المحتوى الرئيسى

أنا الشعب

05/30 08:12

أقاوم كثيراً ضرورات الكتابة عن الاختلافات المذهبية والأيديولوجية، وأميل إلى التركيز على ما يلم الشمل، ويوحد الصف.. وأشعر بأن غاية أعداء الثورة هى إلهاؤنا بأوجه الاختلاف عن أوجه الاتفاق بين أبناء الشعب المصرى.. ننساق بسذاجة فى كثير من الأوقات لهذا المخطط، ونغرق فى التفاصيل لدرجة تنسينا الأهداف الكبرى، ويتحول الخلاف بسرعة البرق إلى شجار وتخوين وتشهير، وقد يصعب بعدها تجاوز أسباب الاحتقان، حتى لو انتبهت العقول واستيقظت الضمائر وتوفرت الإرادة.. هنا أفشل فى مقاومة الكتابة عن تلك الأزمة، وأرى كل ما عداها هامشياً لا يستحق النظر. ثقافة الاختلاف فى مجتمعنا تنافى ثقافة التسامح التى ينادى بها الإسلام وتدعو لها المسيحية، وتخالف عهود الثورة التى وقعها الشهداء والجرحى بدمائهم، وتناقض مبادئ الديمقراطية التى حرمنا منها ثلاثين عاماً، ثم انتزعناها من حلق الأسد ليلة 11 فبراير.. كيف ذلك وشعب مصر بطبعه متدين، ومخلص لعهوده، ووفىّ لتضحياته؟ اختبر نفسك.. افتح حواراً مع من تختلف معه وراقب الساعة.. لن تمضى دقائق حتى يشرع كل منكما فى كيل الاتهامات للآخر، ويتطور النقاش، وترتفع الأصوات، وينحدر المستوى، ويبدأ الردح.. يتم ذلك بمنتهى السهولة والسرعة.. إذا دافعت عن الليبرالية فأنت علمانى ملحد، وإذا هاجمت الدولة المدنية فأنت سلفى متطرف، وإذا انضممت لحزب المصريين الأحرار فأنت عدو للإسلام، وإذا عارضت الكنيسة فأنت عدو للأقباط.. تجرى هذه العمليات الحسابية المعقدة دون جهد، دون إعمال للعقل، أو احتكام للمنطق، أو استدلال بالمعلومات، أو استناد للحقائق: المشهد السياسى ناقص الأقباط يساوى اختفاء السلفيين! الدولة المدنية زائد الإخوان تساوى أفغانستان! الليبراليون قسمة الشعب المصرى يساوون صفراً! ضرب المسلمين فى المسيحيين يساوى الدعوة لاحتلال مصر! لا تحتاج هذه المسلمات القاطعة فى نظر أى مصرى فهلوى لأرشميدس أو أينشتاين أو أرسطو أو زويل! ما أسهل إصدارها فى شكل أحكام نهائية، تقود فى أغلب الحالات إلى التكفير، أو الأذى، أو القتل! لدينا هوس دينى! بدأت محاكم التفتيش! كل واحد يحاسب الآخر وينسى نفسه! أنت مع أو ضد! مع التيار الإسلامى فى الجنة، أو مع التيار الليبرالى فى النار! إذا اقتضى العدل أن تنادى بالمواطنة، فأنت علمانى، وعلمانى والعياذ بالله يعنى «ملحد»! والملحدون هم من يطرحون المادة الثانية من الدستور للنقاش! وهؤلاء ينبغى التشهير بهم، وإرهابهم، وتخوينهم، وتحريض المجتمع عليهم! أما إذا دافعت عن حق الداعية فلان أو الشيخ علان فى ترشيح نفسه للرئاسة باعتباره مواطناً مصرياً، فأنت تفتح الباب للقاعدة كى تحكم مصر، وتغلق نافذة الحرية والتقدم على المصريين.. إذا قلت بيننا وبينهم البرنامج الانتخابى، فأنت تمنحهم فرصة للانتشار، وإذا طلبت من الليبراليين أن يوحدوا صفوفهم، فستسمع قعقعة الفوضى، وإذا طالبت المصريين فى الخارج بأداء واجبهم نحو الوطن، فستسمع مصمصة الشفاه! كل ما فعلناه كان من أجل الحرية.. كان من أجل أن يسترد كل منا حقه فى التعبير.. ولأننا عائلة واحدة، فإن احتفالى بعيد حريتك، هو أن أستمع إليك، وأحترم رأيك، وأقبل اختلافى معك.. أجمل ما فى مصر هو تنوع شعبها بين مسلم ومسيحى، وأبيض وأسود، وفلاح ومهندس وضابط فى الجيش.. ليس من حق أحد أن يقول: أنا وحدى أمثل مصر.. أنا الشعب! m.said.mahfouz@googlemail.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل