :بعدما شعرت بنوع من الطمأنينة يبدو أنكم لا تعرفون شيئا عنا... لا جواب؛ السائق أوكراني الأصل (عرفت ذلك لاحقا) أراد أن يكون جزءا من الحوار موجها السؤال لي: ما رأيك بما حصل في تونس ومصر؟ قلت:المنطقة كلها مقبلة على تغيركبيرلن يستثني أحدا. عاجلني: واسرائيل أيضا؟ قلت: نعم؛ ما كان ساريا قبل ثورتي تونس ومصر لم يعد مقبولا الآن فالشعوب العربية عرفت طريقها وفهمت أن الحرية لا تمنح انما تؤخذ مقابل ثمن لا بد من دفعه... وهم الآن يدفعون هذا الثمن دون رجعة للوراء. الصمت خيم على الجميع...ربما كانوا يقلبون في رؤوسهم ما قلته حتى اللحظة. من خلفي جاء سؤال كنت أنتظرت أحدهم توجيهه لي حول مستقبل السلام بين اسرائيل والفلسطينيين؟ قلت: ان كنتم تتحدثون عن حل الدولتين... أقول لكم بدون مواربة؛ وهذا رأي شخصي يشاطرني اياه شريحة لايستهان بها من أبناء شعبي ؛ ان حل الدولتين في الوضع الحالي ليس أكثر من سراب لأن ما هو قائم على الأرض من استيطان وقضم متواصل لأراضي الضفة الغربية واقامة طرق التفافية اضافة الى جدار الفصل العنصري العازل ومن ثم القبضة الحديدية التي تمارسها اسرائيل؛ كل هذا لا يترك مجالا لقيام دولة فلسطينية يرضى عنها الفلسطينيون. الحل من وجهة نظري دولة واحدة ثنائية القومية يتمتع فيها الجميع بحقوق وواجبات متساوية...طبعا كل هذا بعد اعطاء كل الفلسطينيين اللذين شردوا عام 1948 الحق بالعودة الى الديار التي شردوا منها. السائق متدخلا: أنت تعلم أن الاسرائيليين يدركون أن هذه نهاية دولة اسرائيل ان هم قبلوا بذلك. سألته: متى قدمت من أوكرانيا الى هنا؟ أجاب: عام 1983. قلت: حسنا أنت تدعي أن لك حق في هذه الأرض وأنا لا أريد الدخول معك في نقاش حول هذا الحق.. لكن أطلب منك ومن الآحرين ولو للحظة واحدة أن تكونوا مكاني؛ هل يرضيكم أنت تأتوا الى بلد ولدتم فيه، وجذور أجدادكم ضاربة فيه وتعاملون فيه معاملة أي سائح عادي.. ألا يثيركم هذا؟ ثلاث وستون عاما وأنا أعيش في غربة موحشة وقاسية في كثير منها؛ وكل الدول التي أقمت بها أشعر أن اقامتي بها مؤقته لحين العودة لأني باختصار من طين هذه الأرض؛ ولو سألتم أبناء الفلسطينيين في المهجر ودول الشتات عن انتمائهم ؟ سيجيبوكم اليوم : نحن فلسطينيون من المدينة أو القرية التي هجر آباؤهم منها ؛ ما يعني أن ما راهن عليه الصهاينة الأوائل بأن جيل لاجئي 48 عندما يموتون سينسى أبناؤهم موطنهم الأصلي... وهذا لم ولن يحدث. هل ستكون هناك حرب جديدة مع اسرائيل سأل السائق؟ نعم اذا ظلت اسرائيل على مواقفها الرافضة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. دخلت الحافلة مدينة القدس وبدأ توزيع الركاب على المدارس الدينية المختلفة...وكان وداعهم لي فيه بعض الاحترام؛ ربما لأني قلت ما في خلدي دون مواربة. وحيدا بقيت في الحافلة وقبل الوصول الى باب العمود المزدحم قال السائق لي: لعلمك أنا ألعب كرة التنس مع أفيغدور ليبرمان كل أسبوع أثناء تواجده في اسرائيل. أجبت وأنا أنزل حقائبي: حسنا ؛ أعد على مسمعه ما سمعته مني. الساعة كانت حوالي العاشرة وخمس وأربعون دقيقة عندما ركبت الحافلة المتوجهة من مدينة القدس الى رام الله مرورا بحاجز قلنديا المشؤوم. في هذا الاتجاه لا تفتيش والرحلة استغرقت حوالي أربعون دقيقة. في رام الله وضعت حقائبي على عجل وعدت أدراجي الى ساحة المنارة لأكون شاهدا على احتفالات الشارع عقب توقيع اتفاق انهاء الانقسام ؛ ولا أنكر خيبة أملي عندما رأيت أن المحتشدين في تلك الساحة نفر قليل لاينم عن فرحة عارمة. عندها توجهت الى مقهى رام الله حيث يلتقي هناك العديد من المثقفين والسياسيين والفنانين أللذين عرفت العديد منذ عقود فيما تعرفت على الآخرين في زياراتي المتعددة للوطن؛ ذهبت علي استشف وأستمزج الآراء لسبب البرود في الضفة الغربية للاتفاق الذي انتظره الفلسطينيون أربعة أعوام. في المقهى قال أحدهم : الاتفاق ليس أكثر من زواج متعة؛ وقال آخر: هذا شهر عسل لن يدوم...باختصار شعرت أن الشارع لم يصدق أن الاتفاق سيدوم لأن كثيرا من الدماء قد هدرت وتم تضييق الخناق على انصار طرفي الانقسام كما أن اتفاق مكة الذي نقض قبل أن يجف الحبر الذي كتب به مازال ماثلا في الأذهان دون أن يدرك المشككون أن الظروف المحيطة في الجوار العربي هي التي دفعت الأطراف الى الاسراع في انهاء الانقسام أو مواجهة شارع كان مستعدا للخروج مطالبا بتغيير لن يروق للطرفين. يوم الثالث عشر من شهر النكبة توجهت الى المسجدالأقصى كونه اليوم الأول لاحياء ذكرى النكبة. عند حاجز قلنديا توقفنا مطولا حيث صعد جنديان اسرائيليان وقاما بتفحص أوراق ركاب الحافلة وقاما بانزال بعض الركاب من هم دون سن الخامسة والستين من العمر؛ طبعا أنا نجوت رغم أني لم أكمل عامي المطلوب ببضعة أشهر. في الأقصى كان الحضور ضعيفا بسببالاجراءات الاسرائيلية. عدت أدراجي الى رام الله لكن ما أن وصلنا الى حاجز قلنديا حتى أبى السائق التقدم بسبب الاشتباكات بين سكان مخيم قلنديا والجنود الاسرائيليون اللذين انتشروا بكثافة في المنطقة وكانوا يعتلون المباني العالية ومفاصل الطرقات ويطلقون القنابل الدخانية المسيلة للدموع والرصاص المطاطي...المنطقة كانت ساحة حرب فعلية. في اليوم التالي قتلت القوات الاسرائيلية شابا في جوار المسجد الأقصى لم يتجاوز من العمر سبعة عشر ربيعا. يوم الأحد يوم النكبة ظهرت رام الله على غير عادتها حيث بدأ التجمع عند المقاطعة وبالتحديد عند ضريح الرئيس ياسر عرفات حيث تجمعت الفرق الكشفية وجماهير غفيرة مثلت كل تيارات الشعب الفلسطيني؛ والجميع التزم بالشعارات التي وضعها منظمو حملة الانتفاضة الثالثة؛ كما لم يرفع أي علم فصائلي عدا العلم الفلسطيني. شخصيا كتبت على صدري لافتة صغيرة تقول : من السويد...عائد الى حيفا. هذه العبارة المستحواة من رواية الشهيد غسان كنفاني استرعت انتباه وسائل الاعلام والعديد من الجماعات القادمة من وراء البحار للمشاركة في احياء هذه المناسبة. حملة الانتفاضة الثالثة نجحت بكل المقاييس؛ وبصفتي أحد اللذين تبنوا الحملة منذ بدايتها وعدت كل من اتصلت به أن تكون الذكرى القادمة أكثر تنظيما وعنفوانا. رحلتي للوطن تكللت بحدثين كبيرين؛ نهاية الانقسام ، والمسيرة المليونية التي شارك فيها الآف الفلسطينيين في دول الشتات المجاورة ومعهم مؤيدي الشعب الفلسطيني الذين حضروا من كافة أنحاء العالم؛ ما يعني أن القضية الفلسطينية عاد ت الى صدارة العالم العربي الذي يعيش ربيع التغيير وكله يصب في مصلحة فلسطين وشعبها الذي أثبت للقاصي والداني أنه لم ولن يفرط بأرضه رغم كل أعوام النكبة. قيس مراد قدري النقيب الأسبق للصحفيين الأجانب في السويد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل