المحتوى الرئيسى

حوار مع الشباب!!

05/29 13:45

بقلم: د. إبراهيم علوان في حوار مع أحد الشباب قال لي منفعلاً: ستثبت الأيام أننا كنا "الصح"، وأن غيرنا كان على خطأ.   فقلت: ماذا تقصد بكلمة "أننا"، يعني: مَن أنتم؟ وماذا تعني كلمة "الصح"؟ يعني "الصح" في أي شيء؟   فقال: في الموقف من التعديلات الدستورية، فقد كنا نرى أنه يجب رفضها.   فقلت: مَن أنتم؟ فقال: نحن الشباب الذين ليس لهم انتماءات سياسية، أما المنتمون إلى تيارات سياسية فقد غلبهم تعصبهم والتزامهم الحزبي على الاختيار الصحيح، ومع الأسف قالوا: نعم.   فقلت: سبحان الله! ألم تنته هذه القصة منذ ما يقرب من شهرين؟ ووافق أغلبية الشعب 77% على التعديلات، فلماذا هذا الموقف الآن من قضية حسمتها الأغلبية وفق انتخابات حرة ونزيهة لأول مرة في تاريخ مصر؟   أنا أرى يا بني أن التفكير بهذه الصورة سلبي جدًّا، بل أخشى أن يكون مدمرًا للمستقبل الذي تنشده أنت وأمثالك، والذي بذل كثير من الشباب أرواحهم؛ حتى ينعم الذين أمد الله في أعمارهم بعدهم بحياة أفضل من الحياة التي كانوا يعيشونها قبل الثورة، بل لا أبالغ إذا قلت: إنه يعد خيانة لهذه الدماء التي سالت، وقتل للآمال العظام التي تاقت نفوسنا إلى الوصول إليها في الزمن القادم.   والسر في ذلك! أن طريقة التفكير التي تقوم على ترقب الفشل لأغلبية الشعب في قابل أيامه تعني أن أصحاب هذا التفكير سيحرمون المجتمع من المساهمة الفاعلة في إعادة بناء مؤسساته وهيئاته، وسيمتنعون عن المعاونة الصادقة لغيرهم ممن لم يوافقوا رأيهم في الإصلاح والتغيير، بل أخشى أنهم سيتحركون في اتجاه معاكس للاتجاه الذي اتجهت إليه الأغلبية بغية التعويق لمسيرتها، وكي يفشل اختيارها، ويبدو كما لو كان خطأ.   وبناءً على هذا! فستعزف الأغلبية بطريقة، ويعزف إخواننا المترقبين لفشلها بطريقةٍ أخرى، فيخرج اللحن العام نشازًا لا يسعد عازفًا ولا يمتع متابعًا، وليس ذلك راجعًا لاختلاف في الوسيلة بين الطرفين، فاختلاف الوسائل لا يفسد للود قضية، ما دام هناك اتحاد في الهدف العام، وهو البناء والتطهير والإصلاح وتحقيق المصلحة العامة والبعد عن الأثرة والأنانية، وإنما راجع إلى غياب حقيقة جوهرية، وهي في ذات الوقت بدهية، وهي: أن الأمر الذي اختلف فيه الطرفان ليس أمرًا دينيًا وردت به نصوص قاطعة لا مجالَ للاختلاف فيها، بل هو شأن دنيوي يحتمل تعدد الآراء وتباين الرؤى، وأنه كان يتعين على الأقلية أن تنسى رأيها هذا وتجند نفسها لتحقيق الهدف الكبير المشترك بين الطرفين.   وقدوتنا في ذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي نزل على رأي الأغلبية بالرغم من مخالفته لرأيه صلى الله عليه وسلم، ألا تذكرون معي موقفه في غزوة أحد لما شاور صحابته في البقاء بالمدينة ومقاتلة المشركين في شوارعها أو الخروج للقائهم خارجها؛ ذلك أنه لم يكن في الأمر وحي إلهي؟ وقد اختار البقاء في المدينة وعدم الخروج واختارت الأغلبية الخروج على خلاف رأيه صلى الله عليه وسلم، فماذا فعل يا مسلمون؟ لم يقل: سترون عاقبة وشؤم مخالفة اختياري، وستثبت الأيام أن اختياركم كان خطأ، وإنما نزل على رأيهم ولبس درعه، بل واعتبر أن اختيار الأغلبية اختيارًا شخصيًا له، فتعاون الكل على النجاح في المهمة الرئيسة، والهدف المشترك، ألا وهو صد المشركين عن المدينة.   لكني أرى أن قضية "نعم" و"لا" مع أنها حسمت في الانتخابات إلا أن مثل هذا الحوار الذي يجري بيني وبين مجموعة من أبنائي وإخواني في الله تعالى، والذين تربطني بهم مودة قلبية، وأحسبهم من أهل الخير والمحبين له، جعلني أعيد التذكير بجملة من البدهيات في هذه القضية لا سيما، وهناك صخب كبير في الصحف الكبير وعلى لسان أقوام ممن يعبون في السياسة قبل أن يولد كاتب المقال، وهو في العقد الخامس من عمره يطالبون فيه بإلغاء الاستفتاء على التعديلات وتأجيل الانتخابات البرلمانية.   أقول: بعد حمد الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:الجيش له منزلة كبيرة في نفوس المصريين لا تخفى على أحد، ولا ينكر دوره في نجاح الثورة وحمايتها إلا جاحد، هذا الجيش العظيم الذي يضرب لنا هذا النموذج الراقي من نكران الذات وحماية المصالح العليا للوطن قال للناس: أنا لا أريد الاستمرار في السلطة، ولست طامعًا في الحكم، وأنا أريد أن أؤدي دوري في تأمين الدولة والدفاع عن الأمة في مكاني الطبيعي وهو الحدود؛ ولذلك فأنا طامع ألا تطول فترة تحملي لمسئولية الحكم وإدارة شئون البلد المدنية، فضلاً عن الأعباء العسكرية، وقد حددت هذه المدة بستة أشهر، تنتخبون فيها من ترونه قادرًا على تحمل الأمانة، وأنا- كجيش- سأكون تابعا له خاضعًا لأمره في حماية البلاد وتأمين العباد، وأنا إن قلت ذلك لكم فلا آمن على نفسي- إن طالت المدة- أن تتوق للرياسة، وتتطلع للزعامة، فيضيع الحلم الذي دفع الشباب روحه فداء لتحقيقه، وأنتم تعلمون أن قادة الجيش بشر من البشر، وليسوا ملائكة معصومين، فبالله عليكم: لا تعينوا الشيطان علينا.   هذا إذا قلتم: "نعم" للتعديلات، ووافقتم على إجراء الانتخابات البرلمانية في شهر سبتمبر، أما إن قلتم: "لا" فسنضطر لتشكيل لجنة لإعداد دستور كامل، والاستفتاء عليه وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعده.   فانطلق إخواننا يقولون: "لا" ويقولون لمن قالوا: "نعم": أنتم كمن صعد إلى القمر فقيل له: ماذا تريد؟ طلباتك مجابة، فقال: أريد كيلو كباب، في إشارةٍ لا تخفى على ذي عينين إلى أنهم يسخرون من التصويت بـ"نعم" ويرونه تضييعًا للجهد الذي بذله الثوار.   فأجاب الآخرون: إنما مثل الذين يطالبون الشعب بأن يقول "لا" كمثل رجل كان مسجونًا في بئر سحيق، وأوشك على الهلاك، وجاء قوم لينقذوه، ومدوا له حبلاً ليتعلق به، فينجو، ولو بقي على هذه الحال مدة يسيرة لهلك اختناقًا، فلما مدَّ يده؛ ليتعلق بالحبل، قال له قوم: قل: "لا" وإياك أن تقول: نعم، إذ لا يليق بك أن تخرج من البئر بهذه الطريقة، فمكانتك الكبيرة تقتضي أن يبنى لك سلمًا من الذهب والفضة، فخُدِعَ بكلامهم، واستجاب لنصحهم فكان من الهالكين.   ونحن نسأل إخواننا المطالبين بـ"لا": ماذا تريدون أنتم؟ قالوا: نريد إعداد دستور جديد على الطريقة العصرية كأرقى الدساتير المعاصرة، يتناسب مع التضحيات التي قدمت في الثورة بدل هذا الترقيع للدستور المعطل.   فقلنا: هذا هدف جميل لا نختلف عليه، ونحن ساعون إليه عبر تشكيل هذه اللجنة بالانتخاب من أعضاء البرلمان المنتخبين ديمقراطيًّا من الشعب، ولكن: كيف سيعد هذا الدستور الجديد من وجهة نظركم أيها المطالبون بـ"لا"؟   قالوا: تشكل لجنة لإعداد هذا الدستور من أكابر القانونيين والعلماء الأجلاء   قلنا: من سيشكل هذه اللجنة؟ فإن قالوا: سنعرض أسماءها على الشعب في استفتاء. قلنا: هذا أمر شبه مستحيل، لأنه يعني أن الناخب العادي عليه أن يبدي رأيه في مائة اسم.   ثم إننا نعلم أنكم تعلمون أننا نعلم وأنتم تعلمون أن اعتراضكم على الموافقة على التعديلات راجع إلى تخوفكم من إجراء الانتخابات البرلمانية في سبتمبر، وأنكم غير مستعدين لخوضها لعدم وجود كوادر عندكم، وتودون أن لو طالت المدة؛ حتى تكونوا هذه الكوادر، ولا تكتمون تخوفكم من سيطرة أصحاب الاتجاه الإسلامي على البرلمان لو أجريت الانتخابات في هذا الوقت وهو ما لا تريدون الموافقة عليه.   وأنا أسألكم بصدق: ماذا ستفعلون لو أن الشعب اختار أصحاب الاتجاه الإسلامي حتى صاروا أغلبية أعضاء لجنة إعداد الدستور؟ ألا ترون أن السحر حينئذٍ يكون قد انقلب على الساحر؟ وإذا قلتم: لا، لن نعرض اللجنة على الشعب، بل سيختارها المجلس الأعلى للقوات المسلحة.   قلنا لكم: إذًا!! تحقق فينا قول المثل المصري "إذا أردت أن تفشل موضوعًا فشكِّل له لجنة" لماذا؟   لأننا سنتنازع حول أسمائها، ونقول: لماذا اختير فلان الإسلامي؟ واستبعد فلان العلماني؟   ولماذا نال الحزب الفلاني هذا العدد من أعضاء اللجنة؟ ولماذا؟ ولماذا؟ في تساؤلات واتهامات لا تكاد تتوقف، ونظل، ندور في حلقة مفرغة وراء بعضنا، فلا نحن خطونا خطوة في اتجاه استعادة الحكم المدني، ولا نحن شكلنا اللجنة، وخير شاهد على صدق هذا التوقع: ما حدث منكم ومن غيركم من لغط حول أعضاء لجنة إعادة فقرات التعديل، فلقد سمعنا فيها كلامًا وتشكيكًا في نزاهتها وعدم حياديتها، وأجنداتها الخاصة، مع أن أعضاءها من أكابر المتخصصين في القانون، بل وسمعت بأذني أحد إخواننا الكرام، وهو يقول: مَن طارق البشري هذا الذي عينوه لإعداد صيغة التعديلات؟ وقال: أنا غير مقتنع بهذه الشخصية، فإذا ثار هذا النزاع في أعضاء لجنة التعديل والذين لم يبلغوا عشرة أعضاء فكيف سيكون اللغط في لجنة مكونة من مائة عضو؟   وحتى لو شُكِّلت اللجنة، فهل ترون عملها سيمر ببساطة؟   بالقطع، لا؛ إذ سيقول العلمانيون: لماذا الإبقاء على المادة الثانية من الدستور؟ ويرد الإسلاميون: بل هي خط أحمر، وهكذا ندور، وندور وتستمر البلد في حالة شلل في انتظار نتيجة عمل اللجنة.   ويبدو أن إخواننا المطالبين بلجنة لإعداد الدستور وتأجيل الانتخابات ينسون أن العالم لن يقف متفرجًا علينا، ليستلهم روح تجربتنا الديمقراطية وثورتنا السلمية كما يقال، وإنما سيحرص بالترغيب والترهيب أن يتدخل ليوجه اللجنة للوجهة التي لا تبني استقلالاً في القرار، ولا ديمقراطية حقيقة.   أضف إلى ذلك! فهل نحن نملك قلوب أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة ونضمن عدم تحولها؟ بل وهل نضمن بقاءهم جميعًا على قيد الحياة حتى نفرغ من إعداد الدستور؟   الخلاصة! إن القول بـ"لا "وهو قول مدفوع بسبب لا يمت للمصلحة العامة بصلة، بل هو مدفوع بمصلحة خاصة، بل وخاصة جدًا، هو الفزع من المشروع الإسلامي كان سيدفع البلاد إلى مصير مجهول ونفق مظلم.   والسؤال البرييء: هل المشروع الإسلامي سيئ إلى هذا الحد حتى نفزع منه كل هذا الفزع؟الحقيقة.. أنا في غاية العجب من هذا التخوف؛ لأنه صادر عن مسلمين في الديانة،   المفروض أنهم يفهمون أنه إذا قضى الله ورسوله أمرًا ألا يكون لهم الخيرة من أمرهم، وليس التحاكم لشريعة الإسلام بين المسلمين أمرًا اختياريًّا يفعلونه أو لا يفعلونه، بل هو الواجب الذي لا يكون المؤمن مؤمنًا إلا به.   وقد جادلني بعض إخواننا وأبنائنا في الله تعالى، وقال: هل سنُدْخِل الحلال والحرام في كل مسألة؟   قلت: سبحان الله! فما الذي يميز سلوك المسلم عن غيره؟ إن حياة المسلم تدور كلها حول هذا الميزان، فما كان حلالاً بينًا أمكن له أن يفعله، وما كان حرامًا بينًا وجب عليه أن يتركه، وما كان دائرًا بين الحلال والحرام فالنبي الذي نؤمن به رسولاً وهو أدرى بمصلحتنا الدنيوية والدينية ندبنا إلى ترك المشتبهات؛ حتى يسلم لنا ديننا وعرضنا.   ومع ذلك! فينبغي التذكير هنا ببدهية، وهي أن أصحاب المشروع الإسلامي ليسوا مفوضين من الله تعالى ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم في تحديد ما يعد حلالاً وما يعد حرامًا؛ لأن دائرة الحلال البين معروفة لكل المسلمين، ودائرة الحرام البين محددة لا تخفى على أحد، ولا يصح لمسلم أن يتعدى حدود الله، وأما دائرة المشتبهات فأصحاب المشروع الإسلامي يطالبون الشعب بالرجوع لأهل العلم المتفق على اعتبارهم أهل التخصص في فقه الحلال والحرام ليرفعوا لنا الإشكال حولها، فإن رفعوه فبها ونعمت، وإن لم يتمكنوا من رفعه، وبقيت حالة الاشتباه، فهو إلى الحرام أقرب.   على أنه من الممكن أن أحاول تفهم هذا التخوف من صعود أصحاب المشروع الإسلامي إذا كان صادرًا عن غير المسلمين؛ لأنهم غير مسلمين، وعندهم تصور غير صحيح عن الدولة الدينية التي لا وجودَ لها في فقه أهل السنة والجماعة، فتخوف النصارى أمر مفهوم؛ لأن عندهم تجربة مريرة مع الدولة الدينية التي ينطق الحاكم فيها باسم الإله، ويعيث في الأرض فسادًا باسم الإله، ومثل هذا الوهم لا وجودَ له في شريعة الإسلام، وقد رأينا قبل قليل الصحابة الكرام وهم يخالفون رأي النبي المصطفى في غزوة أحد؛ لأنهم يعلمون أنه كان يناقشهم في شأن دنيوي ليس فيه وحي من الله. فهل يتشاور النبي المعصوم، وينزل على رأي الأغلبية، ثم نفترض- يا مسلمون- أن أصحاب المشروع الإسلامي سيكممون الأفواه، وسيزعمون أنهم ينطقون باسم الرب؟   المزعج أكثر أن إخواننا هؤلاء وضعوا أنفسهم مع النصارى في سلة واحدة من غير داع، ولو كان هذا التوافق بين الفريقين- النصارى والقائلون "لا" من المسلمين- في بناء كوبري أو شق مصرف لقلنا: اتفاق في الرؤى، والأمر ليس دينيًّا، لكن أن يكون التوافق هو التخوف من صعود أصحاب المشروع الإسلامي فهذه هي الغصة في الحلق من المأزق الذي وضع إخواننا المسلمون الذين قالوا "لا" أنفسهم فيه، فهل يتمسك أصحاب كل ملة وأتباع كل نحلة؛ حتى عباد البقر بملتهم ودينهم، ونحن نخاف من التدين والمتدينين؟ ألا إن هذا لشيء عجاب!!   وقد يجادل هؤلاء بغير حق ويقولون: كأنك تفترض أن التيار الإسلامي فقط وأتباعه هم المسلمون، وتتهمنا بأننا لسنا كذلك، يعني، كفار؟   وأنا سأرتضي ذمتكم وأمانتكم: هل سمعتم مرةً من المنادين بالمشروع الإسلامي مَن يقول: إننا المسلمون ومَن يخالفنا كفار؟ اللهم لا.   فلماذا التقوُّل علينا بأمر لم نقله يومًا، ولم نعتقده لحظة؟ ثم! لماذا هذا الهلع من أصحاب المشروع الإسلامي؟ هل سبق لنا أن ضبطناهم يسرقون أموال الشعب؟ هل علمنا عنهم الاتجار في المخدرات؟ وهل علمناهم يظاهرون ويعاونون على الفحش أو الضلال؟ اللهم لا.   سبحان الله! فلماذا كل هذا الفزع؟ ولماذا الحرص على تعويقهم بكل وسيلة والوقوف ضدهم وضد فكرتهم بكل طريق؟   أجيبوني يصراحة وصدق يا عباد الله !!   هل تعطيل المنادين بالمشروع الإسلامي في هذه الأيام يعني أن يتقدم أقوام أكثر صلاحًا وطهارةً في اليد منهم وأكثر وطنيةً وحبًا للبلد وحرصًا عليها منهم؟   إن كان الأمر كلك فدلونا على هؤلاء الأطهار، وأنا أقسم لكم بالله الذي نؤمن به جميعًا أن أصحاب المشروع الإسلامي جميعًا سيكونون جنودًا لهم، لكن المهم والسؤال الضروري: أين هؤلاء الصالحون الأطهار؟   فإن قلتم لنا: انتظروا حتى نربي جيلاً من الأطهار يتولى القيادة والمسئولية بدلاً عن أصحاب المشروع الإسلامي.   سأقول لكم: هذا كلام عبثي ؛ لأنه لا يعدو أن يكون تعطيلاً بلا مبرر، وتركًا لسفينة البلاد تسير وسط الأمواج بلا قائد ولا ربان، وسفينة هذا حالها صائرة إلى الغرق المحتم، ولا أظنكم ترضون هذا أو تسعون إلى هذا.   وأعدكم- إن كنتم صادقين- أن يظهر هذا الجيل الذي تعدوننا به بنفس المواصفات التي نرى عليها أصحاب المشروع الإسلامي الذين نخاف ونخوف الناس منهم.   وبالتالي! تكونون قد ظلمتم أمتكم وعطلتم مسيرتها بلا أي مبرر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.   أعتقد أنكم- يا إخواننا- أعقل من أن تحاكموا أصحاب المشروع الإسلامي، وترفضوا هذا المشروع بسبب كلمة قد تصدر عن أحد المنسوبين إليه، أو موقف يتخذه أحدهم، أو خصومة وقعت بين بعضكم وبعض أفراده؛ لأن رفض المشروع الإسلامي والوقوف ضده بسبب ذلك ظلم كبير وحرمان للأمة كلها من بركات هذا المشروع وخيراته؛ استنادًا إلى أمر لم يسلم منه مجتمع الصحابة الكرام أنفسهم، وفي وجود إمام البشرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.   ألم يأتكم نبأ ماعز والغامدية؟ ألم يأتكم نبأ السارقة المخزومية؟   فهل نرفض الاقتداء بهذا الجيل المبارك والسير وراءه لأن مجتمعهم ظهر فيه هؤلاء؟ ألا إن هذا لهو الإجحاف وعدم الإنصاف.   ولا يقولن قائل: إن كلامك يعني أن نتخلى عن انتماءاتنا الحزبية والفكرية وننتسب جميعا إلى التيار الإسلامي.   لأن هذا تَقوُّلٌ عليَّ بأمر لم أقله، ولم يطالب به أحد من أهل المشروع الإسلامي أصلاً، وإنما المطلوب ألا يكون شغل إخواننا الشاغل هو الحرص على النيل من أشخاص أصحاب المشروع الإسلامي، والتخويف من مشروعهم، وتعطيل مسيرتهم، ومحاولة التصيد لزلاتهم، بل على الجميع أن يعمل لبناء مصر الديمقراطية الحرة المستقلة، ولا بأس أن تتنوع الوسائل المؤدية إلى هذا الهدف، فالطريق طويل، ونحن في أول خطوةٍ منه، وهي الخطوة الأخطر؛ لأنها مرحلة وضع الأساس التي ستقام عليها الأعمدة ويرفع بعدها البنيان.   وإن ننسى لا ننسى أن انتصار المسلمين في أحد كان وشيكًا إلا أن ثلة من الرماة نسيت مهمتها التي وُكلت إليها، وتعلَّق قلبها بالغنائم، فآثرت أن تأخذ حظها منها، وتركت ميدانها وعملها، فكان أن انقلب الفرح مأتمًا والانتصار مصابًا جللاً، فهل نستوعب هذا الدرس من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نترك واجبنا انشغالاً بالغنائم، حتى لا يرتد إلينا عصر طالما فرحنا بزواله، وساعتها لا ينفع الندم.   أسأل الله الكبير المتعالي ألا يريني الفجيعة فيكم، وأن يجعل نهايتكم خيرًا من بدايتكم، وأن ينصر بي وبكم الإسلام، وأن يعزَّ بي وبكم القرآن، وأن يحفظنا وبلدنا مصر وبلاد المسلمين من همزات الشياطين، وأن يعيذنا ربنا أجمعين من أن يحضر الشيطان لنا مجلسًا، أو يفسد لنا عملاً.   وأنا طامعٌ من كل مَن انتفع بكلمةٍ من هذه الكلمة ألا يحرم هذا الخويدم للإسلام وأولاده من صالح الدعاء، ولكم جميعًا تحياتي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل