المحتوى الرئيسى

د. أشرف الصباغ يكتب: مصر لم تكن أبدا مبارك والإسلام لم ولن يكون الإخوان

05/28 22:02

تعددت صور الإرهاب على مر التاريخ. وكان أخطرها الإرهاب الديني: إرهاب الوعي والأحاسيس والمشاعر، إرهاب الروح. فهل بيلاطس كان يجهل فعلا الأسباب الحقيقية لمؤامرة الكهنة من أجل صلب سيدنا المسيح عليه السلام؟ هل الأذى الذي تعرض له سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام على أيدي أبي لهب وأبي جهل وأبي سفيان كان بسبب المواجهة بين الدين الجديد وبين اللاتي والعزة وهبل، أم الأسباب كانت نفس أسباب الكهنة الذين حرضوا على صلب المسيح؟ قد نختلف وقد نتفق! ولكن ما جرى أثناء الخلافتين الأموية والعباسية من إرهاب ديني حقيقي وتقطيع أوصال وحرق وصلب، لا يمكن أن نختلف عليه. ما حدث في أوروبا طوال القرون الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر، لا يمكن أن نختلف عليه من حيث الإرهاب الديني الحقيقي الذي ملأ أوروبا بأنهار من الدماء.تمكنت أوروبا من تجاوز المحنة. وبنت حضارتها التي قد نختلف أو نتفق حولها. ولكن في كل الأحوال هناك من يلعنها وهو يعيش في الوقت نفسه على منجزها العلمي والثقافي والتكنولوجي، بل ويحصل على بدل البطالة من ضرائب مواطنيها ويكفرهم ويلعنهم ويقتلهم يوميا. كان العصر العباسي هو أنضج المراحل التاريخية التي كان من الممكن أن نسبق فيه أوروبا في مجال الإصلاحات الدينية. ولكن حدث وتوقفت العجلة لأسباب كثيرة محزنة. وها نحن الآن نعيش بعضا من تلك الأيام السوداء..طوال 60 عاما لم يكن من الممكن للمواطن أن يقترب من شخص رئيس الدولة. والسبب كان بسيطا للغاية. فجمال عبد الناصر كان مصر، وأنور السادات كان مصر، وحسني مبارك كان مصر. أن تنتقد ناصر أو السادات أو مبارك، فأنت تنتقد مصر وتكرهها وتحتقرها. وبالتالي لا تستحق أن تكون مصريا. ولكي نكون أكثر موضوعيه، فهناك فروق كبيرة بين ناصر والسادات ومبارك من حيث السلوك الشخصي والقرب من الناس وتصرفات أبنائهم وزوجاتهم وأقاربهم. ولكن شاءت العقلية المحافظة والرجعية والكهنوتية أن تربط بين شخص رأس الدولة ومعنى الوطن وقيمته، فأوقعتنا في "المحظور" بالمعنى الصوفي. لدرجة أنه عندما كان المواطن يلعن "البلد" في زحمة الأوتوبيسات وطوابير المخابز وفي المكاتب الحكومية اللعينة، كان الجميع يباركون ويسبون معه. وبالتالي كان "البلد" في هذه الحالة مجرد كلمة مجردة قابلة للسب واللعن. لكن انتقاد الرئيس – المقدس كان يكسب "البلد" الذي يأخذ فجأة اسم مصر وشكلها قيمته ومعناه وجوهره وقدسيته. وهنا يتحول المواطن الذي يتعرض لسيادة الرئيس – المقدس إلى خائن وعميل وصاحب أجندة، وربما جاسوس لدولة معادية ضد "مصر العظيمة التي أرضعته وربته وعلمته وأعطته ما لم يعطه وطن لأبنائه"! فهل سيتحول المواطن المصري المسلم إلى خائن وعميل وكافر إذا لم يكن إخوانيا أو سلفيا أو من حوارييهم والسائرين خلفهم؟ هل سيتم تكفير الذين ينادون بدولة علمانية خالية من العنصرية الدينية والعرقية وتحويلهم إلى طابور خامس بموجب الصكوك والتوكيلات الإلهية المزورة التي يرفعها البعض في وجوه المصريين؟ تحجبوا كما شئتم ومتى شئتم. أطلقوا لحاكم كما تريدون. اللهم لا اعتراض فهذه حريتكم ومن يصف ذلك بالتخلف فهو أصلا المتخلف عقليا. لكن اتركوا الناس في حالهم فالمشاكل الجنسية التي تصدعون رؤوسنا بها لا توجد إلا في مخيلاتكم وأوهامكم أنتم. لا تنصبوا من أنفسكم أوصياء على دين الله وخلقه.بعد 25 يناير 2011 اكتشفنا، ويا للهول! على رأي يوسف وهبي، أن الرئيس والسيدة حرمه وأنجاله وأقاربه مجرد ناس عاديين جدا. واكتشفنا أيضا أن لا الرئيس ولا السيدة حرمه ولا حتى أنجاله ليسوا أبدا "مصر". وأن دولة "مصر" هي وطن كل المصريين. وقيمة مصر تتحدد وفقا لعوامل وأسباب ومعادلات أخرى تماما غير تلك التي زرعوها في وعينا وحاسبونا واستعبدونا طوال حياتنا بسببها. يمكن للقانون أن يحافظ على هيبة رئيس الدولة ببنود محددة وواضحة يعاقب بها من يتعرض لشخص رئيس الدولة. ولكن أن يكتسب الوطن قيمته وقدسيته من شخص رئيس الدولة فهذا كهنوت يعيدنا إلى العصور الوسطى.يبدو أن العصور الوسطى ليست بعيدة كما يتصور البعض. فالإسلام في مصر أصبح حكرا على الإخوان والسلفيين وأتباعهم. كيف أكون مسلما وغير إخواني؟ هذه المعادلة يجري زرعها في وعي بسطاء الناس حاليا. ما يعيدنا بدرجة أو بأخرى إلى عصور الظلام والدخول في الضمائر والأرواح. كانوا يسمونها "محاكم التفتيش"، التفتيش في الضمائر. كيف تكون مسلما وغير إخواني؟ يا للهول! إذن أنت بحاجة إلى علاج. وطرق العلاج تتعدد.. فرج فودة؟.. نجيب محفوظ؟.. نصر حامد أبو زيد؟ أم ...لم يفعلها أتباع محمد عليه الصلاة والسلام حتى عندما تغلبوا على أبي جهل وأبي لهب وأصحابهم. لم يشدوا شعور النساء في الشوارع، ولم يهددوا الفتيات بالنبابيت والسيوف والجنازير. لم يوقفوا الرجال في عز الضهر أو في أنصاف الليالي لكي ينذروهم ويحذروهم ويهددوهم. لقد جاء الدين الجديد لا من أجل شد شعور النساء وإرغام الفتيات على الحجاب أو المطالبة "بأختي كاميليا". لم يأت الدين الجديد من أجل استخلاف البعض في الأرض وجعلهم أوصياء على الدين والناس في آن واحد. ولم يأت ليعين البعض خلفاء ووزراء لله.إن فعل الوصاية والتهديد والترغيب والإغراء كلها عناصر لمشروع سياسي وليس ديني. إذن، لماذا لا يعلن الإخوان وأصحابهم من السلفيين بأنهم يرغبون في ممارسة السياسة، ومن ثم يبتعدوا عن التمسح بالدين لكي لا يشوهوه ويدنسوه؟ أن تنصب من نفسك وصيا على المسلمين وخليفة لله في أرضه فهذا يعنيك أنت وحدك ولن يمنحك الشرعية ولا الأهلية. اترك دين الله في حاله وتقدم بمشروعك السياسي ضمن كل القوى السياسية الأخرى وبنفس قواعد اللعبة وعلى أساس دستور يفصل جيدا بين الدين والدولة. لكن أن تخلط الحابل بالنابل، فتشوه الدين ووعي الناس في آن واحد، هذا ما لا يرضاه لا عبد ولا رب.الإسلام ليس الإخوان ولا السلفيين، ولن يكون. بالضبط مثلما لم تكن مصر في يوم من الأيام هي مبارك. الإخوان والسلفيون ليسوا إطلاقا الإسلام ولن يكونوا، مثلما لم يكن مبارك هو مصر.وفقا لهذه الرؤية سينتصر شباب الإخوان على الدجل والتآمر. الثورة أثبتت أن شباب مصر بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والفكرية هم المحرك الرئيس للمستقبل. مصر بحاجة إلى الاختلاف والتنوع والمشاريع السياسية الواضحة والشفافة لإعادة بنائها بما يتلاءم مع تحولات القرن الواحد والعشرين، لا إلى الدجل والشعوذة وخلط الأوراق واللعب بالدين وتفتيش الضمائر. قد تكون إحدى الأمنيات في تلك الفترة غير البسيطة في تاريخ مصر والمصريين، ألا يسمح شباب الإخوان للكهنة بأن يستخدموا رصيده الوطني المشرف الذي رأيناه ونراه كل يوم بأعيننا في ميدان العزة والكرامة والتحرير. ونراه كلما تحدثنا معهم. لقد عرفنا بعضنا البعض بعد أن خفت قبضة الكهنة من حول رقابنا وأعيننا. لقد اقتربنا من بعضنا البعض بعد أن كنا نعرف بعضنا بالسمع والنكات والسخرية والغمز واللمز. اكتشفنا أننا أبناء جيل واحد ومرحلة واحدة، وأننا مصريون وأقرب إلى بعضنا البعض أكثر مما كنا نتصور. شباب الإخوان، مثل كل المصريين، كانوا يفتحون الطريق أمام إخوانهم المصريين المسيحيين إلى ميدان التحرير. كانوا يرحبون بهم لا كغرباء ولا كشركاء في الوطن، بل كمصريين لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات. حمى كل منا الآخر أثناء الصلاة على أرض الله وتحت سماء الله في ميدان التحرير. هؤلاء الشباب لن يمنحوا الكهنة الشرعية اللازمة لتشويه الإسلام وتحويل مصر إلى ولاية. فمصر أكبر من حزب التحرير الإسلامي والقاعدة بل وحتى الخليج العربي بأكمله وما سيستجد من خلافات (جمع خلافة).كان الأحرى بالكهنة الصغار من كل حزب وأيديولوجية وجماعة وتنظيم أن يتساقطوا خلف الكاهن الأكبر في 11 فبراير 2011. لكن السياسة بحاجة إلى الجلد السميك (التخين بالمصري). وعندما نخلط السياسة بالدين، فنحن بحاجة إلى جلد أسمك (أتخن بالمصري). فهل يدرك مدنسو الديانات وتجارها أن الوقت قد حان للشفافية وبناء الوطن بشكل صحيح؟ لا أحد يرفض الكهنة من أي نوع سواء من اليسار أو اليمين. ليشاركوا في أي عملية سياسية في بلادهم التي هي بلاد جميع المصريين. ليؤسسوا أحزابهم وجمعياتهم، ولكن على أساس دستور واضح ومحدد يفصل دين الله عن ممارسات البشر في السياسة والبيزنس. الرفض فقط لخلط الأوراق وتدنيس الدين، أي دين، وانتقاص حقوق وحريات المواطنين المصريين أبا عن جد.مسلمون كثيرون ليسوا إخوانا ولا سلفيين، ولا يريدون أن يكونوا. فماذا سنفعل معهم؟ على السلفيين والإخوان أن يتحدثوا عن أنفسهم إذا أرادوا تدنيس الدين الإسلامي بالسياسة. مسلمون كثيرون لديهم القدرة على التفكير والتدبير والمشاركة السياسية والتفاعل من أجل وجه حضاري لعموم شعب مصر والأمة المصرية، ولكنهم ليسوا إخوانا ولا سلفيين، ولا يريدون أن يكونوا. مسلمون كثيرون يفهمون الإسلام بطريقتهم ويعيشون الإسلام بينهم وبين ربهم الذي سيحاسبهم. فهل من صكوك أو توكيلات إلهية؟ أفزعني أحد الشباب الصغار في ميدان التحرير عندما أنهى خطيب الجمعة قراءة سورة الفاتحة وقال آمين. فأمَّن الملايين من خلفه. لكن الشاب كان ينظر إلى شفتي شخص بعينه يقف إلى جواره. وبنبرة سخرية، قال: "هه، وكمان مبتأمِّنش؟". نظر المحيطون للشاب الصغير نظرة احتقار. وقال أحدهم: "وإنت مالك، يا أخي.. هو لازم يعني يأمِّن؟". فكر الشاب الصغير للحظة وظهرت على الفور علامات الخجل على وجهه. احسستُ أنه يبحث عن مكان للاختفاء من شدة الخجل والإحساس بأنه ارتكب خطأ فظيعا. أشفقت عليه بعد أن كنت حانقا ومغتاظا بالفعل. ثم انتابتني بهجة داخلية لأنني تيقنت أنه أدرك. فشكرت الله.الإسلام ليس الإخوان ولا السلفيين، ولن يكون. بالضبط مثلما لم تكن مصر في يوم من الأيام هي مبارك. الإخوان والسلفيون ليسوا إطلاقا الإسلام ولن يكونوا، مثلما لم يكن مبارك هو مصر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل