المحتوى الرئيسى

عندما يقع السياسي في شباك الموظف الانتهازي بقلم: بسّام عليّان

05/29 21:37

عندما يقع السياسي في شباك الموظف الانتهازي • بقلم: بسّام عليّان* بداية سأقوم بإيراد قصة قصيرة جدا؛ حدثت معي قبل شهرين تقريباً؛ حيث امتنع مدير في مؤسسة اعلامية من نشر مادتي كالعادة، وعلل ذلك بعدم استيعاب صفحات المجلة التي أشارك في تحريرها منذ عقود، رغم أن المدير (هذا)؛ هو من حديثي النعمة الذين سقطوا بالبراشوت على المجلة وعلى الصحافة والاعلام بحكم علاقته الانتهازية والوصولية ببعض مرؤوسيه الذين هم من طينته أيضاً. وفهمت فيما بعد بانه لن يتم نشر مقالاتي ودراساتي التي أعدها لأنني أصبحت من المغضوب عليهم لا لشيء سوى لأنهم لا يتمتعون بأية قدرات مهنية؛ ولمسوا مدى تفوق قدراتي المهنية والمعرفية؛ فلم يكن أمامهم سوى موضوعة الإزاحة أو الاقصاء. الغريب في الأمر ان الإدارة العليا في المؤسسة المذكورة لم تحرك ساكنا ولم تتدخل حتى اللحظة لكف يد هذا «المدير» التي امتد تعسفها وتغليبها للمصلحة الشخصية على المصلحة العامة ؟!. حقيقة لا بدّ من الاعتراف؛ قبل الولوج بموضوعي، أن أقول أنه ومنذ وطأ الإنسان وجه البسيطة حتى بدأت احتياجاته ورغباته المتنوعة بالظهور ، ومع تطوره ونشوء المدنيات والحضارات تزايدت إحيتاجاته وتشعبت في كافة مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية ، وأصبحت المصالح الشخصية وما يتعلق بها من مصالح العائلة والعشيرة والأصدقاء والفئة الخاصة هي العامل المؤثر والمحرك لنشاطه ، والأساس الذي يعتمده في تكوين علاقاته ورسم أبعاد سلوكياته العامة والخاصة . وهذه الحالة بدأت تأخذ مع استمرار تفاعلها وتطورها على مرّ التاريخ أبعادا أكثر شمولية ومنهجية بحيث أصبح الصراع على الوجود والمصالح من أهم القضايا التي تشغل الفرد والفئات والجماعات. لكن الذي أستغربه؛ هنا، أن ينمو هذا المرض من السلوكيات داخل اجهزة الدولة أو دوائرها المدنية؛ وحتى نخر إلى الأحزاب والتنظيمات ومؤسسات المجتمع المدني للحفاظ على مصالحهم باعتبارهم مجموعة واحدة متجانسة ، إلى درجة كبيرة جداً حيث أخذ هذا المفهوم وجه آخر ينحصر في الصراع بشكله المعلن أو المخفي الهادف إلى تحقيق مصالح ومآرب خاصة وخاصة جداً وليست عامة بالمطلق. ويعكس هذا السلوك المشين الذي يقوم به أمثال هذا المدير ومسؤوليه ما يختلج في ذات هذه الفئة من حب الذات والمصالح الشخصية، فباتت تشكل أحد أخطر الأمراض السياسية والاجتماعية التي كان لها آثارها السلبية الخطيرة في انحراف مسيرة الجماهير التواقة إلى التطور، والحيلولة دون التعبير عن إرادتها وتمتعها بالحرية والعيش بسلام ، فهؤلاء لم يستطيعوا أن يدركوا بأنه لا وجود لهم بلا جماعة وبلا مجتمع متماسك يحميهم ويحفظ له تطلعاتهم وعلى يديه تتحقق أمانيهم في الحياة الكريمة ، وأن تلك المصالح كانت ستتحقق فيما لو لم يستعجل أصحابها تحقيقها بصورة آنية وفورية من خلال الالتفاف على كل القيم والمثل وسحقها تحت الأقدام والتلاعب بمفاهيمها ، الأمر الذي جعل من هذه الفئات ولا زالت عقبة كأداء أمام مسيرة تطور المجتمع ورقيها . لذلك كان لا بد من نظرة لهذه الفئة التي تلاعبت و تتلاعب بمقدرات هذه المؤسسات ، وتنشر ثقافتها التبريرية لممارستها النفعية في أوساط مجتمعها. الوصولية و الانتهازية أصبحت اليوم من أخطر الآفات التي تنخر في أوصال دولنا ومؤسساتنا المدنية والأحزاب والتنظيمات وأسسها ، وأصبحت تشكل معولا هداما يعمل على القضاء على ما تبقى من القيم و المبادئ ،لاسيما وأننا نلمس المبدأ الانتهازي في زمننا هذا أكثر من أي زمن مضى خاصة بعد أن قنن ووضعت له الضوابط و الأطر التي تجعل ممن لديه ميولا خفية رجلا انتهازيا مع مرتبة الشرف إن هو استجاب ولم يردعه نظام أو قانون أو عرف أو حتى تقليد ، ، وغدت الانتهازية أسلوبا متبعا كظاهرة خطيرة تطفح بشكل عنيف في النفوس الشريرة وتظهر على السطح في الظروف العصيبة ، والتي لها عواقبها وانعكاساتها السيئة على المجتمع صغر أم كبر؛ كسائر الظواهر والآفات الاجتماعية الأخرى ، لأن الانتهازي يحطم صمود المجموع ويجعله في بلبلة شديدة ويفقده قدرة التمييز بين الحقيقة و الزيف بحيث تضيع المقاييس والمعايير فتتمزق من الداخل وتصبح كالأشلاء ، بل إن ممارساته الضيقة الأفق تشكل مدخلا يدفع المجتمع الذي حوله بكل شرائحه و بكل ما يمتلكه من قيم ومثل وإنجازات ضخمة وعظيمة وتاريخ حافل على صعيدي النظرية والتطبيق إلى هوة سحيقة . وربما يسأل سائل لماذا تذكر قصة شخصية بسطة في البداية لتبدأ بموضوعك؛ فأقول أنني ككاتب وباحث منذ اكثر من عقدين ونيف أعتبر نفسي ممن همهم الأداة الإنتاجية التي تستقطبها المشاريع والأعمال الانتاجية الكبرى؛ من أجل إنجاز المهمات وتحقيق الأهداف التي يتم تحديدها للنهوض والتقدم، ولم أكن أتصور أنني سأقف يوما عند هذه الترهات وإن كنت أعترف بوجودها كما أسلفت. لكن التعامل مع هذه الفئة الساقطة اجتماعيا والمنحطة اخلاقيا؛ جعلني أتوقف قليلا لألقي شيء من الضوء لإنارة المغبونين بحقيقة بعض الناس؛ لأن الدولة أو الدائرة أو المؤسسة أو هذا الحزب أو ذاك؛ لا يمكن أن ينجز مهماته أو أن تتحقق أهدافه بدون كادر من العاملين الذين يتمتعون بالكفاءة العالية والقدرة على العطاء، فالموظفون جزء لصيق بالمشاريع والأعمال الهادفة لا يكمن الإستغناء عنهم أو إلغاؤهم مهما توفر لتلك المشاريع والأعمال من أموال ومعدات، فبدون الموظفين لا يمكن أن تحقق تلك الأموال أو المعدات الغاية التي أعدت لها، وذلك بسب عدم قدرتها على العمل ذاتيا بل تحتاج إلى من يقوم ويشارك بالانتاجية مهما كان حجمها وصفتها. ولا تقوم هذه المؤسسات أياً كان شكلها ومدى خصوصيتها، على الموظف الانتهازي؛ لأن هذا الانتهازي يتخذ مواقف سياسية و فكرية لا يؤمن بها؛ بل هو ينتفع بإعلانها في سبيل تحقيق مصالحه الفردية و حماية مصالح شخصية تهمه وحده، وهو بالطبع جاهز ومستعد للتضحية بالأهداف الإستراتيجية من اجل تحقيق أهداف مرحلية مؤقتة . وها نحن نراقب ما يدور في الدول التي تتصاعد فيها الثورات والتظاهرات؛ الكل يطمح لــ «الحرية» و «الديمقراطية» و «تداول السلطةۘ» وعدم احتكارها؛ وما تزال صور مبارك والقذافي وصالح وعملهم الدؤوب لاحتكار السلطة في عائلاتهم بتوريث أبنائهم السلطة من بعدهم؛ وها هو مبارك وأولاده يحاكمون؛ والدمار يعم ليبيا، والاضطرابات الحامية تنتشر في اليمن !؟. فهل توقف أي تنظيم أو حزب سياسي وسأل نفسه سؤالا ماذا سيفعل بعد أن ينتقل من مرحلة النضال في سبيل تحقيق أهدافه ومنها تسلم السلطة إلى مرحلة الانتصار وتسلم السلطة ، لا بد وأن يواجه في طريقه الكثير من العثرات لأن النهوض بالمهام المنوطة به يختلف بين المرحلتين . فنضال التنظيم السياسي في مرحلة ما قبل تسلم السلطة هو في سبيل تحر البلاد من الاستعمار وبناء المجتمع أو الدولة وإعادة صياغتهما من جديد ، وهنا يكون للسلطة سلطانها على النفوس لما فيها من ميزات ومغريات ويخطئ من يظن أن هذه المرحلة سهلة أو هي اسهل من سابقتها . وما أردت أن أقوله هنا؛ أن أخطر هذه الصعوبات التي تواجه الأحزاب السياسية أو حركات التحرر بعد نجاحها في الوصول واستلام مقاليد الحكم في بلد من البلدان هي الانتهازية المقترنة بالتوسع التنظيمي لقاعدة الحزب أو الحركة ، ففي مرحلة بناء المجتمع الجديد أو المنشود الذي يجب أن يختلف ببنيته وقيمه وعلاقاته عن المجتمع القديم ، تسعى الأحزاب التي تصل إلى السلطة إلى استقطاب فئات المجتمع عن طريق التوسع التنظيمي مما يؤدي إلى ظهور الانتهازية بكل صورها وأشكالها وإلى بروز الثورة المضادة بكل أسلحتها وصنوفها ، وهنا يكمن موضوعة الحرية باعتبارها العامل الحاسم الذي يعيد التوازن في المجتمع ، إلا أن وجود الحرية يعني أيضاً وجود مثقف ثوري و«مثقف» انتهازي ، وهذا يعني أن مقابل كل إنسان واع قد يوجد انتهازي فلا يمكن أن يكون كل الناس ثوريين أو كلهم انتهازيين ، وبما أن دور السياسي هو تنظيم وإدارة التناقضات في السياق التاريخي والاجتماعي للمجتمع ، نظرا لحاجة السياسي الماسة للمثقف الثوري في هذه العملية وذلك نظرا للدور الذي يلعبه المثقف في عملية تغيير اللغة ومفاهيمها والتعامل معها وقراءة التاريخ لذلك فإن الخطورة الكبرى تكمن في إمكانية أن يقع السياسي في شباك الموظف الانتهازي..!!؟. • بسّام عليّان ــ كاتب وباحث www.nice1net.jeeran.com bassam_elayan@hotmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل