المحتوى الرئيسى

المستشار فؤاد راشد يكتب: القضاء وعصر المظالم!

05/29 12:40

منذ فجر التاريخ قدَّس المصري القديم العدالة، وبلغ الأمر أن كانت لها "إلهة" هي ماعت، ولم يكن الأمر بعيدًا عن نبات الأخلاق ذاتها كفكرة ومبدأ في أرض مصر قبل نشأة الديانة اليهودية بنحو ألفي عام، وهو ما حدا بالعلامة جيمس بريستد أن يضع أحد أهم الكتب التاريخية في القرن العشرين، وهو كتاب "فجر الضمير"، ومن اللافت إيمان المصري العميق بالبعث والحساب، وأنه يوم القيامة سيسأل عن جرائم محددة ليقول "لم أسرق، لم أقتل، لم أكن متكبرًا، لم أدع إنسانًا يموت جوعًا، لم أنقص المكيال والميزان، لم أكذب ولم أضع الكذب مكان الصدق"!.   وفي أعماق وعي المصري على مدى تاريخه روح متحضرة، تلك الروح التي تجلت في حرب أكتوبر ومعاملة الأسرى اليهود، كما تجلت في ميدان التحرير على نحو أذهل العالم وحدا بالرئيس الأمريكي أن ينصح شباب بلاده ليتعلموا من الشباب المصري، ولم يكن ذلك وليد يوم الثورة بل هو مخزون حضاري هائل داخل قلوب المصريين يُستدعى وقت الملمات فتجده حاضرًا مبهرًا.   ولقد درج المصري على احترام القاضي احترامًا ذا خصوصية تعطي القضاء ما يمكن أن يكون مسحةً قدسيةً، وللأمر بُعده الديني فضلاً عن بعده الحضاري والتاريخي؛ لأن كلمة القاضي هي العدل ولأن نزاهة القاضي وتجرده أمر مسلَّم يردده الجميع، ولكثرة ما سمعت جملة (القاضي نزيه) في طفولتي صرت كلما سمعت كلمة "نزيه" لا أتصورها إلا بحضور كلمة القاضي لكثرة اقترانهما.   ومن فضل الله على أرض الكنانة أن قلعة القضاء عزَّ على محاولات نظام مبارك إفسادها ترغيبًا وترهيبًا، وبقيت عزيزة شامخة.   وفي الإمكان أن نسمي عصر مبارك بضمير مرتاح "عصر المظالم"؛ لأن كل كارثة ارتكبها وراءها مظالم من بيع القطاع العام إلى سلب مال الناس وحرياتهم إلى إطلاق يد الأمن عليهم لترويعهم إلى إهدار كرامة المصري على أرضه وخارج أرضه.   ومن سوء الحظ أن مبارك ومنذ ظهور ولده على الساحة كان متربصًا متحفزًا لانتهاز فرصة القفز على أنفاس المصريين، وصار هاجس مبارك الأب ومحرك سياسة الدولة خارجيًّا وداخليًّا هو توريث ولده الحكم، فكان الانسحاق أمام الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لمباركة المشروع، وكان السعي في الداخل لإشاعة مناخ التوريث ضمن ثقافة المصريين ليصبح جزءًا كامنًا في اللاوعي يؤتي أثره على نحو تلقائي، وظهرت بقوة فكرة "أبناء العاملين " في كل مصلحة حكومية ليكون ابن موظف الكهرباء موظفًا بها وابن موظف المحكمة موظفًا بها وابن الضابط ضابطًا وابن القاضي قاضيًا، حتى إذا حانت لحظة التوريث كانت الغالبية مشبعة بالفكرة لا من خلال إقناع قولي وإنما بمنطق واقع على الأرض، وإلا ففيم غضب الضابط ابن الضابط مثلاً على الرئيس ابن الرئيس وكلاهما جلس حيث يجلس من خلال أبيه.   واقترنت سياسة توريث الوظائف بنكبة أخرى هي شيوع الوساطة والمحسوبية، وهو ما أشاع جوًّا من عدم الثقة ومناخًا ملائمًا لإطلاق كل صنوف الشائعات دون أن يكون أحد معنيًّا بالتحقق من صدقها أو كذبها، وكانت بعض تلك الشائعات تتردد كأنها الحق المبين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كشائعة أسعار الوظائف العامة متدرجة وبالأرقام صعودًا وهبوطًا بعائد الوظيفة المالي والاجتماعي، فإذا أضفنا لكل ذلك أن بعض المناصب تحتاج بالفعل تدقيقًا إضافيًّا حول "أهلية" المرشح الأخلاقية، وهو تدقيق جرى التوسع فيه بإدخال الأهلية العائلية لينحى- بحق وبغير حق- بعض أهل الكفاءة العلمية مهما علت أسهمهم لحساب أهل الكفاءة العائلية مهما تدنت الكفاءة الشخصية للمرشح، ولم تكن هناك جهة لم يقتحمها هذا المنطق الكارثي، سواء القضاء أو الشرطة أو الخارجية أو غيرها، فما جرى في نطاق الوظائف العادية جرى مثله وأسوأ منه في نطاق الوظائف الأكثر إثارةً للطموح، وهو ما انتهى في آخر المطاف إلى انهيار الثقة العامة في سلامة قواعد الاختيار وامتدَّ الغضب إلى القضاء قلعة المصريين التليدة ومحرابهم المقدس عبر تاريخهم الطويل!   وراحت سهام ذلك الغضب تطلق تجاه القضاء على نحو لم تعتده مصر ولا اعتاده القضاة وهم جزء من نسيج الوطن ومحط آماله في إقامة العدل لا سيما في مرحلة تحتاج مصر فيها أكثر ما تحتاج إلى عدل يقيمه القضاة محميين بثقة أهلهم ودعمهم.   ولا يجادل إلا مكابر في أن ظلمًا مفجعًا حاق بالكثيرين؛ من جرَّاء سياسات التوريث تلك التي تبناها مبارك الكامن وراء كل مصيبة، ولنا أن نتخيل طالبًا حاصلاً على تسع وتسعين بالمائة في الثانوية العامة يُحرم من الالتحاق بكلية الشرطة لأن والده فلاح أو موظف، بينما يصبح زميله في الفصل الحاصل على ستين بالمائة ضابطًا؛ لأن والده صاحب منصب أو جاه، وحال الخريج الحاصل على تقدير عام جيد جدًّا في كلية الحقوق ولا يعين بالقضاء ليخلي مكانه لابن أحد الكبار فقير الكفاءة!   ولا بد أن نسلم أنه ليس كل أبناء الكبار ضعاف الكفاءة، فذلك قول يجافي الواقع الذي يشهد بأن الكفاءة لا تقف عند باب دون باب، وكثير من الضباط أبناء الضباط مثلاً هم أوائل الخريجين، وكثير من أبناء القضاة هم أوائل دفعاتهم، وهو نفس الحال في كل موقع، وتلك أمور يعلمها الكافة، ولكن لا بد أن نسلم أيضًا أنه على امتداد مصر كلها جلس أناس؛ حيث لم تؤهلهم قدراتهم وإن أهلتهم قدرات ذويهم، ونُحِّي أناس- ظلمًا وقهرًا- عن أماكن يستحقونها لأن مؤهلاتهم لم تكن كافيةً في غياب مؤهلات ذويهم! وفي الحالين فإن الخاسر الأكبر هو مصر نفسها؛ حيث يُوسد الأمر في النهاية إلى غير أهله!   إن ما يثار حول القضاء والشرطة والخارجية وغيرها يُثار أضعافه حول الكليات العملية خاصةً الطب، وما ينشر- إن صح عشر معشاره- فإننا نكون أمام مجتمع تتهاوى أركانه،  وامتحانات الشفوي وما يجري بها هي جزء من سياق موضوعنا؛ حيث يسير ابن الأستاذ في وسط دفعته وربما في ذيلها ثم فجأةً وعلى حين غرة يتقدم مركزه ليصبح في النهاية أحد الأوائل.   لقد دفعت مصر دم الأحرار ثمنًا للكرامة والعدل والحرية، ولا بد من وضع ضوابط صارمة كي ينال كل إنسان حقه بقدر جهده وكفاءته لا كفاءة أهله سواء كان ذلك في القضاء أو الشرطة أو الجامعات أو أية جهة أخرى، فقد أهلك الذين كانوا قبلنا ترك الشريف إن سرق وإقامة الحد على الضعيف، ونحن نريد ألا يهلكنا نفس المنطق مع اختلافٍ في التفاصيل!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل