المحتوى الرئيسى
alaan TV

قراءة في كتاب (المستقبل في الفكر اليوناني والإسلامي) عرض: هيثم رسول حسن

05/29 20:23

يُعد كتاب (المستقبل في الفكر اليوناني والاسلامي) للدكتور رحيم الساعدي، الذي صدر مؤخرا عن دار(الفراهيدي) للنشر والتوزيع ببغداد، واحدا من الكتب التي تؤشر ولوج ميادين مهمة ولصيقة بحياة الانسان، فضلا عن تجاوز إطارها القديم، وفق نسق عصري يلائم تطورات الحياة الانسانية(المادية والروحية)، في زمن التقدم التكنولوجي الهائل والعولمة التي ترد إلينا من كل حدب وصوب، كصيرورة لازمة لدى المثقف الواعي دوره ليس فقط تجاه أمته، بل العالم الانساني برمته. وقد ضمّن الباحث كتابه جهدا متميزا ومادة علمية قيّمة بأسلوب بعيد عن السرد المفرط والتعقيد الفكري كما يحدث في كثير من الابحاث والدراسات، العلمية منها والانسانية على حد سواء. والكتاب يمثل مدخلا الى علم الدراسات المستقبلية، ذلك العلم المهم والضروري، موضحا ذلك بالقول: "المستقبل حلقة مستمرة في الفكر وفهمها يعبر عن خصوبة وقوة حضارية وفكرية، بل القول بأن الفكر المستقبلي يمثل نتيجة حضارية مهمة هو أمر لا يجانب الصواب، كما ان التنظير والبحث في هذا المجال يشير الى تصفح وتبني وتطبيق علم جديد في بلداننا، لهذا فقد خضت كغيري ـ والكلام للمؤلف ـ مغامرة البحث والدعوة الى التأسيس للفكر المستقبلي العراقي او الاسلامي وبداية بشكل خاص (من زاوية استقراء تأريخي) لتناول هذه الافكار في الحضارات القديمة والحضارتين اليونانية والاسلامية". ويستمر الكاتب في بيان ذلك فيقول :"جوانب الفكر المستقبلي لم تنل اليوم العناية الحقيقية في بلداننا بسبب انشغال الكثيرين بالافكار المستوردة، الأمر الذي أدى الى الصمت عن اعادة انتاج وتكرير الماضي وابتكار وتأسيس المستقبل". ويعرف علم المستقبليات او الدراسات المستقبلية بأنها "مجموعة من البحوث والدراسات التي تهدف الى الكشف عن المشكلات ذات الطبيعة المستقبلية والعمل على ايجاد حلول عملية لها، كما تهدف الى تحديد اتجاهات الاحداث وتحليل المتغيرات المتعددة للموقف المستقبلي، التي يمكن ان يكون لها تأثير في مسار الاحداث في المستقبل". كما يتطرق المؤلف الى مجموعة المصطلحات المرتبطة بمفهوم الدراسات المستقبلية التي تشكل مفاصل جوهرية او بنية تحتية لدراسات المستقبل كما يقول في عدد من الصفحات، فضلا عن بيان اهمية الدراسات المستقبلية بقوله: "اذا كان الهدف من استشراف المستقبل هو التمكن من السيطرة على ذلك المستقبل وصناعته بشكل افضل، فان العلوم المستقبلية تسعى الى تبيان المناهج وتوضيحها التي يمكن الاستفادة منها في تلك الدراسات، الامر الذي يشير الى علوم جديدة بالاضافة الى مناهج جديدة أيضا، وهذا كله يعني تحريك الساحة الفكرية العراقية والعربية والاسلامية، ومن هنا يمكن استغلال الفرص المناسبة من خلال تلك الدراسات للتطور والتجديد والاصلاح الفكري وتقديم البدائل الفكرية التي تساعد في البناء المادي والمعنوي للانسان والاوطان... الخ". ويبدأ الكاتب ما له صلة بموضوعه من افكار ومفاهيم ونصوص بالاسطورة بحسب التسلسل الزمني فيقول: "ان الخوض في غمار الاسطورة المعشقة بالمستقبل حمل في هذا البحث صفة غرائبية، فالعلاقة على هذا الوفق تمثل الكشف لمبادئ الغريزة في داخل الانسان الذي توضحه قضية المفردات الموجهة نحو الغد والمرسومة داخل الاساطير، كما ان قراءة النص القديم تحيلنا الى فهم العمق الفكري او الوازع النفسي للانسان القديم". ويضيف: "ان التفكير بالمستقبل غريزة لكل البشر، انه ذلك الجزء من الخطط والتقديرات والرغبات التي ترتبط بأحلام وأمنيات وطموح الأفراد في كل مكان وزمان". اما قراءة المستقبل عند الأمم القديمة خارج نطاق الاسطورة فاتخذت منحيين، احدهما يتمثل بالتنبؤ العلمي عن طريق الملاحظة للكواكب والأجرام السماوية وقراءة صفحات السماء، والآخر عن طريق الكهانة والتنجيم والعرافة، ويشير الكاتب الى مساهمات البابليين الذين تجاوزوا الملاحظات والخبرات الى ادراك العلاقة الجوهرية بين الظواهر الطبيعية من اجل قراءة المستقبل، لكن تبقى هذه المعرفة تخمينية كما يذكر. اما عن الفكر الاغريقي فيقول: "تجلت موضوعات عديدة تخص ذلك الفهم للمستقبل، على انه يلاحظ ان هذا الفهم تعلق بشكل خاص بأفكار عامة لا الدخول في المفردات العلمية المتخصصة او وضع المناهج التي تريد سبر أغوار المستقبل، وقد اقتصرت الافكار اليونانية على تسويغ التنبؤات البسيطة وفهمها او الكهانات المتواضعة، اما القواعد العامة او الافكار غير المبوبة او المستثمرة، فهي الصيغ والافكار التي توافق الاحداث والافكار المستقبلية او انها لا تنفك عن الما بعد او المستقبل التي تمثل الصورة الفكرية والفلسفية الاغريقية العامة لفهم او بحث المستقبل ومنها: الزمن، الميتافيزيقا...الخ". ويضيف: "الا انها صيغ لم تحدد على أن غايتها السيطرة على المستقبل او جعله غاية للبحث او التأثير والتأثر فيه، بل ان هذه الافكار طرحت بمثابة حاجة ضرورية أخرجها الفكر او الضرورة، ومن ثم فهي اقرب للغريزة او الفكر المرتبط بالخيال او الحاجة". غير ان حديث اليونانيين عن كل ما له صلة بهذا الميدان اتخذ طابعا نستطيع ان نطلق عليه صفة (معرفي) او كما يقول الكاتب: "اليونانيون استثمروا الفكر والعقل والحجة والقياس والاستقراء لتنمية الآراء التي يمكن ان توظف في بناء المعرفة". أما المستقبل في الفكر الاسلامي فيتوزع على فهمين هما: الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية. يقول الكاتب مفسرا ذلك: "الاول هو ما تميزت به المدة التي سبقت الفلاسفة (النبي وآله عليهم السلام) بقوة ومصداقية الأفكار التي تحاول الإخبار عن كل ما هو مفيد ومهم وناجح يخص الإنسان او الأمة الإسلامية، وما القواعد الحتمية وسنن التاريخ والتنبؤات (التي هي علم من عالم الغيب) للنبي والأئمة (عليهم السلام) وبعض الصحابة إلا مصداق لحتمية وصدقية تلك الأفكار.. يضاف لذلك رسم المشروع الاستراتيجي العام المتعلق بالمستقبل والإيمان بتطبيقه أو الحث على تطبيقه والوعي الحقيقي بالمستقبل والحوادث المقبلة المتعلقة بالانسان والأمة...الخ". ويذكر: "ان الدين الاسلامي هو دين المستقبل، فما من دين يتواصل مع المستقبل كما نجد في الدين الاسلامي". ويشير ايضا الى "ان الفكر المستقبلي الاسلامي يمثل ذلك الجهد المنصب على قراءة مستقبل الانسان بشكل عام والأمة الاسلامية بشكل خاص، معتمدا على وسائل مختلفة منها: الوحي والتنبؤ والأحلام والفراسة وغيرها لتحقيق الغايات الاستراتيجية المتمثلة باستخلاف الانسان الصالح في الارض وإقامة العدل في الدولة المستقلبية الموعودة ودفع الظلم، وهي ذات الأفكار العليا التي يتناولها القرآن الكريم التي تفسر عملية خلق الانسان التي تقابل بنتيجة ذلك الانسان ومصيره". كما يشير الكاتب الى ان الموضوعات المتعلقة بالمستقبل في الفهم الاول، تمثل نمطا من الواقع والحتميات التي سوف تقع لا محالة. اما فيما يتعلق بالفهم الثاني، اي الفلسفة الاسلامية فيذكر: "انها لم تلتفت الى دراسة المستقبل كما يجب وكان يمكن للفلاسفة المسلمين البحث في واحد من اهم العلوم لو التفتوا قليلا الى آلية العلوم المستقبلية التي تفترض مسألة مقبلة وتناقش في ضوء العلوم التي يجيدونها". ويقول ايضا: "لقد أضاع الفلاسفة المسلمون فرصة جوهرية مهمة لتأسيس علم المستقبليات وذلك عند البحث في الفكر التاريخي". ويعلل الكاتب ويفسر ذلك بالقول: "ان البحث عن المستقبليات هو شأن الفلاسفة والمفكرين لا الحكام، فهؤلاء يخططون للمستقبل بواقع المحافظة على أمور جزئية، والذي حصل ان الحكام لم يطلبوا معرفة المستقبل عن طريق الرجوع للمفكرين كما يحصل اليوم، فقد اتجهوا الى المنجمين لأنهم يقدمون نتائج واضحة ومميزة ولأنهم عمليون لا يتكلمون كثيرا كما يفعل الفلاسفة، ونتائجهم الزمنية قصيرة، بالإضافة الى انهم لا يتمردون وبالإمكان تطويعهم ليصبحوا جزءا من حاشية الحكام...الخ". ولا يفوتنا أن نذكر تطرق الكاتب فيما يخص الفهم الاول (الفكر الاسلامي) الى خصائصه وعناصر وآليات معرفة المستقبل فيه بشكل تفصيلي بدءا بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وكذلك إشارته فيما يخص الفهم الثاني "الفلسفة الإسلامية" الى وجود تشابه بين الافكار فيها وما موجود عند اليونانيين وهي لم تكن الا لمحات متواضعة هنا وهناك كما يقول.. وأخيرا يبقى الكتاب وحده هو الذي يعرّف بنفسه خير تعريف.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل