المحتوى الرئيسى

هؤلاء عاشوا في وجداني بقلم علي عبد الفتاح

05/30 21:33

هؤلاء عاشوا في وجداني (6) الأديب الكبيرفؤاد حجازي بقلم /علي عبد الفتاح عرفت فؤاد حجازي في نهاية السبعينيات كنت قد قرأت بعض كتابات عن اعماله القصصية واذهلني تصويره للبيئة الشعبية والوجدان المصري الأصيل للآبطال .. وقررت أن اذهب اليه في مدينة المنصورة .. *** وخلال تلك الفترة كنت مجرد قارىء وعاشق للأدب ونشرت بعض الكتابات النثرية والمقالات في الصحف .. وكنت اعتبر نفسي قاص وكاتب قصص وروايات بالرغم اني لم اكن قد كتبت سوى بعض القصص القصيرة ومقالات نقدية في الأدب . تحدثنا كثيرا في اللقاء الأول .. وتركت على مكتبه اوراقي التي تحمل قصصى القصيرة ومقالاتي النقدية وحملت معي معظم اصداراته الأدبية وكنت فخورا اني كاتب قصة .. وانتمى الي درب نجيب محفوظ ويوسف ادريس والحكيم وايضا فؤاد حجازى ظللت اقرأ رواياته وقصصه وانا اتخيل مدى اعجابه بكتاباتي ايضا وحين التقيت به مرة اخرى ابتسم وقال لي : - انت رائع في النقد الأدبي .. اما القصص القصيرة ... وصدمت .. لماذا ؟ انا كاتب قصة وروائي وليس ناقد ولا افهم في النقد سوى بعض مادرسته بالجامعة وماقرأته باطلاعي الخارجي .. وكرر مرة اخرى - أنت لديك حس نقدى عال جدا ..يا راجل انت رائع في النقد . *** ولم اصدق ذلك ثم قال فؤاد حجازي: - طريقتك في سبر اغوار الكاتب ومزجه بأدبه قائمة على منهج واضح . ومنذ لقائي هذا مع الأديب الكبير فؤاد حجازي وانا اكتب الدراسات النقدية وهجرت فكرة القصة او الرواية. لقد اكتشف في داخلي موهبة النقد الابداعي ..ودفعني الي الكتابة بحماس وثقة وقدمت أول كتاب نقدى لي بعنوان : "الصعاليك ينفجرون بالغناء" ضمن سلسلة أدب الجماهير التي يشرف على اصدارها فؤاد حجازي. *** ثم كتاب : "العصفور والسنبلة" عن سيرة وحياة الشاعر محمد يوسف رحمه الله . وكانت طباعة هذه الكتب بطريقة الماستر ولكنها انتشرت وبدأ كثير من القراء والادباء يسجلون انطباعهم وآراءهم حول هذه الكتب. *** كان كتاب الصعاليك يتحدث عن مجموعة من الشعراء الشباب لا يعرفهم احد ولكن السبب في شهرة الكتاب ولا سيما اسمه ان كل شاعر شاب كتبت عنه حين اصبح من الشعراء المرموقين كان يشير الي كتابي واني اول من كتب عنه. اما كتاب العصفور والسنبلة كان يرصد مشاهد ابداعية في حياة الشاعر محمد يوسف وتم توزيع الكتاب في مصر والدول العربية بصورة ادهشتني كثيرا . ومنذ ذلك الموقف مع فؤاد حجازي .. انطلقت اكتب واعد كتب وأنشر في الصحف والمجلات الثقافية. *** فما الذى اثاره فؤاد حجازي في اعماقي ؟ وماذا اكتشف ؟ وكيف حولني عن كتابة القصة القصيرة الي الكتابات النقدية؟ في الحقيقة اعترف لولاه ما كتبت وما كنت نشرت شيئا اطلاقا انه فؤاد حجازى مؤسسة كبرى لرعاية الفكر والادب في مدينة المنصورة شخصية تتميز بحس انساني حميم عاشق لثرى مصر واهل مصر والبيئة الشعبية . *** فؤاد حجازي مناضل عنيد ومقاوم وداع للثورة ضد الظلم والقهر ورفض سقوط الانسان يعيش أبدا متعاطفا مع الوجود .. متدفقا حبا للقيم الأخلاقية . والبيئة الشعبية التي إذا ما قررت أن تخرج في غضب .دمرت كل شيء وكانت كالسيل الجارف تهدر ولا تتوقف إطلاقا. *** فؤاد حجازي ظل دائما شغوفا برسالته وعشقه للناس والبيوت والتاريخ والحضارة وحزنه العميق لسقوط الفرد مغتربا عن ذاته وأوطانه. ولذلك يعود كالعصفور يبحث وينقب في التراث الشعبي ويندس في ثوب الحياة مذابا في بريقها. عاشقا لإيقاعات الحياة اليومية في الحارة المصرية. *** ولذلك فإن أدب فؤاد حجازي لا يعبر عن الحياة فقط وانما يرتدي الحياة بصخبها وفورتها.يتوغل في الألق الساطع من عيون الأطفال. في الشجو المنساب في أصوات الفقراء وهذا التحدي الهادر النابع من أعماق أبطال البيئات الشعبية. إن أدب فؤاد حجازي أدب التعاطف والالتزام. التعاطف مع خطايا البشر والالتزام بقضاياهم في الحب والحرية والنضال ولذلك فهو يذوب في الناس والأشياء والأشجار والأطيار والزهور. *** يرقب حجازي هذي القرى الغافية بين السنابل والأغصان والشمس التي تحتضن الآفاق ويشاهد الإوز الأبيض يسبح في دعة على صفحة النهر ويرجع جماعات إلى مأواه آخر النهار. يذوب حجازي وجدا في عيون أطفال الوطن ليولد فجرا جديدا وزمنا يشرق على صفحة الحياة .إن رحلة فؤاد حجازي مع الأدب شاقة وشائكة. رحلة نضال . وغضب . وتمرد وحزن وأيضا ابتكار وتجديد وتحد لكل الصعاب. *** إن أول قصة قصيرة نشرها فؤاد حجازي هي "عم إبراهيم " في مجلة الثقافة عام1963 العدد السابع.وأول قصة قصيرة كتبها في عام 1956 بعد العدوان الثلاثي على بورسعيد حين ذهب إليها للبحث عن عمل وقد أخفق في ذلك وعاد إلى المنصورة وتصادف أن قرأ روايات لمكسيم جوركي وتأثر بها ويقول : أحسست منذ تلك اللحظة وأنا في غاية الألم والغضب أنى أستطيع الكتابة. *** فكانت أيضا تجربة الحرب عام 1956 ذات أثر كبير في حياة حجازي فقد كان متطوعا مع الفدائيين في مدينة بورسعيد وبعد الحرب أخفق حجازى في إيجاد عمل مناسب له واكتشف أن هؤلاء الذين ساعدوا قوى المقاومة أثناء العدوان وخاضوا الحرب بشرف ودافعوا عن الوطن لم يكن لديهم مورد للرزق ولم يجدوا من يساعدهم لتجاوز هذه المأساة . *** يعود فؤاد حجازي إلى بلدته المنصورة مهزوما أمام الواقع الاجتماعي والسياسي مطعونا في أعماقه لسقوطه في مأساة لم تغتاله هو وحده وإنما مأساة شعب.فلم يكن هناك من مفر للهروب من حالات القنوط والحزن والغضب إلا بالقراءة. *** قرأ الأدب الروسي وتأثر بكتابات يحيى حقي ونجيب محفوظ ومحمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي ويوسف إدريس وقرأ أدب كافكا وهمنجواي وتولستوي ودستويفسكي. وكان حاصلا على الثانوية العامة وفي انتظار نتيجة القبول بالجامعة. ولمست الآداب الروسية والعربية جراحات حجازي حين تتحدث القصص عن البيئات الفقيرة والظلم والتشرد وضياع الفرد وانسحاقه وأحس بشيء يدفعه إلى كتابة كل ما حدث في الحرب وبعد الحرب.فكتب قصة تدور فكرتها حول البطل الذي يبحث عن عمل ولكنها كانت أقرب إلى موضوعات الإنشاء. *** ولم يدر فؤاد حجازي كيف يواجه الحياة في تلك الظروف الصعبة الشاقة فلم يجد بدا من أن يبيع بعض البطاطين التي كانت معه من بقايا عهدته في حرب 1956 ويدفع من ثمنها رسوم اشتراك في امتحان مسابقة للعمل في المجالس القروية. *** واتجه إلى العمل ولم يتمكن من دخول الجامعة أو الانتساب إليها.وأتاحت له وظيفته الجديدة في المجالس القروية أن يلمس بوجدانه عالم القرية والمزارعين والناس البسطاء والبيئات التي يسكنها الفقر والمرض والتخلف. وأيضا يسكنها الحب والألفة والخير والحنين والقيم الإنسانية وروح المبادرة في التعاون وإغاثة المنكوب والتوحد في المحن والكروب . *** وقرأ حجازي كثيرا خلال تلك الفترة وتأثر بالمذهب الاشتراكي وكان يحلم حقا بمجتمع العدل والحرية واحترام فكر الكاتب ويطمح أن يرتقي الجمهور بفكره وثقافته ليواصل التحديات ضد الغرب وضد الجهل والأمية. *** ولكن في عام 1959 يتم اعتقال فؤاد حجازي بتهمة توزيع منشورات تؤيد عبد الناصر وعبد الناصر لا يريد تأييدا من اليساريين. هل تصدق هذا ؟ وفي داخل السجن التقى فؤاد حجازي بكبار الكتاب والنقاد والصحافيين المعتقلين ومنهم:صلاح حافظ ومحمود أمين العالم وإبراهيم عبد الحليم وحسن فؤاد والفريد فرج وفؤاد حداد وغيرهم من المضطهدين والمظلومين وجرائمهم هي : عشق هذا الوطن حتى الموت . وقد تحدث فؤاد حجازي عن هذه التجربة المريرة في مقدمة كتابه: سجناء لكل العصور وتعتبر كلماته وثيقة إدانة لنظام وصورة من صور اضطهاد الفكر في مرحلة من مراحل حكم عبد الناصر. *** يقول فؤاد حجازي في تلك الوثيقة: " تم القبض علىّ في 19/4/1959 بمدينة المنصورة وتم إيداعي في قسم ثاني المنصورة حيث قام الضابط مصطفى جنيد بمباحث أمن الدولة بالاعتداء علىّ بالضرب وتم التحقيق معي تحت التهديد في مكتب مأمور قسم ثان المنصورة رغم اعتراضي على ذلك أمام وكيل النيابة الذي كان يحقق معي في مكتب المأمور وبحضور مباحث أمن الدولة . *** تم إيداعي بعد ذلك في سجن مصر بالقاهرة . وفي هذا السجن مكثت حوالي أربعة شهور.كان الغلق يتم علينا طوال النهار ونُهدد بالتفتيش كل ساعة بمعرفة الضابط على بلال من مصلحة السجون وإشراف مباحث أمن الدولة. وبذلك لم يكن هناك لنا دقيقة واحدة من الراحة وكنا محرومين من الإطلاع على أي مجلة أو جريدة أو وسيلة من وسائل التسلية. كما كنا نعاني من الذهاب إلى دورات المياه القذرة ولا نذهب إليها إلا مرة واحدة في اليوم. *** في آخر عام 1959 نُقلت إلى سجن القناطر الخيرية وعملت لنا إدارة السجن حفل استقبال رهيباً حيث مكثنا في فناء السجن منذ لحظة وصولنا في الفجر حتى غروب الشمس ونحن نجلس القرفصاء كمن يجلس في دورة مياه بلدي دون أن تمس مؤخرتنا الأرض. *** وكان لكل من يجرؤ منا من شدة التعب على أن يريح مؤخرته قليلا تنهال عليه العصى ويجري حوله الضباط راكبو الخيل بالخيزران حتى يشبعوه ضربا ورغم تجمع الدم وتنميل أطرافنا فلم يسمحوا لنا بشرب الماء مع أننا كنا نجلس في الشمس طوال النهار. *** وكذلك فقد منعوا عنا الطعام وأعدموا ما معنا من سجائر أمام أعيننا برميها في جرادل الماء التي أحضروها لزيادة عطشنا واستفزازنا . وأمرونا بالتجرد من ملابسنا أمام باقي السجناء الذين كانوا يشاهدوننا من زنزاناتهم وأمام العسكر والضباط وأحضروا حلاقاً حلق لنا بماكينة واحدة شعر رؤوسنا وأجسادنا وعاناتنا ومن احتج أو تذمر انهالوا عليه ضربا أو أخذوه إلى السجن الانفرادي حيث الرطوبة والظلام لمدة شهر. *** وطوال إقامتنا في سجن القناطر كانت الزنزانة تُغلق علينا لمدة ثلاث وعشرين ساعة ونصف في اليوم ونصف ساعة فقط لنذهب إلى دورة المياه وممنوع إغلاق دورة المياه علينا ونحن نقضي حاجتنا. *** يتم كل ذلك أمام زملائنا وأمام الحراس كما منعونا من طابور الشمس حتى أهلكتنا الرطوبة ومنعوا عنا الملابس الداخلية والطعام الخاص مع أننا كنا تحت التحقيق ولم تصدر بحقنا أية أحكام. *** ولم يسمحوا لنا إلا بملابس السجن وهي عبارة عن قميص وبنطلون من الخيش لا يقي من البرد في عز الشتاء وأخذوا أحذيتنا وملابسنا الداخلية وكنا نظل طوال النهار حفاة على الأرض الرطبة وممنوع وجود بطاطين في الغرفة إلا في المساء ومنعوا عنا القراءة والإذاعة أو أي وسيلة من وسائل شغل الفراغ. *** وحدث أن أصبت في السجن بخراج في الشرج منعني من الذهاب إلى دورة المياه لمدة أسبوع وبعد إلحاح عرضوني على جراح في مستشفى سجن القناطر فأجرى لي عملية بدون تخدير وبأدوات بدائية لأني كنت معرضا للموت ولأن مباحث أمن الدولة رفضت نقلي إلى مستشفى القصر العيني. *** ولقد تسببت هذه الجراحة في ناسور شرجي وأجريت عملية بعد خروجي من السجن بثلاث سنوات حيث رفضوا إجراء جراحة لي في السجن.وتدهورت حالتي الصحية خلال السجن وكان الطعام سيئا - فول وعدس- لا يتناسب مع مريض بالقولون . *** وفي آخر عام 1960 نُقلت إلى سجن الواحات الخارجة وبهذا حُرمت من زيارة أهلي لي حيث إنهم لم يستطيعوا تكبد مشقة نفقات السفر وتعب المواصلات لصعوبتها ووالداي كانا عجوزين وكان سجن الواحات على بعد 300 كيلو متر في جوف الصحراء بعيدا عن أسيوط. *** ونظرا لضعف الغذاء ولعدم وجود إشراف طبي فقد تعرضت ضروسي وأسناني للتلف وفضلا عن الآلام الهائلة في السجن فقد اضطررت لخلع أغلبها بوسائل بدائية وقد أثر هذا على صحتي بعد خروجي من السجن ومازلت أعاني من ذلك حتى الآن. *** وكان من نتيجة النوم على الإسفلت الرطب في أرضيات الزنزانة وعدم وجود غطاء كاف في الشتاء أن أصابني بحساسية شديدة للإصابة بالبرد تلازمني حتى الآن ولا علاج لها حيث أظل لمدة شهور متواصلة مصابا بالرشح والزكام . *** تلك الأحداث صادقة دون مبالغة أو تحريف ويمكن الاطلاع على سجل القناطر الخيرية والواحات من آخر عام 1959 وعام 1960 لمعرفة تاريخ هذه الوقائع. تلك هي شهادة الأديب فؤاد حجازي عن رحلته مع أول تجربة في السجن السياسي ورغم ذلك فقد كانت التجربة مثمرة حيث كتب في السجن قصة : الشقة الجديدة عام 1961 من خلال مسابقة تضم الأساتذة محمود العالم وصلاح حافظ وغيرهم وكانت هذه القصة هي الفائزة وحصل حجازي على علبة "كاكاو". *** فهل كانت تجربة الحرب عام 1956 ومحاولة البحث عن عمل وسجن القناطر والواحات عوامل فجرت العشق الغاضب فانفصل الكاتب عن عالمه الداخلي ليتوحد بالعالم كله وينطلق إلى قضايا الوطن والحياة. *** إذا كانت قضية الوطن تكمن عام 1956 في التصدي للغزاة القادمين من الخارج فقد أدرك حجازي أن هناك غزاة آخرين داخل الوطن يمتصون دماء الشعب الصلب العنيد ويهدرون حقوقه الاجتماعية والسياسية. *** ومن هنا برزت قضية حجازي في الأدب وهي الفرد العادي الكادح الذي يحاصره القهر والفقر والقمع وعليه أن يقاوم كل ذلك وحده. ولقد كتب حجازي معظم القصص الواردة في مجموعته القصصية:كراكيب داخل السجن عام 1959. *** ولكن هل كان قدر حجازي أيضا أن يعاني السجن خارج الوطن وهذه المرة في فلسطين ؟ كيف ذلك ؟ إنها تجربة أخرى لا تقل روعة وحضورا جميلا لطاقات الفرد العادي على النضال والصمود والمواجهة . *** في عام 1967 كان فؤاد حجازي جنديا بالجيش المصري يؤدي الخدمة العسكرية وشاءت الأقدار أن يكون في طلائع القوات المصرية بأرض سيناء صباح الخامس من يونيو 1967 وشاهد الطائرات الإسرائيلية تسحق الجيش في الصحراء فتشردوا جميعا واستشهد الملايين من أبناء الشعب. وفي اليوم التالي السادس من يونيو 1967 تطارده القوات الإسرائيلية في صحراء سيناء ويتم أسره في موقع اسمه جرادة بين رفح والعريش مع زملائه في محطة سكة حديد بعد أن ضُربت بالقنابل وأحاطتها المدرعات وقد أصيب بشظية في كتفه مازالت حتى الآن ، ومات أغلب الجنود المصريين الذين كانوا معه. وجاءت القوات الإسرائيلية واقتادوه مع الآخرين الأحياء إلى سجن عتليت في فلسطين . *** وداخل معتقل عتليت كتب فؤاد حجازي روايته الرائعة : " الأسرى يقيمون المتاريس " وقد وصف فيها كيف كانت بطولة الإنسان العربي سواء أكان مصرياً أو فلسطينياً أو سورياً في مواجهة واقع الهزيمة التعس. *** وقد طُبعت هذه الرواية أربع مرات ونفدت كلها لجماليات النضال الوطني والتعبير عن وحدة الثقافة والقومية بين الأمة العربية وكذلك لواقعيتها الساحرة فقد استطاع فؤاد حجازي ببراعته الذهنية وأسلوبه المحكم وعنصر الطرافة أن يحلل أبطال الرواية ويقدم الشخوص نابضة بالفكر والتلقائية ورغم بساطتها إلا إنها شخوص واعدة قد أقسمت أن تموت فداء للوطن وفداء لأرض فلسطين والعروبة . *** وتقف الرواية شامخة لا تقل روعة عن أدب النضال العالمي فقد امتزجت بالحس الإنساني والروح الصامدة الجسورة فرغم الهزيمة عام 1967 إلا أن الأسرى في المعتقل قد حاربوا العدو الإسرائيلي وأقاموا المتاريس وكانوا نماذجا من مختلف البلاد العربية. *** ولقد اتخذت رواية : الأسرى يقيمون المتاريس من أدب الحرب تجربة فنية للتعبير عن روح المقاومة في الإنسان العربي أثناء حرب يونيو فجاءت الرواية صورة مشبعة بالبطولة والنضال حيث تمكن الكاتب من توظيف الحدث التاريخي ليعيد صياغة الواقع في فترة زمنية هي أحلك ساعات الزمن العربي ظلاما . ومن خلال هذا الظلام الكثيف يدلل الكاتب على أروع لحظات المقاومة التي فجرها الأسرى داخل أرض فلسطين وباعتباره أحد هؤلاء الأسرى فقد كان مشاركا في هذا الحدث التاريخي وصانعا له ومتأثرا بالموقف والصدمة . كما كان مؤثرا في النسيج السيكولوجي لزملائه الأسرى في سجون الاحتلال. *** لم يكن حجازي مؤرخا أو معلقا على تفاصيل الحرب وما كان يسجل سيرة ذاتية ولكنه استمد من تجربته الحقيقية رؤية شاملة للقدرة الفرد العادي على مواجهة ظروف الأسر وهو وحيد يواجه مأساته ولا يملك إلا أن يقاوم. *** جاءت تجربة حجازي قطعة فنية صادقة تجاوزت التقريرية والمباشرة ليظل الفن هو الغاية والمقصد. فالكاتب هنا لا يعيد أحداثا قد وقعت أو تفاصيلا يرويها ولكنه يتغلغل في أعماق البنية التاريخية في لحظة حاسمة هي الأسر ليكشف عن البعد الإنساني والقومي والوطني ويؤكد مقولة همنجواي : إنه من الممكن أن يُهزم الإنسان في صراعه مع قوى غاشمة ولكن من المستحيل أن ينهار. *** فإذا كانت الأمة العربية قد هُزمت في حرب يونيو فان العدو لم يستطع أن يحطم أو يدمر روح النضال والمقاومة في أعماق الفرد العربي . ولقد كان همنجواي وتولستوي واندريه مالرو وبابلو نيرودا وبرخت واراغون أبطالا شاركوا في الحروب بالسلاح والكلمة وقدموا لنا أدبا إنسانيا رائعا تعبيرا عن أدوارهم في الحروب ومناصرتهم للإنسانية ضد الظلم والطغيان فجاءت أعمالهم تحفة فنية خالدة تكشف عن عقائدهم وإبداعهم لتحقيق الحب والعدل والحرية والسلام . *** واستطاع فؤاد حجازي أن يكون واحدا من هؤلاء الكتاب والأدباء من خلال أدبه الإنساني الرفيع . ونضاله من أجل نشر كلمته وثباته ومثابرته في مواجهة الصراعات الحزبية والمعارك الكلامية والجدال الثائر حول قضايا ثانوية لا تهم مصير الشعوب ولا تساهم في إضاءة الشموع . *** لقد نأى بذاته عن مجتمعات السفاسف والفوضى والأحزاب يكتب بصدق وينشر على نفقته الخاصة ويجاهد لتقديم أدب جاد يحمل قضية والتزاما كبيرين تجاه معاناة قومه وأمته . ومازلت الي اليوم اعترف انه لولا وجود فؤاد حجازي معنا جميعا ما كنا استطعنا الكتابة. *** انه استاذ جيل كبير ومعلم مدرسة ادب الجماهير الذى تعلمنا منه ان نعيش الكلمة بصدق وشرف ونضال وان نقف فوق جراحنا في كبرياء وشموخ كبير. نغني للحب والحرية والسلام. ***

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل