المحتوى الرئيسى

الثقافة والمجتمع في مسيرة التغيير في تونس ومصر

05/30 03:16

عبد الإله بلقزيز من المؤكد أن تونس ومصر ما عانتا حكماً مستبدّاً غشوماً، وفساداً سياسياً ومالياً مدمّراً، ونهباً منظماً للثروات والمقدرات، وإفساداً شاملاً للحياة السياسية، واحتكاراً للسلطة من قبل أوليغارشيا تتربع على عرشها عصابة من الأهل والأقرباء فحسب، وإنما هما عانتا من نتائج ذلك علي صعيدي ثقافة المجتمع ومنظومة القيم فيه . إن إشاعة ثقافة الخوف والخنوع والتواكل والاستسلام للقدر الاجتماعي، وقيم الانتهازية والتجلّة لأصحاب الجاه والنفوذ والاستزلام لهم، وفقدان قيم التضامن والشعور بالكرامة الفردية والجماعية، إنما هي من الأوضاع السلبية المدمّرة للنسيج الاجتماعي التي ترمي إلى تحقيقها كل سلطة مستبدة، فاسدة وغير شرعية، بما هي أنجع الوسائل وأقصر الطرق إلى ترسيخ سلطانها في المجتمع والناس للتعويض بها عن فقدان الشرعية، حيث الشرعية وحدها تبني لأيّ نظام سياسي قوته إن توفّرت، وتصنع أسباب الضّعف إن امتنعت . ولقد أصاب تونس ومصر ما أصاب غيرهما من بلدان العالم التي حكمتها نخبٌ مستبدّة فاسدة من ضروب التشويه والتخريب في النسيج الاجتماعي والقِيَمي وفي البنى والقيم الثقافية . ومع أن الموضوعية العلمية تقتضينا القول إن ثقافة مجتمع ومنظومة قيمه ليست حصيلة عهد سياسي، وإن امتد في الزمان قرابة جيل، بل حصيلة مواريث تاريخية ضاربة الجذور في الماضي، وإن ما يصْدُق على بُنى السياسة والاقتصاد من ضروب التغيير والتحويل والتكييف والبرمجة حسب مقتضيات النظام السياسيّ القائم ومصالح قواهُ وفئاته، لا ينطبق بالضرورة على بُنى الثقافة والاجتماع . . إلا أن الذي لا مِرْيَةَ فيه أن العهد السياسي السيئ لا يمكنه إلا أن يزيد تلك البُنى سوءاً وسلبيات أوضاعها استفحالاً، وأن يُمْعِن في العودة بها إلى الوراء أكثر . وعندي أن مثل ذلك حصل على نحو من الوضوح لا مزيدَ عليه في تونس ومصر في عهد نظاميهما البائدين، وكان من الفظاعة بحيث أحدث تشوهات في بناهما الثقافية والاجتماعية . مع انطلاق موسم الثورة الشعبية في الوطن العربي، وحصاد ثَمرةٍ أولى منها في البلدين، وبداية الاجتياز الناجح للثورتين طورَهما السياسيّ الأوّل يصبح في الإمكان، من حيث المبدأ، أن يتساءل المرء: متى ستُنْتج الثورة ثقافتها ومجتمعها ومنظومة قيمها؟ متى سيقع الانتقال من لحظة الثورة السياسية إلى لحظة الثورة الثقافية الاجتماعية؟ أو متى سنشهد ميلاد ثقافة الثورة ومجتمع الثورة؟ قلنا إن السؤال ممكن ومشروع، ولكن من حيث المبدأ لا بما هو واقعي وراهن . مأتى شرعيته من أن الثورة حصلت في بلدين عربيين وأن سؤال الاجتماع والقيم وسؤال الثقافة في جملة أسئلتها التي يطرحها الوعي وتطرح نفسها على الوعي، شأن سؤال السياسة وسؤال الاقتصاد والتنمية . غير أن مشروعية السؤال تظل مبدئية حتى الآن ويصعب الاعتقاد أنها واقعية أو راهنة . فالثورة في البلدين لم تستقر، حتى اللحظة، على نتائج قابلة لبناء الأحكام والتوقعات عليها بقدر ما من الاطمئنان، واحتمالات حَرْفها عن مسارها أو تبديد رصيدها من المكتسبات مازالت قائمة، طالما بقيت قوى الثورة المضادة تعمل جهرة وفي خفاء على كبح جماع التغيير . وحين تكون الثورة في حالة سيولة إيجاباً وسلباً مثلما هي حالها اليوم، وطورُها السياسي لم يُكْسَب بعد بشكل كامل، سيكون من المبكّر جداً أن نتوقع تفكيراً هادئاً في أسئلة الثقافة والاجتماع، حتى لا نقول أن نطرح هذه الأسئلة للبحث . ما معنى ثقافة الثورة ومجتمع الثورة في تونس ومصر؟ إنها لا تعني الثقافة التي تردّد مفردات الثورة السياسية وشعاراتها، ولا المجتمع الذي يشارك في المظاهرات أو يصوّت لقوى الثورة في الانتخابات، وإنما تعني الثقافة التي تعيش ثورة في داخلها كثقافة تتغيّر بها قيمُها التقليدية المتأخرة: ثقافة النقد، والإبداع، والتفكير العقلاني، والاجتهاد، والنجاعة العملية . . إلخ . وتعني المجتمع الذي يعيش ثورة في داخله تعيد إنتاج القيم الإيجابية في منظومته: مجتمع المساواة بين الجنسين لا المجتمع الذكوري، المجتمع المتحرّر لا المجتمع البطريركي، المجتمع المدني الحديث لا المجتمع الأهلي العصبوي، مجتمع التسامح لا مجتمع التعصّب، مجتمع الإنتاج والمبادرة لا مجتمع الكسل والريع، مجتمع التضامن الوطني لا مجتمع التضامن العائلي والمناطقي والفئوي . . إلخ . وما أغنانا عن القول إن ميلاد هذه الثقافة وهذا المجتمع سيأخذ وقتاً طويلاً يُحْسَب بالعقود والأجيال، ولن يكون حصيلة فورية لثورة سياسية مهما كانت عظيمة كثورتي تونس ومصر . ثم إن ميلادهما يقتضي ثورة حقيقية في التربية والتعليم ومناهج التدريس، وفي السياسات الإعلامية والثقافية، تماماً مثلما يتطلب نجاحات متواصلة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفي التوزيع العادل للثروة والفرص، واستقراراً في النظام الديمقراطي وتطويراً له . * نقلا عن "الخليج" الإماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل