المحتوى الرئيسى

ثورة مصر وما بعدها (2/3) بقلم:د. سمير أمين

05/29 20:24

د. سمير أمين ـ مفكر مصري ثانياً: استراتيجيا الثورة المضادة كتلة التحالف الرجعي وتتمثل في قوتين أو ثلاث: أولها الطبقة الحاكمة مشخصة في البورجوازية، فالنظام لم يكن نظام مبارك ولا الثلة الملتفة حوله، لكنه نظام يضم معه النواب المنتخبين من الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم ـ ومعظمهم مدنيين أثروا من خلال الفساد، كما يضم أيضاً كل البورجوازية المصرية بمن ينتمي منهم إلى أغنياء الفلاحين. ألفت النظر إلى هذه النقطة التي أضفي عليها أهمية كبرى. فالحديث عن «الفلاحين» بصفة عامة. وهو الشائع عندما تتحدث عن الريف بشكل عام- لا يفيد. إذ أن «الفلاحين» طبقات متباينة المصالح. ويتشكل الريف المصري الراهن من 40% من الفلاحين المعدمين (لا يملكون أرضاً نهائياً أو يمتلكون فدان وفيما أقل من ذلك) و 30% من صغار الفلاحين (ملكيات أو حيازات أقل من 20 فدانا) و30% من أغنياء الفلاحين (ملكيات أو حيازات تزيد عن 20 فدانا). وبالرغم من أن أغنياء الفلاحين هم أغنياء بدرجات مختلفة وليسوا بالضرورة مليونيرات مثل كبار البورجوازيين، فإنهم أغنياء في إطار المجتمع المصري وكذلك رجعيون تماماً، ويحوزون على قدر معتبر من السلطة في الريف بسبب علاقاتهم وارتباطاتهم بنظام السلطة المحلية ووجهاء الريف المتنفذين في السلطة أو لديهم علاقة قوية بها مثل الطبيب والمهندس بمن فيهم رجال الدين طبعاً. ويشكل أغنياء الفلاحين أيضاً العنصر الأساسي الذي يعتمد عليه الإسلام السياسي اليميني في الريف. لقد أنتج الإصلاح الزراعي الناصري تغييراً هاماً في ميزان القوى الاجتماعية الخاصة بالريف المصري. فأغنياء الفلاحين هم الطبقة التي استفادت أكثر من غيرها من الإصلاح على حساب كبار الملاك المسيطرين على الريف في العهد الملكي السابق. فأقيمت تعاونيات تجمع معاً أغنياء وصغار الفلاحين، علماً بأن هذا الأسلوب أعطى للأغنياء السيطرة على التعاونيات وتحريكها لصالحهم. بيد أن الناصرية وضعت حدوداً لهذه السيطرة وفرضت «تنازلات» لصالح صغار الفلاحين بتعبير أخر يمكن القول بأن الناصرية اعتمدت على أغنياء الريف مع تحييد طبقة صغار الفلاحين. ثم انقلبت العلاقة في عصري السادات ومبارك مع مخطط إلغاء الإصلاح الزراعي. فقد أعطى هذا التحول فرصة لأغنياء الفلاحين أن يثروا على حساب صغارهم من خلال تصفية ملكيتهم، وذلك باسم «التحديث» الذي يدعو البنك الدولي إليه. ويتجلى رد فعل صغار الفلاحين في معاركهم الراهنة وصمودهم في مواجهة الإجراءات الرجعية المضادة للإصلاح الزراعي. وفي هذه المعركة يقف أغنياء الفلاحين مع كتلة الرجعية الحاكمة. أما فقراء الريف، وهم الأغلبية الكبرى، فقد استبعدوا من الصورة أصلاً فلم يستفيدوا من الإصلاح. بيد أن أوضاعهم قد تغيرت في عهد الانفتاح، فهم الذين مثلوا الأغلبية الكبرى من المهاجرين (للخليج والعراق وليبيا) ـ والعديد منهم ـ عند عودتهم ـ خرجوا من نطاق الإنتاج الزراعي لينضموا إلى صفوف الاقتصاد الريفي العشوائي وغير المنظم الجديد. نقطة أخيرة هامة في رأيي: العلاقة بين طبقة أغنياء الفلاحين والإسلام السياسي. فأغنياء الفلاحين مثلوا دائماً ـ والآن بقدر أوضح مما كان الأمر عليه سابقاً ـ السند الأساسي للإسلام «السلفي» المتجمد والمحافظ والعديد من رجال الدين ومن الفئات الوسطى (المهنيين) ومن ضباط الجيش ينحدرون من هذه الطبقة الريفية الرجعية. الإخوان المسلمون والتيارات الإسلامية من المشكوك فيه قدرة جماعة الإخوان المسلمين أن يتحولوا إلى منظمة ديمقراطية. فالتنظيم قائم على مبدأ طاعة المرشد دون وجود ديمقراطية أو مجال للنقاش. وعندما ننظر لقيادة الجماعة كلها وليس للمرشد فحسب، سنجد أن العديد من أعضائها أثرياء جداً، ومليونيرات بالتمويل الخليجي بصفة أساسية، بمن فيهم أولئك الذين يرسمون لأنفسهم صورة رجال الدين في الأزهر وغيره. هذه القيادة واعية تماماً برجعيتها الاجتماعية والسياسية وكراهيتها للديمقراطية... وهي التي أدخلت الوهابية إلى مصر التي تم ترويجها بشكل واسع بعد حرب 1973 بفضل التمويل الخليجي، حتى أصبحت العنصر السائد في تأويل الإسلام في مصر. استلهم الإخوان المسلمون فكرهم من فلسفة محمد رشيد رضا الذي يمثل الوهابية في التأويل المتجمد والمتخلف الأقصى للإسلام، وهو الذي أدخل الوهابية مصر، قبل حتى ما يمتلك الخليج الأموال الطائلة لينفقها على الترويج لهذا الفكر. ويجب في هذا السياق ألا ننسى أن السفارة البريطانية كما تدل على ذلك وثائق موجودة فعلاً ـ هي التي اتخذت قرار مساندة جماعة الإخوان المسلمين عام 1927 ، لمنع تسييس الجماهير الشعبية سواء من خلال الوفد أو الشيوعيين الذين شكلا عنصرين تقدميين أساسيين في الثقافة السياسية المصرية. فقد مثّل الوفد بورجوازية أو فئات وسطى مستنيرة تقدمية ديمقراطية في المرحلة الممتدة من الحرب العالمية الأولى وحتى الأربعينيات، حيث استطاعت هذه البورجوازية أو الفئات الوسطى تجاوز الطائفية تماماً ولم شمل المسلمين والأقباط حتى كان هناك أقباط منتخبين في البرلمان بل كان منهم في بعض الأحيان رئيس البرلمان المنتخب دون أن يثير ذلك أي تعليق سخيف من النوع الذي نسمعه اليوم عن الخشية من تحكم المسيحيين في المسلمين! كان الجميع مواطنين فحسب، وظهرت شخصيات وطنية مسيحية كان لها دور مشهود على الساحة السياسية. وكانت الحركة الشيوعية العنصر الثاني في الثقافة السياسية المصرية خاصة انطلاقاً من الحرب العالمية الثانية وما بعدها. وكان العنصر الثالث في الثقافة السياسية المصرية رجعيًا ويتكون من كبار ملاك الأراضي والنظام الملكي. ولعبت دائماً قيادة الإخوان المسلمين دوراً مضاداً للمد الثوري في مصر وفي ضرب الحركة الثورية في مصر منذ العشرينات، فساندت ديكتاتورية صدقي باشا ضد الوفد، ثم اتخذت خلال الحرب العالمية الثانية موقفاً يميل إلى الفاشيست الألمان ضد الإنجليز. وخرجت في 21 شباط/فبراير 1946، إبان انتفاضة العمال والطلبة، من الجبهة الوطنية الممثلة في اللجنة الوطنية العليا للطلبة والعمال، لينضموا إلى صدقي في هذه الفترة. وفي اللحظة الثورية التي نعيشها هذه المرة أيضاً، دخل الإخوان متأخراً في المظاهرات الشعبية. من هنا أصبحوا مرشحين للتحالف مع شخوص النظام السابق وبالتالي يتخلون كالعادة عن الطبقات الشعبية المصرية. ويتحمل جمال عبد الناصر أيضاً ـ في رأيي الشخصي ـ مسؤولية كبيرة عن قيام الإسلام السياسي اليميني في بلدنا بدور المانع الأساسي لتسييس الجماهير، فعندما ألغى عنصرين أساسيين من الحياة الثقافية المصرية، هما العنصر الليبرالي البورجوازي والحركة الشيوعية، بضربه الوفد، ومنعه الأحزاب، وضرب الحركة الشيوعية بأساليب أكثر عنفاً حتى من تلك التي اتبعها النظام الملكي السابق له في مكافحة الشيوعية، خلق بذلك فراغاً شغلته التيارات الإسلامية التي كانت موجودة دائماً بدرجة ما في المجتمع، دون أن تحتل مقدمة المسرح مما مهد الأرض لانتشار الإسلام السياسي والإخوان المسلمين. كان جمال عبد الناصر بنظرته السلطوية يتصور أنه قادر على إلغاء الشيوعية والليبرالية البورجوازية وإخضاع التيار الإسلامي له ببعض الكلام عن اشتراكية الإسلام... الخ إلا أن التاريخ أثبت إمكانية التلاعب بسهولة بهذا الكلام وحتى قلبه إلى نقيضه، ليصبح هذا التأويل للإسلام عدوًا للاشتراكية والديمقراطية وليس الشيوعية فقط. ويشيع الإخوان المسلمون اليوم أن الإصلاح الزراعي كان إصلاحاً «شيوعياً» معادياً لمبادئ الإسلام المقدسة التي تقدس الملكية الخاصة.. إلخ وهو كلام رجعي جداً على المستوى العالمي وليس الوطني فحسب، فلا أحد في أوروبا الرأسمالية على سبيل المثال يصدر عنه مثل هذا الكلام عن الإصلاح الزراعي وحتى البنك الدولي يعتبر يسارًا بالنسبة للإخوان المسلمين بخصوص ذلك! سمحت الظروف للإخوان المسلمين بالظهور بصفتهم «معارضة» للنظام. وهذا غير صحيح بالمرة. فالنظام ـ السادات ثم مبارك ـ هو الذي أعطى للإخوان ما يكاد يكون الإنفراد في حق ممارسة الخطاب السياسي كما أن النظام قد سلم للإسلام السياسي (أي في واقع الأمر للإخوان) مسؤوليات قيادية في «أسلمة السياسة والمجتمع» من خلال سيطرتهم على التعليم والقضاة والإعلام. فالإخوان جزء لا يتجزأ من النظام. هناك، إلى جانب الإخوان، تيارات «إسلامية» أخرى، ومنها السلفيون الذين يظهرون بصفتهم الجناح «المتطرف». ولكن: هل هذا التيار يتمتع باستقلال حقيقي ويعادي الإخوان؟ أم هناك توزيع للأدوار، بحيث أن يظهر الإخوان «معتدلين» يعطون لواشنطن وحلفاءها المحليين تبريراً لمنحهم «شهادة الديمقراطية»؟ هذا هو بالتحديد اللعب الخبيث الذي يقوم به أوباما. فالعدوـ أقصد الاستعمار (وعميله الصهيوني بالطبع) ـ يعلم تماماً أن «أسلمة» السياسة والمجتمع والإغراق في التأويل الوهابي المتجمد السلفي للإسلام إنما هو ضمان عجز المجتمع المصاب به عن مواجهة فعالة لتحدي العصر. وهذا هو في نهاية المطاف هدف الولايات المتحدة والخليج وبالتالي أيضاً هدف الدولة الإسرائيلية: إجهاض الثورة ونهضة مصر. ملاحظة أخيرة: هناك أيضاً تيار إسلامي، وهو تيار الطرق الصوفية (ويقال بهذا الصدد أن حوالي 15 مليون مصري أعضاء في طرق صوفية) الذي بدأ في الظهور على الساحة السياسية نظراً لتهديده من قبل التيارات الإسلامية ذات الأصول الوهابية وبالرغم من تنوع هذه الطرق، إلا أنها تمثل بصفة عامة تياراً يرحب بالعلمانية وذلك لأن وجودهم مرتبط بفصل الدين عن الدولة. المؤسسة العسكرية: علامة استفهام؟ أعلنت حكومة واشنطن «خطة أوباما لإجهاض المد الثوري في مصر»، من خلال مرحلة انتقالية قصيرة، يبقى نظام الحكم خلالها في أيدي الطبقة الحاكمة، بعد الحفاظ على الدستور الحالي بتعديلات تافهة وانتخابات سريعة عاجلة تضمن مساهمة الإخوان المسلمين في البرلمان واستمرار النظام. توجد الآن وثيقة أميركية نشرت مؤخرا تؤكد أن هذه هي بالفعل الخطة الأميركية. وقد تم تنفيذ مرحلتها الأولى فعلا والخاصة بالاستفتاء وستتمثل المرحلة الثانية منها في انتخابات أيلول/سبتمبر أو تشرين الأول/أكتوبر. والنمط الذي تسعى الولايات المتحدة إلى انجازه في مصر يستلهم النموذج الباكستاني وليس التركي أبدا. والفارق كبير بينهما، ففي النموذج التركي تقف المؤسسة العسكرية وراء الستار لضمان «علمانية المجتمع». وتلك ليست ظروف مصر على الإطلاق. فالنمط الباكستاني يعد النمط الرئيسي «للديمقراطية» الذي تعده الولايات المتحدة لمصر. وما قيل في أوروبا وهنا وفي البلدان العربية الأخرى عن النمط التركي هو كلام للتضليل وتسويغ النموذج الباكستاني المعد فعلا. يتمثل النمط الباكستاني في هيمنة بورجوازية طفيلية تابعة ونظام حكم يعلن نفسه إسلاميًا، تقف وراءه من خلف الستار المؤسسة العسكرية، التي تدخل إلى مقدمة المسرح من وقت إلى آخر لتصفية الصراعات بين التيارات الإسلامية المختلفة باعتبارها رمانة الميزان، لا أكثر من ذلك. فالمطروح بالنسبة إلى مصر إنما هو النمط الباكستاني، حيث يقبع الجيش- وهو هذه الحالة جيش «إسلامي» خلف الستار، وفي مقدمة المسرح يحكم برلمان إسلامي هو الآخر «منتخب». هذا هو نمط الديمقراطية المقدم من الولايات المتحدة لنا! يسعى إذن هذا المخطط إلى تعزيز سلطة الكتلة الرجعية المكونة من تحالف البورجوازية التابعة وأغنياء الفلاحين وقيادة الإسلام السياسي علماً بأن هذه الكتلة الرجعية المصرية تكره الديمقراطية وتخشاها مدركة تماما أن الديمقراطية الصحيحة في مصر لابد وأن تتحول إلى حركة اجتماعية تقدمية في المجال الاجتماعي، (لا أريد أن أقول أنها ستكون بالضرورة «ثورية»)، بالإضافة إلى كونها معادية للاستعمار. هذا بالضبط ما تخشاه الولايات المتحدة والتكتل الرجعي المصري. فالمطلوب من نظام الحكم في مصر إنما هو ضمان استمرار تبعية مصر في المجال السياسي (ومن باب أولى «احترام شروط السلام» مع إسرائيل، أي بمعنى أدق الامتناع عن التضامن مع شعب فلسطين في مواجهة مشروع امتداد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، من جانب، وفي المجال الاقتصادي من الجانب الأخر (بمعنى استمرار التبعية للعولمة). وقد قبل كل من قيادة المؤسسة العسكرية والإخوان المسلمون هذه المطالب الأميركية إذ يعتمد هذا المخطط الأميركي على ولاء قيادة المؤسسة العسكرية لواشنطن. فكثير من قادة الجيش حالياً تلقوا تعليمهم وتدريبهم الأساسي في الولايات المتحدة كما أن الجيش اشترك على مدار السنوات الماضية في كثير من المناورات المشتركة مع القوات الأميركية الموجودة في المنطقة وكان يقوم لها بالكثير من الخدمات المعاونة. كما أن انصراف الجيش عن العمليات القتالية إلى العمليات المدنية وهطول الأموال الأميركية عليه في شكل معونات عسكرية تقدر سنوياً بحوالي 1.5 مليار دولار حوله مع ما سبق ذكره كما يقول كثيرون عن العقيدة القتالية الوطنية إلى شركة الجيش التي يحقق أعضاء مجلس إدارتها أرباحاً طائلة ويخصصون لأنفسهم رواتب باهظة من احتلالهم مقاعد الإدارة فيها. وهم يعرفون تماماً أن المعونة العسكرية الأميركية هي رأسمال شركتهم، وهو ما يكشف اضمحلال العقيدة القتالية الوطنية في الجيش واستشراء الفساد في صفوفه. كما أن الامتيازات والكوادر الخاصة للرتب العسكرية العليا والبدلات الباهظة التي كانوا يحصلون عليها في إطار نظام مبارك يجعلهم مرشحين إلى أن يكونوا جزءًا من التكتل الرجعي الذي يهدف إلى إجهاض المد الثوري والحفاظ على جوهر النظام كما هو. هذا المخطط الأميركي الخليجي للحيلولة دون يقظة مصر. استطاع الجيش أن يحفظ على سمعته بالامتناع عن المساهمة في ضرب الثورة، ثم المبادرة التي اتخذتها قيادته العليا في استبعاد مبارك. ولكن تظل أهدافه البعيدة مجهولة إلى حد كبير. وذلك بالرغم من اتخاذ قيادة المؤسسة العسكرية إجراءات تشير إلى انحيازها للقوى المحافظة المكونة لكتلة الثورة المضادة، ذكرتها فيما سبق: تعيين شخصيات من النظام لتقود «حكومة المرحلة الانتقالية»، الإنفراد في «الحوار» مع الإخوان وأصدقائهم واستبعاد القوى الجديدة الديمقراطية, الشباب، اليسار)، وتأكيد القوانين الرجعية التي سنتها تلك الحكومة في آذار/مارس 2011 (قانون الأحزاب، منع الإضرابات). ملاحظة حول الفساد الفساد كلمة خطيرة تستخدم أيضا دون توضيح علاقته بالهيكل الاجتماعي الذي يعمل في إطاره. وبالتالي يقال عن الفساد كلام أخلاقي باعتباره رذيلة. أقول أنا أن مجرد المطالبة «بحكم غير فاسد» هو مقولة ضعيفة المعنى. وفي مواجهة هذه الصياغة المبهمة أزعم أن الفساد جزء عضوي من الرأسمالية القائمة بالفعل. فلا يمكن أن تكون هذه الرأسمالية المعاصرة خالصة من ظاهرة الفساد الذي يعد وسيلة ضرورية لتوسيع مجال سيادة العلاقات الرأسمالية. فالبورجوازية في مصر المعاصرة تكونت على أساس الفساد، حيث لم تكن هناك انطلاقا من عام 1970 الشروط التي تتيح تكوين البورجوازية بأساليب أخرى. فالمقولة التي تدعي أن الفساد سمة ظهرت في كل المجتمعات عبر التاريخ غير صحيحة، وأن الفساد أصبح منذ 40 سنة على الأقل سمة رئيسية للنظام الرأسمالي كما هو قائم بالفعل حاليا في الوقت المعاصر. فالقول الذي كان يردده في الماضي حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي القائم على التمييز بين رأسمالية غير طفيلية، وغير فاسدة، وبين الرأسمالية الطفيلية هو قول ليس له علاقة بما يمكن أن تكون الرأسمالية في ظروفنا، في إطار المنظومة المعولمة الحديثة. بل أذهب إلى أبعد من ذلك. أقول أن الفساد في المجتمعات الغربية المتقدمة قد أصبح أيضًا عنصرًا عضويًا في النظام. بالتالي لا يمكن أن نتحدث الآن عن الفساد إلا كعنصر عضوي في الرأسمالية بشكل عام. لذلك أقول أن الرأسمالية دخلت مرحلة «الشيخوخة». أقصد بذلك لفت النظر إلى تلك العلاقة النظامية التي تربط هيمنة الاحتكارات على المنظومة الإنتاجية واستخراج الريع الاحتكاري من جانب وظاهرة الفساد الناشئة عن التفاعل بين ممارسة السلطة السياسية واستخراج هذا الريع من الجانب الآخر. أقول إذن إن التخلص من الفساد أصبح مستحيلاً دون انجاز تغيير جوهري في علاقات الإنتاج. فقبل أربعين أو خمسين عاما كانت هناك احتكارات في البلدان الرأسمالية المتقدمة، لكن إلى جانبها كانت توجد قطاعات واسعة من الإنتاج الرأسمالي الصناعي والزراعي والخدمي المستقل عنها، والتي كانت قاعدة للمنافسة وبالتالي قاعدة للديمقراطية البورجوازية في إعادة تكوين النظام وأيضا القاعدة لعلاقات اقتصادية غير فاسدة (غير قائمة على الفساد). إلا أن التغير الكيفي الذي حدث في الرأسمالية خلال الثلاثين سنة الماضية وتحويلها من رأسمالية الاحتكارات إلى ما اسميه رأسمالية الاحتكارات المعممة، هي في قلب المشكلة حيث بلغ تركيز الأموال- وهي ناتج التطور الطبيعي للرأسمالية - درجة لم يعد معها هناك قطاع في الإنتاج مستقل عن هيمنة الاحتكارات. وحتى القطاعات التي تبدو على أنها مستقلة، تعمل في واقع الأمر من الباطن للاحتكارات. بهذا المعنى انتهت المنافسة الحقيقية التي كانت قاعدة تفعيل. للرأسمالية من غير فساد (علاقات اقتصادية غير فاسدة وغير قائمة على الفساد) وأيضا قاعدة الديمقراطية البورجوازية في إعادة إنتاج النظام. لقد تصور ماركس إمكانية حدوث ذلك لكنه لم يقل بصدده أكثر من جملتين أو ثلاثة ورجح حدوث الثورة الاشتراكية قبل الوصول إليه. هذا لم يحدث وبالتالي حدث ما تصوره، أي التطور نحو الأسوأ. كما أن هذه الدرجة العالية من التركيز أدت إلى تغيير جوهري كيفي في ممارسة الديمقراطية، بمعنى أنه لم يعد لها مضمون فأصبحت الأحزاب المرشحة لتناول السلطة عبر الانتخابات تابعة لسلطة الاحتكارات، وبالتالي سواء انتخب الناخبون اليمين أو اليسار، لم يعد ذلك يغير من الأمر شيئا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل